للاطلاع على محتويات الإعلان أنقر هنا  
صحيفة دولية تهتم باللغة العربية في جميع القارّات
تصدر برعاية المجلس الدولي للغة العربية

  الإعلان عن بداية التسجيل في المؤتمر الدولي الثامن للّغة االعربية ( 10 –13 إبريل (نيسان) 2019م الموافق 5 – 8 شعبان 1440هـ)           عاجل جدا... لقد تغير بريد المجلس الدولي للغة العربية الإلكتروني           الموقع الخاص بالمجلس الدولي للغة العربية           الموقع الخاص بالمؤتمر الدولي للغة العربية           الباحث العربي: قاموس عربي عربي         
الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة

اللغة العربية في الجزائر بين الرفض والفرض

أ. نورالدين خبابه

 

نشأتُ في عائلة مُحافظةٍ ولم يكن ذلك اختياري، كما هي طبيعة الانسان، عندما يولد. ومن حظي أن جدّتي قبائلية، ولسوء حظي أنها توفيت قبل أن أراها مثلها مثل جدي العربي، رحمهما الله.

ما حفظته من والدي الذي تربى يتيما رحمه الله، هو أنه عندما يذكرها يبكي، ولا أزال أحتفظ بعقد زواجها من جدي رحمهما الله، مخطوط بالعربية، جدّي أحمد الذي كان ينتمي الى عائلة عريقة في المنطقة، حيث كان أبوه قاضيا مشهورا ومن عائلة العلم والفقه، ولها ارتباط وثيق بجمعية العلماء المسلمين، وأحد أفراد العائلة كان مفتيا في ولاية سطيف وفي الشرق الجزائري وكل السطايفية يعرفونه، الشيخ الطاهر توفي في الثمانينيات فقط، ولا فخر.

فزواج جدتي بجدي لم يكن اعتباطيا، بل كانت له حسابات وله جذور، لأن جدتي حفصة رحمها الله، كانت من عائلة مقاومة ولكن ليست بمفهوم مقاومة اليوم.

ما ذنبي وأنا لم أختر جدّي وجدّتي، ولم أختر أبي وأمي، ولم أختر تربيتي ولا إسمي، ولا المكان الذي ولدت فيه، ولم أختر لون بشرتي ولا لغتي ولا إخواني ولا أخوالي، بل فرضوا علي فرضا، هل أرفضهم؟

تربيت في بيئة كان الحياء فيها طاغيا، فلم أسمع أحد من الجيل الذي لحقت به ينادي زوجته باسمها، وكان كلهم وبدون استثناء في القرية التي أنحدر منها، إما ينادون زوجاتهم بالمكان الذي ينحدرون منه، فيقال مثلا: المنصورية، الزبيرية، القبائلية، الميساوية، العلوية، الغيلاسية، المخلوفية، السعيدية، الحسناوية، أو ينادونهم بأسماء آبائهم ابنة العربي، ابنة سالم، الخ.

لم نكن نحن الطلبة الذين تربينا في الكتاتيب وقتها نعطي لمثل تلك الأمور بالا، مثلما نحاول الآن تحليلها نفسيا، وسوسيولوجيا، وأنثروبولوجيا، ولم نكن نعرف الصراعات الموجودة حاليا، والتي هي من مخلفات الاستعمار المتعاقب، حتى ندرسها تاريخيا ونسردها بأساليب مختلفة، بل تربينا في ظل التآخي والتسامح، مع وجود بعض الحالات، ومن حظنا أننا ولدنا بعد الاستقلال وفي فترة الاسترخاء، قبل أن تطل الفتنة العمياء التي لا تزال تحوم بالبلد ويراد النفخ فيها من المتعصبين والعنصريين والجهلة، لاشعال البلاد في حرب أخرى لا تبقي ولا تذر، ولو نشأنا في فترة الاستعمار في ظل الصراعات الموجودة حاليا، لربما طال أمد الاستعمار ولما خرجت فرنسا عسكريا.

اسمحوا لي على الاطالة أيها الأعزاء، فحديثي اليوم هو عن العربية في الجزائر التي يقال أنها فرضت على الشعب الجزائري، ولا بد من هذه المقدمة التي لها علاقة بالهُوية والتي سأفرد لها كتابا إذا طالت الاعمار.

أخط لكم بأحرف عربية، وأنا أعيش حاليا في فرنسا بعدما أجبرت على الهجرة، وقد أعطيت أمثلة عن ميلادي وبيئتي وعائلتي وثقافتي دون تفاصيل، لمن يفهم الرسائل.

كيف أُعرف نفسي اليوم، وقد أضفت الى حقل معرفتي، اللغة الفرنسية ولو بشكل متواضع، وتعرّفت على ثقافات مختلفة، وأجناس مختلفة، وهل الذي اكتسبته من خلال ترحالي ومعارفي هو نفسه لدى إخوتي وأبنائي؟

وما ذنب أبنائي الذين كبروا في فرنسا وتعلموا فيها؟ وما ذنب من أمه قبائلية وأبوه عربي، وجدته تركية وجده اسباني، وكيف ستكون هويته؟

إذا كانت اللغة العربية في الجزائر فرضت، وأن العرب لا يؤمنون باللغات الأخرى ولا بالثقافات الأخرى، فمن الذي أبقى آثار الرومان في الجزائر وآثار أخرى في الصحراء الكبرى لا تزال شاهدة على مرّ العصور ومن الذي أبقى لغات أخرى في العالم وأبقى الكنائس، عندما كان المسلمون هم من يقرّر؟

وأين تركة الأتراك في الجزائر مادام أن الأتراك عمّروا فيها عدة قرون؟ وأين لغتهم مقارنة بالفرنسية؟ ولماذا بقيت اللهجات الأخرى والتقاليد، من مأكل ومشرب ومسميات طيلة هذه القرون؟ فأمي رحمها الله وغيرها من الأمهات كنّ في رأس السنة يطبخن لنا طبقا يسمى بالشخشوخة أو المبرم، ويقال لنا: اليوم رأس العام، وكنا نفرح أيما فرح بذلك الطبق ولكن دون عصبيات.

