للاطلاع على محتويات الإعلان أنقر هنا  
صحيفة دولية تهتم باللغة العربية في جميع القارّات
تصدر برعاية المجلس الدولي للغة العربية

  الإعلان عن بداية التسجيل في المؤتمر الدولي السابع للغة العربية            مسابقة ألف قصيدة في اللغة العربية           عاجل جدا... لقد تغير بريد المجلس الدولي للغة العربية الإلكتروني           الموقع الخاص بالمجلس الدولي للغة العربية           الموقع الخاص بالمؤتمر الدولي للغة العربية           الباحث العربي: قاموس عربي عربي         
الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة

سيبويه العربي

مريم الناوي


سيبويه هو أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر (ت180هـ ) عالم فذ من علماء اللغة العربية ،تكاد لا تشغر كتب التراجم والمراتب من ذكر نسبه والإنباء عن حياته والتفصيل في مكانته العلمية وفضله على العربية ،ولاتغفل كذلك عن ادكار "كتابه" واستحضار ريادته لأقرانه في النحو و اللغة.

لم يعش سيبويه زمنا طويلا لكن حياته كانت حافلة بأحداث كثيرة ،عاش أغلبها في كنف الحضارة العربية إبان القرن الثاني الهجري ،فاصطبغت حياته بصبغة العرب وتأثر فكره بفكرهم وتنقل بين حواضرهم يطلب معارفهم ،

قدم سيبويه إلى البصرة وافدا عليها من مدينة البيضاء بأعمال شيراز الفارسية ،وهو بعد غلام ، فصحب من فيها من الفقهاء و أهل الحديث يستمع ويحفظ ،ومازال كذلك حتى جعله ولعه الشديد بالحضارة العربية يختلف مع صنوانه من الدرارى إلى حلقة حماد ابن سلمة يتفقه في علوم الشريعة والحديث ،فبينما هو يستملي على أستاذه ،تعرض سيبويه لأول اصطدام مع العربية حين لحن في تأويل قاعدة نحوية في حديث نبوي شريف ،وهي الحادثة التي تذكر كتب الطبقات أنها غيرت وجهة الفتى حينها ،ودفعته إلى طلب النحو وملازمة أساتذة العصر من نظير عيسى بن عمرو الثقفي (ت 149هـ) والخليل بن أحمد الفراهيدي (ت170هـ) ،من هنا بدأت العلاقة تترسخ بين سيبويه و اللغة العربية ،وقد دخلها من أشرف أبوابها ،باب النحو ،ولم يزل يتفطن ويبصر بعلوم اللغة حتى عقلها وحذق فيها وعشقها فكانت البحر وكان يابسة البحر ،ومضت العلاقة بينهما يطلبها فتعطيه من أسرارها ودُرِّها ويحيطه إسارها .

عكف سيبويه بعد حين على تأليف "الكتاب" الذي لم تنفك مؤلفات ترجمة اللغويين والنحويين تتحدث عنه مفصلة في فضائله ودوره في حفظ اللغة العربية ،ولم تذخر جهدا في تقديمه على أقرانه من كتب النحو الأخرى التي اعتبرت عالة عليه و تابعة له ،و في ذلك ينقل ابن خلكان في وفياته عن الجاحظ (ت255 هـ) قوله: "لم يكتب الناس في النحو كتابا مثله وجميع ما كتب الناس عليه عيال".

هكذا إذا وصل إلينا النحو العربي ـ وعلوم اللغة بصفة أوسع- من خلال هذا العمل الكبير في حلَّة وشتها مجهودات النحاة المتأخرين الذين تحلقوا حول الكتاب ،فكان منهم الشارح والناظم والملخص والمنتقد ،ولم يكن لهذه القرائح أن تتفتح وتزهر إنتاجاتها وتتطور لتقول كلمتها في العربية وعلومها لولا وجود النص السيبويهي الأول ،إنه المدونة الأصلية التي يؤول فضل جمعها وتريبها و الاعتناء بها إلى أبي بشر ،فإذا تسنت لأحدهم رغبة منافسة الكتاب والتأليف على هيأته أو قراءته ومذاكرته وحفظ مضامينه قيل له: "ركبت البحر " تعظيما للمؤلَّف وإحقاقا لحقه في رئاسة كتب اللغة و النحو ،انتشر الكتاب في بغداد على يد أبي العباس المبرد (ت265هـ) و منها انتقل إلى باقي مدن العراق على يد بعض الطلبة ليتفشى في باقي الأمصار تضرب له قباب الدرس ومجالس المطالعة.

