للاطلاع على محتويات الإعلان أنقر هنا  
صحيفة دولية تهتم باللغة العربية في جميع القارّات
تصدر برعاية المجلس الدولي للغة العربية

  دعوة لجميع طلاب وطالبات الدراسات العليا            الإعلان عن بداية التسجيل في المؤتمر الدولي الثامن للّغة االعربية ( 10 –13 إبريل (نيسان) 2019م الموافق 5 – 8 شعبان 1440هـ)           عاجل جدا... لقد تغير بريد المجلس الدولي للغة العربية الإلكتروني           الموقع الخاص بالمجلس الدولي للغة العربية           الموقع الخاص بالمؤتمر الدولي للغة العربية           الباحث العربي: قاموس عربي عربي         
الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة

مَنْ أعْرَضَ عَنِ العَرَبِيّةِ فإنَّ لهُ مَعيشة ضَنْكاً

أ.د. ياسر الملاح

 

من الظواهر المُدهشة في تاريخ العربية هذه القوة الأدبية المتمثلة في جمال نسيج الشعر الجاهلي وواقعية صوره وصدقها، والأعجب في هذه الظاهرة أنها وجدت ورسخت وكانت مؤهلة للبناء عليها في مجتمع ينقصه الكثير من الأنظمة الاجتماعية المتنورة والمبادئ الفكرية والنظريات النقدية المؤسسة لأدب فحل وحضارة معقدة التركيب. وهكذا كانت العربية ومجتمعها يتهيئان لحدث كبير سيرفعهما عما كانا فيه من انحطاط ودونية إلى آفاق عُليا جعلتهما محط أنظار الناس أجمعين بما استقر عليه وضعهما من سمو ورفعة وتقدم مدهش في الشكل والمضمون مع مجيء الإسلام واستقراره في جزيرة العرب.

ثم كان وجود القرآن الكريم آية من آيات الله الكبرى في هذا الكون الواسع، مثله كمثل آيات الشمس والقمر والليل والنهار والإنسان والنبات والحيوان وغيرها مما يعج به الكون، إنه آية لغوية فريدة اختُصّتْ به العربية ليكون أجمل لبنة في صرح حضارة الكلمة التي تسمو على ألوان الحضارات جميعا. ولم يكن القرآن لينأى في أسلوبه عن اللغة التي أحكم صنعتها الإنسان الجاهلي فاتفقا في كثير من المفردات والتراكيب، حتى ليصح الذهاب إلى أن الشعر الجاهلي كان أهم مرجع لغوي لتفسير ألفاظ القرآن وتراكيبه. ولم يقف الأمر عند هذا بل أضاف إلى  هذه اللغة كثيرا من الألفاظ والصور والمفاهيم، وزرعها في هذا الوسط العربي ليصبح وهجا مؤثرا قادرا على إخراج هؤلاء القوم من الظلمات إلى النور.
وعُنوان هذه المقالة مُستوحى من قوله تعالى في سورة طه : " ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى، قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا، قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى " طه 124-126، والذكر هو القرآن الكريم، فالذكر والعربية متلازمان، ولذلك فإن الإعراض عن كتاب الله هو إعراض عن العربية، فالعربية إذا ليست مجرد لغة تقتصر في وظيفتها على مجرد التواصل والتفاهم فحسب، وهي وظيفة تتصف بها معظم اللغات الإنسانية المعروفة، وإنما هي قرآن يتلى وبلسم شاف ينقل البدن من الضعف إلى القوة، وينقل العقل من التشويش إلى الصفاء، وينقل المجتمع من التفكك إلى الوحدة، وينقل الأمة بمختلف مكوناتها من الانحطاط إلى الحضارة والازدهار، وإن الإعراض عنها ونسيانها يقودان إلى العمى في الدنيا والآخرة. 
