للاطلاع على محتويات الإعلان أنقر هنا  
صحيفة دولية تهتم باللغة العربية في جميع القارّات
تصدر برعاية المجلس الدولي للغة العربية

  الإعلان عن بداية التسجيل في المؤتمر الدولي السابع للغة العربية            مسابقة ألف قصيدة في اللغة العربية           عاجل جدا... لقد تغير بريد المجلس الدولي للغة العربية الإلكتروني           الموقع الخاص بالمجلس الدولي للغة العربية           الموقع الخاص بالمؤتمر الدولي للغة العربية           الباحث العربي: قاموس عربي عربي         
الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة

شواعر السودان - 6

د. محمد عبد الله سليمان


رقية بنت حبوبة :

   الشاعرة رقية بنت حبوبة أخت الأمير عبدالقادر محمد إمام إدريس المشهور بـ (ود حبوبة ) المولود في قرية قوز عبدالسلام ،كان والده ناظراً للحلاوين في أواخر العهد التركي، التقي ود حبوبة بالإمام المهدي في قرية طيبة الشيخ القرشي، وعندما قامت الثورة المهدية بايع قائدها ، وأصبح من أبرز قادتها، شارك في كل معارك المهدية ما عدا معركة كرري، وبعد موقعة كرري عاد ود حبوبه إلى مسقط رأسه وهناك قام بثورته المشهورة في تاريخ السودان ضد الإنجليز فَقَتل مستر منكريف المفتش الإنجليزي برئاسة مديرية النيل الأزرق، والمأمور واليوزباشي محمد شريف ، فأعدمه المستعمر الإنجليزي شنقاً بعد محاكمته في مدينة الكاملين يوم 7 مايو 1908 أمام قاضى محكمة المديرية المستر بيكوك القاضي الإنجليزي بعد أن أثبتت عليه المحكمة قتل المفتش ومن معه، واتهم بإثارة الفتنة، والحرب على حكومة السودان ، فحكمت عليه المحكمة بالإعدام ومصادرة أملاكه . وقد نُفِّذ الحكم صبيحة يوم الأحد الموافق 17 مايو1908بسوق حلة مصطفى، فأُحضر مكبلاً بالحديد وفي شجاعة نادرة صعد إلى المشنقة وهو يهلل ويكبر ومن حوله النساء يزغردن فكتبت رقية قصيدتها المشهورة في تراثنا السوداني:
بتريد اللطام أسد الكداد الزام 
هزيت البلد من اليمن للشام 
سيفك للفقر قَلَّام 
ديّم فى التقر أنصاروا منزربين 
بالصفا واليقين حقيقة أنصار دين 
بالحرب أم طبائق قابلوا المكسين
في وش المكن رقدوا التقول نايمين 
دّيم في التقر أنصاروا زاربنوا 
بعهدوا القبيل بعيسى تاهمنوا 
اتلموا العمد ليهم نقر سنوا 
الهوج والشرق طار المنام منوا 
تيّم في التقر قال العمير للسوم 
القوى والضعيف من عينو طار النوم 
الكفرة النجوس ما بختوا من اللوم 
حجرت الدرب خليت جمالم تحوم 
الأسد النتر وقال الدين منصور 
لمولوا الأورط جابوهم بالبابور 
العمد الكبار كلامهم بقى مدحور 
كم فقش مدير وكرمت بالمأمور 
الأسد النتر بى جيهة الأبقار 
لمولو الأورط شايلين سلاح النار 
ود حبوبة قام ورتب الأنصار 
في كتفية ديك كم شبعن صقار
الإعلان صدر واتلمت المخلوق 
بى عينى بشوف أب رسوة طامح فوق 
كان جات بالمراد واليمين مطلوق 
ما كان بنشنق ود أب كريق في السوق 
بتكلم بقول بوريك مين حسبوا 
