للاطلاع على محتويات الإعلان أنقر هنا  
صحيفة دولية تهتم باللغة العربية في جميع القارّات
تصدر برعاية المجلس الدولي للغة العربية

  دعوة لجميع طلاب وطالبات الدراسات العليا            الإعلان عن بداية التسجيل في المؤتمر الدولي الثامن للّغة االعربية ( 10 –13 إبريل (نيسان) 2019م الموافق 5 – 8 شعبان 1440هـ)           عاجل جدا... لقد تغير بريد المجلس الدولي للغة العربية الإلكتروني           الموقع الخاص بالمجلس الدولي للغة العربية           الموقع الخاص بالمؤتمر الدولي للغة العربية           الباحث العربي: قاموس عربي عربي         
الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة

اللغة العربية تئنُّ تحت وطأة اللغات الأجنبية بين أهلها

د. الطيب عطاوي


اللغة مهما كان نوعها رمزُ اعتزاز الأمة وفخرها، ومصدر عنوانها وحقيقة وجودها ، وبدونها فالشعوب فارغة المحتوى ولا أساس لقيامها وتطورها ، فالشعوب لا ترضى للغاتها أن تُهان خارج ديارها ؛ فكيف بها داخل الديار ؟ إذ لا تجد شعباً يحترم تاريخه ومسيرة تطوره يولِّي ظهره للغته ويفضِّل عليها لغة أخرى ؛ لأنه يدرك تمام الإدراك أن ذلك مهانة لقوميته وشخصيته ؛ بل نخوته وعِرضه ، وفِعْلُ ذلك أوانٌ لنهايته وزوال لوجوده . .