 وليس هذا الوصف بعيدا عما جرى للأمة العربية في الجاهلية، فقد كانت أمة مفككة ضعيفة تعيش في ضنْك، أي في عيش ضيّق (وضنك الرجل ضناكة، فهو ضنيك : أي ضعُف في جسمه ونفسه ورأيه وعقله) لسان العرب مادة (ضنك). وهكذا كانت العرب، فلم يكن لديها نظام اجتماعي قوي، أو قانون أخلاقي ممتاز يحكم علاقات الأفراد ببعضهم، ولم تكن لها لغة موحدة تربط هذه القيم الحضارية جميعا برباط واحد كأنها العقد الفريد، على الرغم من تمتع شعرها بجمال أخّاذ. وعندما أنزل القرآن الكريم وحّد اللغة، وكان هذا ضربا من الإعجاز اللغوي الفريد، لأن كل قبيلة كانت تتعصب للهجتها تعصبا يفقدها صواب الاعتراف بما عند الآخرين من فضل لغوي أو غيره، ولا ريب في أن توحيد العربية وارتباطها بنص قوي جعلها لغة قوية فوق قوتها التي كانت عليها. ولما وحّد القرآن اللغة وحّد كذلك الأمة، فارتبطت قوة الأمة بقوة اللغة، ولا غرابة في غلبة ارتباط قوة اللغة بقوة السلطان، وكذلك ارتباط ضعف اللغة بضعف السلطان، وكأن معادلة ما يمكن أن تصاغ على هذا النحو : كلما كانت اللغة قوية على ألسنة أهلها كان سلطانها قويا في داخلها وخارجها، وكلما كانت اللغة ضعيفة على ألسنة أهلها كان سلطانها الداخلي والخارجي ضعيفا كذلك.
  ولمّا فاض هذا القرآن بما لذ وطاب من قيم وقوانين وأحكام لا يرقى العقل البشري إلى وضع مثيل لها، ثم سُكبت هذه القوانين والأحكام في نص لغوي جميل مدهش في الألفاظ والتراكيب والصور، وتربَّتْ على هذا النص أجيال متعاقبة، كان من هذا كله حضارة إسلامية فريدة لا ترقى إلى قريب منها أيُ حضارة على وجه البسيطة، لأنها تقوم على قواعد وأصول رسم خريطتها رب العالمين، وأشرف على مخططها رسول كريم، ونفذها عاملون أتقياء من المؤمنين الصادقين، فكان هذا كله آية للبشرية نسجتها العربية بمفرداتها ونحوها، وما انتهت إليه من بيان بديع، وبناء لا مثيل له في التاريخ الإنساني كله منذ أن وجد الإنسان على وجه البسيطة. وهكذا انتقلت الأمة من حال الضنْك إلى حال العز والسؤدد بفضل عوامل كثيرة لعل أهمها وحدة اللسان والجنان اللذين تشكلا بفضل التربية اللغوية البديعة.
إن من ينكر هذه الوقائع التاريخية الماثلة للعيان، والتجربة التي لا يستطيع إنكارها أي إنسان، لأنها وجدت وتحققت، وآثارها منثورة بين أيدينا لم يزعزع كينونتها مكان أو زمان، يكون كمن يتعامى عن الحقائق التي لا تخطئها عينان بصيرتان. أفلا يحْسن بنا نحن، أبناء هذه الحضارة، أن نعتبر بهذه التجربة الفريدة ونتخذها نبراسا يُضيء لنا طريقنا في الحاضر والمستقبل، ثم نقول بصوت عال ومسموع، دون تردد أو وجل أو خوف أو تراخٍ : إن الأمة العظيمة لا تحكم مسيرة عظمتها وتحفظ وجودها في الماضي والحاضر والمستقبل إلا لغة عظيمة تكون واسطة عقدها الحضاري. وإذا كان الله رب العالمين قد اختار هذه اللغة لسانا لكتابه الكريم أفلا يجدر بنا نحن، العرب، أن نتعظ فنتخذ هذه اللغة لسانا لنا ولأبنائنا حتى يكون لدينا بناء مجتمعي قادر على الإنتاج الفكري والمادي لخير أمتنا بخاصة، ولخير البشرية جمعاء بعامة؟!؟! أفلا نخجل من الله الذي أكرم العرب باختياره لغتهم لسانا للقرآن الكريم، وهو يرانا ننكص على أعقابنا فلا نتقدم نحو هذه اللغة الشريفة، فلم نعد نتكلم بها، ونستطيب أي لغة غريبة عليها، ولم نعد نربي ألسنة أبنائنا عليها، بل يطيب لنا سماع رطنهم بأي لسان غير العربية ! أفلا نسارع إلى معرفة الداء والدواء لنخرج من هذا الضنْك الذي صنعناه بأيدينا لأننا لم نعتبر من تجربتنا اللغوية الفريدة في أعصر القوة والازدهار الحضاري والثقافي !!؟؟