لم يأت سيبويه العربيةَ بهوى النفس وتضارب القول بل كان فيها صاحب منهج فجمع عنها ما درس وما سمع عن أساتذته الأول و في طليعتهم الخليل وغيره ،ووثٌّق المعرفة بالشرح الوافي واستشهد لها من القرآن و السنة و الشعر و المثل المصنوع ،وكان حبه للغة و شغفه العارم بها حافزه الأقوى وغايته القصوى ، إن الكتاب في تصوري وثيقة اعتراف بالحب ،سطرها سيبويه للغة و الحاضرة العربية التي عاش فيها سني الوعي وحمل ثقافتها في عقله و وجدانه فحفظ علومها من خلال الكتاب و أسهم في التأسيس لمدرسة البصرة النحوية بحفظ آرائها و جمع أخبار نحاتها و مرويات نُظَّامِها في هذا المؤلف الضخم.

وباستقراء مسيرة هذا العالم ضمن كتب الأخبار و ما تلاها من الكتب و التآليف وصولا إلى الدراسات الحديثة ،نجد هذه الأخيرة تذكر بأصول الرجل الفارسية وبكونه مولى من الموالي القادمين على بلاد العرب ،لا مراء في أن الأمانة العلمية و التاريخية تدعو إلى ذلك ،لكن الرابطة التي تسنت لسيبويه مع العربية لم تتسن لكثيرين غيره ،ومن هنا يبدو الرجل من خلال أطوار حياته عربيّ الفكرة الهوى ،عشق اللغة وعاش من أجلها ومات بسببها وبسبب هذا العشق الصادق ،فلم يفارق أمصارها إلا وهو في الطريق إلى اللحد بعد أن لفظته هذه الأمصار بكثير من القسوة والألم والغبن المفضي إلى الموت ، بعيد حادثة المناظرة الشهيرة في كتب الخلاف ب"المسألة الزنبورية" التي دعي فيها سيبويه لمناظرة الكسائي و جماعته في مجلس الوزير يحيى بن خالد البرمكي (ت182هـ) وهي المناظرة التي غاب فيها التحليل العلمي والنزعة العقلية التحليلية وخبا فيها نجم الحوار لتحضر الخلفية الإيديولوجية ،إذ كان للسياق الاجتماعي والعرقي الدور الأكبر في حسم القضية لصالح أساتذة الكوفة على أرض بغداد وبموافقة بعض الأعراب النازلين على المدينة .

ومع انتهاء المناظرة انتهى عمر كامل من المثابرة و الجد و الكد ،خرج سيبويه من العراق بنفس محترقة و بروح جريحة ،نفي من وطن رغب فيه إلى وطن لم يعمّر به رغم انتسابه إليه ،لم يعش سيبويه طويلا بعد الذي أصابه من الغم والكدر ،واجتمعت أغلب روايات المؤرخين على وفاته بشيراز سنة 180هـ ،مات سيبويه بعيدا عن العربية التي ظل مخلصا لها وردد من كلماتها قوله :

يُؤَمِّلُ دنيا لتبقى له// فمات المُؤَمِّل قبل الأمَل

حَثيثا يُرَوِّي أصولَ النخي// ل فعاش الفَسيلُ ومات الرجُلُ.

وغطى قبرَهُ منها أيضا أبيات قيل إنها لسليمان بن يزيد العدوي تقول :

ذهب الأحبّةُ بعد طول تَزاورٍ//ونأى المزارُ فأسلموك وأقشعوا

تركوك أوحشَ ما تكون بقَفرة//لم يؤنسوك ووحدة لم يدفَعوا

وقَضى القضاء فصرت صاحب حفرةٍ//عنك الأحبَّة أعرضوا وتصدعوا.





التعليقات
الأخوة والأخوات

نرحب بالتعليقات التي تناقش وتحلل وتضيف إلى المعلومات المطروحة عن الموضوعات التي يتم عرضها في الصحيفة، ولكن الصحيفة تحمل المشاركين كامل المسؤولية عن ما يقدمونه من أفكار وما يعرضون من معلومات أو نقد بناء عن أي موضوع. وكل ما ينشر لا يعبر عن الصحيفة ولا عن المؤسسات التي تتبع لها بأي شكل من الأشكال. ولا تقبل الألفاظ والكلمات التي تتعرض للأشخاص أو تمس بالقيم والأخلاق والآداب العامة.

الاسم
البلد
البريد الالكتروني
الرمز
اعادة كتابة الرمز
التعليق
 
   
جميع الحقوق محفوظة ٢٠١٣
By QualTech