نايبو السنين منّو الرجال حسبو 
الإعلان صدر واتلمت الحلال 
نصبولو السلاح واتكرنف الخيال 
قدر الله الحصل و الزمان ميال 
منسول من أبوك ماك ود حرام دجال
لغة القصيدة :
لابد لنا من شرح بعض المفردات التي وردت في القصيدة، وربطها بأصولها العربية بحسب ما جاء في معاجم اللغة لنؤكد على سلامة لغة الشاعرة، وسليقتها، وأصالة البيئة التي عاشت فيها ، ومن هذه المفردات:
1. الكداد: تقصد القتاد ولعل هذا من تحريفات اللهجة السودانية ومثل هذا كثير فنقول التور للثور فنقلب الثاء تاء ، والقتاد كما جاء في الصحاح للجوهري هو: شجرٌ له شوكٌ. وفي المثل: "ومِن دونه خَرْط القَتادِ ".
2. الزَّام : جاء في صحاح الجوهري زأم الزَأْمَةُ: الصوت الشديد.
3. قَلَّام : جاء في جمهرة اللغة لابن دريد "وقَلّمتُ الظُّفرَ، إذا قصصته". وتعني أن سيفه يفصل الرأس عن الجسد كما يُفصل الظفر عن الأصبع عند التقليم.
4. حَجَّر : بمعنى منع جاء في الصحاح :"والحَجْر: مصدر قولك حَجَرَ عليه القاضي يَحْجُرُ حَجْراً: إذا منعه من التصرُّف في ماله". وحجَّر الدرب أي منع المرور منه بقوته.
5. السوم : البيع ، جاء في لسان العرب لابن منظور ، "السَّوْمُ: عَرْضُ السِّلْعَةِ على البيع". 
6. فقش : جاء في تاج العروس للزبيدي: "فَقَشَ البَيْضَةَ يَفْقِشُهَا فَقْشاً، أَهمله الجَوْهَرِيُّ وصاحِبُ اللِّسَانِ، وقالَ الصّاغَاِنّي، عن ابن دُرَيْدٍ: أَيْ فَضَخَها، وكَسَرَها بيَدِهِ، لُغَةٌ في فَقَسَهَا، بالسِّين".
7. النَّتَر : جاء في تاج العروس :"النَّتْرُ: الجَذْب بجفاءٍ وقُوَّةٍ، نَتَرَه يَنْتُره نَتْرَاً فانْتَتَر . والإنسانُ يَنْتُر في مَشْيِه نَتْرَاً كأنّه يَجْذِب شيئاً". 
ثقافة الشاعرة:
    هذه القصيدة تُخبر عن ثقافة متنوعة للشاعرة تتمثل في الثقافة الجغرافية بإدراكها لجغرافية المنطقة التي تعيش فيها وأدل على ذلك إكثارها من ذكر الأماكن ومنها :( التقر، جيهة الأبقار، كتفية ، السوق ) وكأنما تؤرخ للأماكن التي دارت فيها المعركة، والمكان الذي شنق فيه البطل ،ولم تكتف بأماكن المنطقة بل انتقلت إلى الهوج والشرق، والشام واليمن .
   ولها ثقافة ومعرفة بالألقاب والرتب العسكرية والمناصب في الدولة آنذاك فنجدها تذكر : (الأورط، والعمد، والمدير ، والمأمور ).
كما أنها مثقفة عسكرياً بإلمامها بأسماء الآلات العسكرية التي استخدمت في المعركة مثل : ( المكسين، المكن،  سلاح النار، المرتين ).
  كما تبدو ثقافتها الدينية واضحة في القصيدة في قولها ( العمير للسوم ) بمعنى باع ووهب وكأنها تشير إلى أنه باع نفسه لله كما جاء في قوله تعالى :" إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ " 
وفي قولها " الكفرة النجوس" تصف الإنجليز ولعلها تقتبس ذلك من قول الله تعالى " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا " .
   وفي قولها: " بالصفا واليقين حقيقة أنصار دين" إشارة إلى أن هذه الحرب ليست حربا عبثية وإنما لها هدف وغاية تتمثل في الدفاع عن الدين ،والوطن ، ومقاومة المستعمر .
   والشاعرة ملمة تماما بظاهرة ادعاء العيسوية، وهي ظاهرة كانت موجودة في تلك الفترة فأكثر من شخص ادّعى ذلك ، وتدرك أبعاد المؤامرة من أعداء ود حبوبة ومحاولتهم إلصاق تهمة ادعاء العيسوية به فهي تنفي عنه ذلك بشدة بل تعدها مجرد تهمة لا أصل لها وذلك في قولها " بعهدوا القبيل بعيسى تاهمنوا"
    وفي القصيدة استعملت الشاعرة أساليب متنوعة مثل أسلوب التناص في قولها: "اتلموا العمد ليهم نقر سنوا" ومن أمثال العرب في الندامة قولهم: "قرع فلان سن نادم". فالشاعرة تناصت مع هذا المثل ولكنها اتجهت بمعناه اتجاهاً آخر غير الدلالة على الندم ، فقد قصدت عمق التفكير عند ود حبوبة ولعل الجاحظ في كتاب الحيوان ذكر ما أرادته بقرع السن ، يقول" وخُطوطٌ أخَر، تكون مستراحاً للأَسيرِ والمهموم والمفكِّر، كما يعتري المفكر من قَرْع السنِّ، والغضبانَ من تصفيقِ اليد، وتجحيظ العين". 
    كما أكثرت الشاعرة من الكناية وربما تطلبتها طبيعة الموقف الشعري في هذه القصيدة فقالت: " القوى والضعيف من عينو طار النوم" كناية عن شدة الخوف، وقولها : " في كتفية ديك كم شبعن صقار" كناية عن كثرة القتلى من الأعداء، وقولها : "في وش المكن رقدوا التقول نايمين " كناية عن الثبات في المعركة.
    واستخدمت أسلوب التعريض في قولها:"منسول من أبوك ماك ود حرام دجال" فعرضت بالإنجليز ووصفتهم بأنهم لا أصل لهم ولا فصل وأن البطل الثائر كريم النسب منسول من كابر عن كابر وكلمة (أبوك) قد تكون قصدت بها الشاعرة الجد وقد فسر المفسرون قوله تعالى: "وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا " أنه جدهم السابع.
   الغريب في الأمر أن الشاعرة لم تظهر أي شعور بالجزع في هذه القصيدة بل ظلت ثابتة كثبات ود حبوبة وقوة شكيمته مع أنها امرأة، ولكن يبدو أنها امرأة من طراز فريد فيها قدر كبير من فروسية الممدوح فلا نجد أثراً للبكاء والتحسر والجزع بل اتسمت كلماتها بالمصادمة والصمود،  وتتبدى فيها روح العناد والمقاومة وقد خلدت ود حبوبة في تراثنا الوطني واقتربت به من صورة البطل الأسطوري مما جعلته رمزاً خالداً حفرت صورته في ذهن المتلقي لقصيدتها من أبناء شعبنا على مر العصور .
نواصل




 

التعليقات
الأخوة والأخوات

نرحب بالتعليقات التي تناقش وتحلل وتضيف إلى المعلومات المطروحة عن الموضوعات التي يتم عرضها في الصحيفة، ولكن الصحيفة تحمل المشاركين كامل المسؤولية عن ما يقدمونه من أفكار وما يعرضون من معلومات أو نقد بناء عن أي موضوع. وكل ما ينشر لا يعبر عن الصحيفة ولا عن المؤسسات التي تتبع لها بأي شكل من الأشكال. ولا تقبل الألفاظ والكلمات التي تتعرض للأشخاص أو تمس بالقيم والأخلاق والآداب العامة.

الاسم
البلد
البريد الالكتروني
الرمز
اعادة كتابة الرمز
التعليق
 
   
جميع الحقوق محفوظة ٢٠١٣
By QualTech