إن ما درج عليه العرب في هذا الزمان، من إهمال للغتهم وإقبال على الألسن المُختلفة، ينذر بذوبان شخصية هذه الأمة التى بنى بناءها العظيم أجدادُنا، لقد اختط لنا هؤلاء الأجدادُ طرقا نحو العلياء باتخاذهم العربية أساسا لبنيانهم الثقافي والفكري، وقد رسخ في أعماقهم أن التربة الإنسانية مُستنبت لكل ما هو سام وعُلوي، وللفكر المستقيم والسمو الخلقي والنظامي والقانوني والأدبي والجمالي الذي تنظمه لغة قوية، وقد عملوا على تأكيد هذا المفهوم بما سطروه من مصنفات شاهدة على عظمة هذا النفر من بني جلدتنا، ولم يدر بخلدهم يوما أن الإنسان مُستنبت للاستهلاك والتسمين والاستمتاع، وكأن شعارهم ما استنه لهم رسولهم العظيم :" حسب ابن آدم لقيمات يقمن أوده "، واكتفوا من الدنيا بما يُعين على إنتاج ما يسمو من النشاط الإنساني النافع لخير البشرية. فما الذي دهانا نحن، في هذا الزمان، لنستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير! فما بالنا نفتتن بما عند غيرنا من أطعمة وألبسة ولغات، وهم الذين يؤسسون لنظرية معاكسة تماما لنظريتنا التي علمنا إياها القرآن بلسان عربي مبين! إنهم أصحاب نظرية تقوم على الاستمتاع بما تحصل لديهم من أشياء، وكانت حضارتهم حضارة أشياء، فإن نضبت هذه الأشياء في ديارهم أو قلّتْ سَطوْا على ما عند غيرهم من خيرات، ثم أخذوها وساموا أهلها ظلما وعدوانا! هل تستوي النظريتان، يا أيها العرب، ويا أحفاد عمر الذي قال: " تعلموا العربية فإنها تنبت العقل وتزيد في المروءة"؟ فإذا كان ذلك كذلك: لماذا نتراكض على النكوص عن لغتنا التي هي سر كينونتنا الحضارية ووجودنا المتميز، لئلا نذوب في الآخرين، ثم نندثر كما اندثر غيرنا ممن لا حضارة لهم ولا لغة ولا تاريخ ؟! 
وعندما نؤكد على لزوم استحضار شخصيتنا اللغوية في حياتنا فإن هذا لا يعني إنكار تعلم اللغات الأخرى، فهذا أمر لا يمكن تجنبه في هذا العصر، أو حتى في العصور السابقة، لأن الحياة الإنسانية قائمة على الاحتكاك والتواصل، وهما أسلوبان حيويان في انتفاع الشعوب بعضها ببعض، فكم من لغة وجدت ضالتها اللفظية في تسمية شيء ما، عند لغة أخرى، فاقترضت منها لفظا أصبح جزءا أساسيا من منظومتها اللفظية. غير أن الذي ندعو إليه، في هذا السياق، هو أن تكون اللغة الوطنية أو اللغة الأم ممتلئة بها نفوس أهلها ومشاعرهم، وتكون آلة التفكير والتعبير الأولى في حياة الفرد، تماما كما تكون علاقات الدول المستقلة ببعضها، فكل دولة لها كيانها المستقل، ولها قرارها المستقل، ولها شخصيتها المستقلة، بحيث لا تذوب شخصية في أخرى ذوبانا يفقدها معالم شخصيتها التي تميزها في أنظار الآخرين، وهل كانت اللغات المتعددة في هذا الوجود إلا تجسيدا لمبدأ الاستقلال والتنوع الذي يؤكده هذا الوجود الذي نحيا فيه !!! وهل كان تعدد الأساليب بين الناس في إطار اللغة الواحدة، كذلك، إلا تأكيدا لهذا المبدأ الذي يحرص عليه كل فرد في الوجود!!   