هل العرب هم من يحكم الجزائر منذ احتلال فرنسا للجزائر؟

من فرض الفرنسية في الجزائر؟ وفي المغرب وتونس وفي افريقيا؟ وهل اللغة الفعلية لدى هذه الشعوب هي اللغة العربية؟ وهل هي لغة التعامل في حقول النفط والغاز والقطاعات المختلفة؟

من الذي فرض الاسبانية في دول أميركا اللاتينية إذا كان العرب يفرضون لغتهم على الآخرين؟ إذا تقصدون بتعميم اللغة العربية عهد بومدين وبن بلة، فهل كانت الأمازيغية موحدة وتكتب ولها كتب وقواميس ونظريات وأبحاث، حتى تعتمد في المدرسة؟ أم كان لا بد من حروب أخرى بين العرب والأمازيغ تمتد الى عهد كسيلة وماسينيسا؟

إذا كان العرب هم من يحكمكم، فمن الذي جمد اللغة العربية في التسعينيات؟ ومن الذي انقلب على المؤسسات التي بناها هواري بومدين ولم تكتمل بعد؟ ومن الذي حطم جامعة قسنطينة التي كانت منارة تحت قيادة العلامة محمد الغزالي رحمه الله وأتى بالدراوشة وشجع الطرقية؟

إذا كان العرب يحنون الى فلسطين بحكم اللغة والتاريخ والدين، فلماذا أنتم تحنون الى كسيلة وماسينيسا والكاهنة؟ ولماذا منكم أيها الأمازيغ الأحرار كما ترددون، منكم من يقف مع اسرائيل المحتلة كرها ومقتا في العرب؟

أعتقد أن هناك فرقا بين الرفض والفرض، فثمة من يرفض تعلم اللغة العربية لأنه يكره العرب، لكنه في المقابل يريد أن يفرض على العرب تعلم لغته وأن يحبونها، فكما منكم من يرفض العربية مع أنها اللغة الرسم،ة فهناك من يرفض الأمازيغية، وشتان بين لغة منطوقة ومكتوبة ولها مالها من مراجع وأبحاث ودراسات ومؤلفات وآداب، في العالم وبين لغة يتم تصنيعها الآن في المخابر.

اذا كان منكم من يرفض العربية لانها فرضت فرضا، فمن فرض على فرنسا وأميركا وألمانيا واسرائيل وكندا واستراليا وغيرهم من الدول أن يعتمدوا اللغة العربية كلغة رسمية في الأمم المتحدة، والعرب مشتتون ومشرذمون منذ قرون؟

ومن فرض على فرنسا أن تخصص للعربية مكانا في موقع الخارجية وفرنسا وما أدراك ما فرنسا، وتخصص هي وغيرها من الدول العظمى قنوات فضائية، وهي التي فرضت الفرنسية فرضا في الجزائر وفي إفريقا وأرادت محو اللسان العربي؟ من الذي فرض العربية في القارات كلها والعرب كما ترونهم؟

أعتقد أن الانسان المثقف الذي يعرف تاريخه، ويفهم ما معنى الهوية وما معنى اللغة والآداب، لا ينزلق الى مثل هذه المنزلقات الخطيرة.

إذا كان فرض اللغة صحيح في الجزائر، فما هي اللغة التي يتحدث بها المواطن الجزائري في الواقع؟ وأين الخلل ومن المستفيد؟إنها خليط من لهجات ولغات مختلفة، كثير من الاخوة العرب لا يفهمونها، وأسرد اليكم واحدة من تعابيرها المشوهة وأرجو عدم القهقهة:

"واه صاحبي، كي داير؟ رحت الصباح للسبيطار نشوف عمي دار أكسيدون،اداني طاكسي كنتور، كان الشيفور مقلش وداير كاسكيطة ومشعل قارو ومعه مدامة تقول غاورية؟ دخلنا ليزيرجونس، لقينا واحد ضرباتو موطو تعرف وجهه مفلق وعينه مطرطقة، خليت معه الفرملي وطعلت في ليزيسكالي، صونا التيليفون."

إنّ اللغة العربية هي من فرضت نفسها، لبلاغتها ومعانيها وجمالها وعذوبتها وحب الناس لها، كما تفرض لغات أخرى اليوم نفسها في التعاملات المختلفة، وفرق بين أن تفرِض اللغة نفسها وأن تُفرضَ وترفض.
 

ميدل ايست أونلاين

التعليقات
الأخوة والأخوات

نرحب بالتعليقات التي تناقش وتحلل وتضيف إلى المعلومات المطروحة عن الموضوعات التي يتم عرضها في الصحيفة، ولكن الصحيفة تحمل المشاركين كامل المسؤولية عن ما يقدمونه من أفكار وما يعرضون من معلومات أو نقد بناء عن أي موضوع. وكل ما ينشر لا يعبر عن الصحيفة ولا عن المؤسسات التي تتبع لها بأي شكل من الأشكال. ولا تقبل الألفاظ والكلمات التي تتعرض للأشخاص أو تمس بالقيم والأخلاق والآداب العامة.

الاسم
البلد
البريد الالكتروني
الرمز
اعادة كتابة الرمز
التعليق
 
   
جميع الحقوق محفوظة ٢٠١٣
By QualTech