وإزاء هذه الدعوة المباركة لإحياء لغتنا على ألسنة أبنائنا في البيت أولا، ثم وهم على مقاعد الدراسة، أو في المؤسسات العلمية، أو في المؤسسات المدنية، ولإخراجهم من الضنْك الثقافي واللغوي إلى سَعة الطريق الحضاري والثقافي واللغوي، نجدهم يتمرغون في أوحال تعبيرية غير مناسبة ليس فيها انتماء أو جمال أو شخصية مثقفة، إنها خلطة غير سائغة تتألف من عامية هابطة واقتراض أجنبي! وانظر إلى قول من قال: برستيج ومرسي وثانكس وواو وباي وأوكي وهاي، ألا يجدر بمن قالها أن يقول بدلا منها على التوالي: مستوى ممتاز، وعفوا، وشكرا، وعجبا، وإلى اللقاء، وحسنا، والسلام عليكم ؟!؟! وغير هذه كثير كثير لا يحتمل المقام الإطناب في رصده أو الإكثار منه. والمستغرب أنك إذا نقدت هؤلاء المتهافتين على هذه الألفاظ الغريبة أو العامية فإما أن يخاصمك زاعما أنه حر في التعبير، وهذا جهل واستغراق في الغي والضلال، وإما أن يطاوعك أمامك، وسرعان ما يعود إلى الانحراف التعبيري بعد أن ينصرف عنك غير ملق أي بال لما تدعوه إليه من رقي تعبيري.
وهل نجد، إذا وازنا بين العبارات المستوردة وبين ما يقابلها من العربية، أي مجال للموازنة، في الطعم والمذاق والجمال الموسيقي؟! وهكذا، فإن تلك الألفاظ الغريبة لا جذور لها في قلوبنا ولا في مشاعرنا، ولا تتذوقها ألسنتنا !!! والطامّة الكبرى أن بعضهم يكتب كلمات بعض أحرفها عربية وبعضها غير عربي !!! ألهذا المستوى بلغ انحطاط كتابة أبنائنا فنسوا الحرف العربي الذي هو مضرب الأمثال في الفن والجمال !! وبعدُ، فإن هذا غيض من فيض يشيع على ألسنة شبابنا وشاباتنا مما لا يُعَلِم لغة، ولا يزود بحكمة، وكأننا منبتو الجذور عن لغتنا وحضارتنا نتسول من هنا وهناك بما يفسد لغتنا وشخصيتنا، ويبعدهما عن البنية اللغوية السليمة والعنوان الحضاري الممتاز!؟!؟ وقد لا يرى بعضنا في هذا السلوك اللغوي الشاذ خطرا، غير أن المدقق والعارف بالظواهر الاجتماعية التي تتسلل إلى حياة مَنْ ليس لديه بنيان قيمي وأخلاقي متين كيف تفتك به وببنيته الأخلاقية كما يفتك الميكروب بالجسم المفتقر إلى المناعة التي تحفظ له كيانه. والأخطر من هذا أن الصراع بين اللغات، كما هو معروف في علم اللغة، قد يؤدي إلى غلبة لغة ما على غيرها من اللغات لأسباب كثيرة، ولعل أحد هذه الأسباب فتح الأبواب الواسعة للاقتراض اللغوي غير المنضبط. وهكذا فإن تحصين لغة شبابنا محتاجة إلى مناعة لغوية نحرص عليها لحفظ شخصيتنا اللغوية بخاصة وشخصيتنا الحضارية بعامة.   
ولإهمالنا استعمال هذا الدواء اللغوي الفذ الذي رأيناه رأي العين يحقق الاستشفاء الممتاز من أمراض اجتماعية خطيرة نقلت الأمة من الضنْك إلى العافية، ومن الظلمات إلى النور رأينا الأسرة العربية المعاصرة، إلا من عصم ربك وحمى، ممزقة الأواصر، متدنية الثقافة والأخلاق، تتسول العادات والأصول المرعية في الحياة من هنا ومن هناك، فمرة تكون فرنسية الهوى، ويصاحب حياتها النطق الفرنسي، ومرة نراها إنجليزية المشاعر، وتصاحب حياتها اللغة الإنجليزية، وهكذا، فلِمَ نصر على هذا؟ ونحن لدينا أطهر نظام أخلاقي في الوجود البشري كله، ماضيه وحاضره؟! وقد انتظم عقده بأعظم لغة في الوجود جمالا موسيقيا وثروة لفظية ودقة تعبيرية !!!! إن ابتعاد أبنائنا عن هذا المنجم اللغوي الجميل يقطع بيننا وبين جذورنا من جانب، ويمهد لقطع العلاقات بيننا وبين بقية شعوب أمتنا، فهو يمزق ولا يوحد، وهل كانت هذه اللغة لتمزق الأواصر أم أنها وجدت لوحدة المشاعر ووحدة الأجيال، حفاظاً على صيرورة الأمة وصيرورة عطائها النافع لها وللبشرية والناس أجمعين؟!؟!
وإني لأطلق هذه الصيحة من على هذا المنبر العربي الإعلامي الممتاز إلى أرباب البيوت أن أعيدوا مجدكم ومجد أبنائكم وأمتكم بإشرابهم الدواء اللغوي الشافي منذ نعومة أظفارهم وبسرعة قبل فوات الأوان !!! 
إن من المشروع لنا أن نتساءل في هذه المقالة، أليس البناء اللغوي للفرد العربي أساسا من أسس النهضة والتطور والإعداد للشخصية الحضارية المتمدنة، ومطلبا من متطلبات استقامة النفسية البناءة؟ بلى، إنه كذلك، فإذا كان هذا مطلبا ملحا لإعداد نموذج إنساني يتحمل مسؤولية البناء في الحياة، فلماذا تتوانى المؤسسة البيتية عن القيام بواجبها تجاه أبنائها بناة المستقبل لهذه الأمة؟ إن من واجب رب الأسرة العربية أن ينهض بمسؤوليته في بناء المشعل الذي يقود أبناءه نحو العافية والنور، ويخرجهم من الضنْك والهلاك، ألا وهو المشعل اللغوي، ومن الضرورة أن يكون رب الأسرة شريكا أساسيا في بناء المنظور الحضاري الذي يتكئ بقوة على المعيار اللغوي. قلْ لي بربك : إذا كنا نعتبر قراءة القرآن وحفظ آيات منه أساسا مهما لصيانة آلة نطق الصبي من الناحية الصوتية والتعبيرية والتصور الفكري، فكيف نفتح الطريق أمام تحقق هذا في الواقع إذا كان الصبي غير مدرب على لغة ممتازة؟ وهل هناك لغة ممتازة أكثر من النص القرآني؟ ونحن عندما نذكر رب الأسرة لا نستثني الأم، بل ربما كان دور الأم أخطر بكثير من دور الأب لملازمتها أبناءها أكثر من الأب، مع أن المفروض أن لا تقل ملازمة الأب لأبنائه عن الأم لأن للأبوين أدوارا متكاملة في بناء المجتمع الأسري. وأقول لمن يهربون من مسؤولية تربية أبنائهم اللغوية، ثم يرمون بهم إلى عجمة المربيات الأجنبيات المفسدات للغة أبنائهم : اتقوا الله في أبنائكم، فوالله إنكم عنهم، وعن إعدادهم اللغوي، لمسؤولون!؟!؟
فإذا تركنا الأسرة إلى المدرسة فإنه يحق لنا أن نتساءل، كذلك، عن دورها في بناء لغة أبنائنا، فلماذا يتخرج أبناؤنا في المدرسة أو الجامعة وهم في ضنْك لغوي شديد؟ سواء أكان هذا في الكتابة أم كان في التعبير الشفوي؟ لماذا لا يستطيع الشاب أو الشابة أن يعبر تعبيرا لغويا صحيحا بالعربية؟ وهو الذي أمضى سنوات في تعلمها، وكلف المؤسسات التربوية والتعليمية الملايين من الدراهم والدنانير؟ أي نجاح مستقبلي نطمح إليه في البناء الحضاري والمجتمعي والنتيجة التي نحصلها طامّة كبرى في لغة أبنائنا؟! إن البناء اللغوي الممتاز سمة أساسية للفرد الممتاز المتحضر والقادر على تحمل مسؤوليات البناء الأسري والمجتمعي وأي مرفق من مرافق الحياة المعاصرة، وهو مطلب أساسي لا يمكن أن نتوقع من أي شخص القيام بدور البناء الناجح إلا باكتسابه لغة قوية !!! ولئن دل عارُ الضعف اللغوي المدمر للعقول والأذهان في شخصيات أبنائنا على شيء فإنه يدل على خيانة كبيرة للمبادئ التي يجب أن نحققها في حياتنا الوطنية والاجتماعية والمستقبلية. 
وإني لا أستغرب ما تسبح فيه أمتنا هذه الأيام، بل هي تغرق في مساحات شاسعة من الألم والاقتتال والفوضى لأن زمام الأمور في الوظائف العامة وغيرها بأيدي أناس يفتقرون إلى البنيان اللغوي القوي الذي يصنع الذكاء المطلوب لإدارة الحياة الخاصة والعامة! وإلا كيف نفسر وجود عجز مالي كبير في ميزانيات دولنا مع أن بلداننا من أغنى بلدان العالم بالثروات الطبيعية، كالنفط والمعادن الثمينة؟ وكيف نفسر خضوعنا للأجنبي يحركنا كيف يشاء في السياسات والمواقف؟ وكيف نقبل تدخل الأجنبي في المناهج المدرسية؟ إن هذا كله لا يمكن أن يقبل به إلا من ابتعد عن لغته وثقافته فرباه الأجنبي كما يريد، وليس كما تتطلب حضارتنا وجذورنا الثقافية التي بنتها قواعدنا اللغوية من قرآن وحديث وأدب وتاريخ!! وهكذا أبناؤنا الذين فتحنا لهم أبواب الشرق والغرب ليتعلموا في الجامعات الغربية والشرقية دون تحصين ثقافي يحفظ لهم شخصياتهم، فتاهوا بين ثقافة الشرق وبين ثقافة الغرب، وضيع هذا التيه بوصلتهم وشوش انتماءهم.
وماذا نقول عنا، ونحن أهل ثقافة واحدة ولغة واحدة وتاريخ مشترك واحد، ومع ذلك لم نحقق وحدة سياسية تحفظ لشعوبنا التوازن والثقة بالنفس، بل نحن نتصارع فيما بيننا كالصبيان الذين لا يعقلون، ويتآمر بعضنا على بعض، ولا يثق الواحد منا بالآخر، فهل يدل هذا على سلوك ولدته قاعدة فكرية مستقيمة أو بناء لغوي يشتعل ذكاء؟! ولننزل إلى الميدان لنرى من يسيرون دفة الحياة الرسمية في حياتنا، فهل اختيروا بناء على كفايتهم العلمية أم قادتهم الوساطة والمحسوبية ليتبوأوا هذه المناصب الخطيرة في الدولة؟ إن من المعروف في أوساطنا جميعا أن أحدا لا يتبوأ وظيفة حكومية إلا بوساطة ومحسوبية، ولهذا يشيع بين الناس أن الأعمال الحكومية لا يوثق بها، لأن من يقود العمل فيها أناس غير مؤهلين وغير ناجحين، ولو بحثت عن سجل أي منهم في المدرسة لوجدت أن مستواهم اللغوي كان ضعيفا! ماذا علينا لو اشترطنا لاختبار الموظف نجاحا لغويا معقولا حتى نحافظ على ماء الوجه في مستوى الوظيفة؟ 
إن أمثال هذه الأخلاق لا يمكن أن تكون نتاج مجتمعات متحضرة أبرز ما في اهتماماتها المحافظة على الإنسان، وتوطيد الأخلاق والمفاهيم التي تحافظ على القيم العليا، كالعدل والإنصاف وحفظ حقوق الناس ومساواتهم في الأخذ والعطاء تطبيقا لقيمنا التي تعلمناها من حضارتنا ورسالتها الخالدة. إن مأساتنا في ما نعانيه عدم وضع الإنسان المناسب في المكان المناسب، وإن من أولويات التصحيح المنتظر أن يكون البعد اللغوي معيارا من المعايير التي ترجح كفة المنتدب للعمل العام لأن الموظف الذي لا يعرف لغته غير مؤهل للوفاء بمتطلبات العمل الذي تناط به إدارته. ومن المعروف، في العصر الحديث، أن من متطلبات العمل الناجح خضوع موظفيه للتطوير وما يلزم هذا التطوير من تدريب واطلاع مستمر على أحدث المعلومات في هذا الميدان أو ذاك، وهذا كله يتطلب مستوى لغويا ممتازا يؤهل الموظف لفهم الموضوع والنقاش فيه. 
إن خسارة أمتنا من هذا الضنك اللغوي المنتشر في أرجاء واسعة من الأوطان التي من المفترض أنها تحيي اللغة العربية، وتعتز بها، وتتسابق في إتقانها وإثرائها وازدهارها، خسارة كبيرة يصعب التعبير عنها بالأرقام أو المساحات لأنها خسارة حضارية ثقافية أدبية، وهذه ليست سلعة تباع وتشترى، ولكنها أمور عزيزة وأوطان فكرية وعقلية ليس لها من السمات إلا التقديس والخلود!!! فكم من أنهار من العسل الأدبي المصفى ضاعت منا وعلينا من جراء الغيبوبة اللغوية التي غرق فيها أبناؤنا سنوات وسنوات؟! كم ضاع علينا من الشعر والقصة والمسرحية والمقالة؟ وهذه شارات الرقي والرقة في الحياة البشرية المتمدنة؟! وكم ضاع من التفاسير للغة القرآن؟! وكم ضاع من المؤلفات العلمية التي كان لها أن تعيد لنا مجد الخوارزمي وابن الهيثم والفارابي وابن سينا وسيبويه والكندي وابن خلدون وغيرهم من الأفذاذ الخالدين في حضارتنا؟! ولا أريد أن أطنب في أوجه الخسران الذي قاد إليه ضنكنا اللغوي، ولكني سأنبه إلى أمر واحد مهم، وهو أن البراعة في فنون الحياة تتطلب آلة لغوية قوية لتحقيق التفكير القوي الذي يقود إلى النجاح والفلاح، وهل يمكن تحصيل هذا التفكير بدون نجاح لغوي فاعل؟! ولهذا نتحسر على ما خسرته الأمة، نتيجة هذه اللوثة اللغوية، في مختلف صنوف العلوم والفنون والسياسات لأن أي مسؤول في موقعه سيجلب الدمار والوبال على ما هو مسؤول عنه إذا لم يكن مؤهلا تأهيلا لغويا سليما لينمي عقله بالقراءة والتفكير المثمر. 
 فلنخلص النية لإخراج حياة أمتنا المعاصرة من الضنك اللغوي وغيره إلى الصحة والاستقامة!؟! والله المستعان، واللهم اشهد فقد بلغت.              
 

التعليقات
الأخوة والأخوات

نرحب بالتعليقات التي تناقش وتحلل وتضيف إلى المعلومات المطروحة عن الموضوعات التي يتم عرضها في الصحيفة، ولكن الصحيفة تحمل المشاركين كامل المسؤولية عن ما يقدمونه من أفكار وما يعرضون من معلومات أو نقد بناء عن أي موضوع. وكل ما ينشر لا يعبر عن الصحيفة ولا عن المؤسسات التي تتبع لها بأي شكل من الأشكال. ولا تقبل الألفاظ والكلمات التي تتعرض للأشخاص أو تمس بالقيم والأخلاق والآداب العامة.

1 - الطيب عطاوي - الجزائر - 30-04-2018 (13:30:15)
شكراً أستاذنا الفاضل على هذا المقال ، وهو في حقيقته لفتة عظيمة وتنبيه كبير لقيمة لغتنا العربية التي أخذت تتناقص على ألسنة أبنائها ممن افتُتِنوا بسحر اللغات الأجنبية ، في حين أن سحر العربية لا يُقاوم لو كانوا يفقهون ، ولكن هذا هو الحال المغلوب على أمره ، فكما قال ابن خلدون : " المغلوب مولع بتقليد الغالب " ويرى صورته فيه .

رد على التعليق

الاسم
البلد
البريد الالكتروني
الرمز
اعادة كتابة الرمز
التعليق
 
   
جميع الحقوق محفوظة ٢٠١٣
By QualTech