والأمر غير ذلك تماماً عند الأمة العربية (طبعاً هناك تفاوتٌ في درجة الاهتمام بالعربية من بلد عربي إلى آخر) ؛ حيث الالتفاف حول اللغات الأجنبية والتسابق إلى تعلمها وتعليمها بدأ يأخذ منحى آخر في السنوات الأخيرة ، فصارت العربية في عقر دارها تعيش غربة بين أهلها وبين مثقفيها الذين كان لزاماً عليهم أن يحملوها فوق الأعناق ويتكلموا بها في بلدانهم وخارج بلدانهم ، لكن للأسف صرنا نرى العجب العُجاب في التحدث والتخاطب بها في المدارس والإدارات والمحافل الوطنية والدولية ، فلا تكاد تعثر على رئيس قوم يحسن التكلم بالعربية السليمة حتى لا نقول الفصحى إلا جاهداً كأنه يتعلمها لأول مرة ، والأدهى من ذلك أن يتكلم آخرون على مستوى عالٍ بغيرها لأنهم يرون فيها نقصاً لا تسدُّه عباراتها وألفاظها ، فتجدهم يخاطبون بني جلدتهم بغير لسانهم العربي .
إن الأمة التي تخاطب شعوبها بغير لغتها الأم لَهِيَ أمة مريضة يُستوجَبُ مداواتها ، فأيُّ أمةٍ ترضى بذا الهوان ؟! .. يا لها من مهزلةٍ عظيمة تلك الأمة التي تراسل مواطنيها بغير لسانهم العربي وتدَّعي أنها تساير الحداثة ، والتطور يكمن في القدرة على مجاراة الأمم الأخرى في لغاتها كما تدَّعي ! 
للأسف .. فمثل هؤلاء كمثل الذي ينعق بما لا يسمع ، فالعربية في عُرفهم لا تساير الحضارة وهي سبب تخلفنا ، وهذا أمرٌ في نظرنا قاصرٌ لا يبصر حقائق الأمور ولا يعي ما معنى الحضارة ، فمن غير المعقول أن   » نعود إلى اتهام اللغة العربية على أنها سبب التخلف ؛ بل إن العائق في ذويها الخاملين الذين لم يعملوا على ترقيتها ، ولم يجعلوها تعيش المعاصرة ، أولئك الشُّداة المقصِّرين العاجزين عن العمل ، والذين عسعس فيهم التردُّد والتراجع ، وعشعش فيهم الخمول والتكاسل ، وقد كان هذا سبباً في أنها أبعدوها من الجوانب العلمية في المنظومات العربية ، وقصروها على الجانب الأدبي والتاريخي والديني ، ورسَّخوا فينا شعار : العربية لغة التآبين والأدب الفصيح والشعر « (1) .
يا لهذه السخرية كيف أضحى وأصبح وأمسى وبات أفراد المجتمعات العربية المثقفون وأشباه المثقفين ينظرون من طرفٍ خفيٍّ للغتهم العربية ويحتقرون كل من يخاطبهم بها ، وكأنهم رضوا لأنفسهم أن يكونوا تبعاً للآخر ، فهم حينما يرونه يخاطبهم بلغته هو يهرعون لمنافسته في لغته فينبهر بهم ويحترمهم ، في حين هو يلعنهم ويحطُّ من قدرهم وقيمتهم ، لذلك ترانا في جامعاتنا ومدارسنا ومعاهدنا ومراكزنا نتأفَّفُ حينما نسمع شخصاً يوصينا بتصحيح خطأ نحوي أو الوقوف عند ميزان صرفي أو حُسْنِ الاستشهاد ببيتٍ شعري فصيح ونحو ذلك ، فقد » أصبح مألوفاً جداً أن المتخرِّج في الجامعة لا يحسن التكلم بالعربية ، ولا يحسن كتابة صفحة بالعربية الفصحى الصحيحة . ثم تغلغل هذا الإلف في نفوسنا حتى صار أمراً طبيعياً لا ندرك أخطاره ... وحين ينتهي الطلَّابُ من الدراسة الثانوية يتنفسون الصعداء أنهم تخلَّصوا من مقررات اللغة العربية إلى الأبد . ويعزف الطلَّابُ عن الالتحاق بأقسام اللغة العربية في الجامعات ، فلا يدخلها في الأغلب إلا المضطرُّون ... وتكون النتيجة مستوى متدنياً عند المتخرِّجين في أقسام اللغة العربية ، وهؤلاء يُعيَّنون لتعلم العربية في التعليم العام ، وهكذا تكتمل الدائرة المغلقة ؛ يصبح السبب نتيجة ، والنتيجة سبباً ، والضعف لا يلد إلا ضعفا « (2) .
إن الاهتمام باللغات الأجنبية ليس أمراً سيِّئاً ؛ بل هو أمرٌ محمود ولا بد منه في عصرنا اليوم كي نواجه سيل العولمة الخانق ، لكن هذه المواجهة لا تتمُّ إلا بالحفاظ على اللغة الأم (العربية) وتعميمها عبر وسائل الإعلام والإدارة ، وكذا التخاطب بها بين أفراد المجتمع العربي ، وجعلها خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه ، ومن أراد إهانتها تؤخذ ضده الإجراءات اللازمة ، ثم الرفع من قيمتها داخل المدارس والجامعات بمخطط عام يضمن لها البقاء والديمومة ، ومن ثَمَّة نحفظ لها كينونتها وتبقى رمزاً في عُرف كل فرد منتمي إلى الأمة العربية ، وتكتمل صورة البناء الحضاري بمفهومه العام ؛ إذ لا حضارة لأمة خارج لغتها ، ومن أراد التطور خارج لغته فحاله كحال التائه في الصحراء يجري وراء سراب وما هو ببالغه ! 
إن العربية محفوظة عبر التاريخ بمخلصيها الأوفياء الذين وهبوا أنفسهم وسخَّروها للرفع من شأن هذه اللغة المعطاءة ، لغة وجد فيها الأقارب والأباعد على حد سواء ما يبحثون عنه من جمال العبارة وسلامة الخطاب وحسن التصوير وبراعة المنطق ما لم يجدوه في غيرها من اللغات ، وعدّوها لغة المستقبل دون منازع ، فهذا المستشرق الأمريكي "ريتشارد كوتهيل" يقول عنها : قلَّ منا نحن الغربيين من يقدِّر اللغة العربية حق قدرها .. لقد كان للعربية ماضٍ مجيد ، وفي تقديري سيكون لها مستقبل باهر  .
كما كتب القصَّاص المشهور " جون فيرن " في إحدى قصصه الخيالية عن قوم شقُّوا في أعماق الأرض طريقاً إلى جوفها ، فلما خرجوا سجَّلوا أسماءهم بالعربية ، فلما سُئل عن ذلك قال : لأنها لغة المستقبل (3) .
إن اللغات الأجنبية في بلاد العرب أضحت نوراً يُهتدى به ، ومن لا يحسن الرطانة بها فهو متخلف وأحمق ، في حين لغتنا العربية لا ضير إن لم تحسن الحديث بها والتعبير بها داخل المؤتمرات والمحافل ؛ فنحن أمة في كثير من الأحيان نتغافل عن حقائق باهرة في لغتنا ولا نؤمن بها إطلاقاً إلا عندما نسمعها من غيرنا ، فعند ذاك نخرج من قمقمنا كأنَّ يداً حكَّت هذا القمقم وجعلتنا نسبح في الهواء ننفذ ما يمليه علينا الآخر !  فهيهات هيهات للغة العربية أن ترى النور ويعلو شأنها في المحافل والمؤتمرات وأهلها نائمون في وديانهم سكارى ، هيهات هيهات لها أن تتنفس خارج ديارها وهي مجثوم عليها في عقر دارها ! 
لغتنا العربية الشريفة تئنُّ في هذا العصر وترثي حالها وتستغيث علَّ جيلًا قادماً سوف يظهرُ ، وينطلق من جديد أدباؤه وعلماؤه وفنَّانوه ومبدعوه وسياسيوه واقتصاديوه وغيرهم ينهلون من بحر لغتهم ويحذون حذو من كان قبلهم رافعين رايتها عالياً ، ويجوبون بها آفاق الدنيا شرقاً وغرباً ، ويضربون أروع الأمثال في جمالها وحِكمها ومنطقها وفلسفتها وعلمها وأدبها ، فينالون بذلك شرف الانتماء لها .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ـ في النهوض باللغة العربية ، صالح بلعيد ، دار هومة ، الجزائر ، 2008 ، ص 103 .
(2) ـ علم اللغة التطبيقي وتعليم العربية ، عبده الراجحي ، دار المعرفة الجامعية ، الإسكندرية (مصر) ، 1995 ، ص 88 ـ 89 .
(3) ـ اللغة العربية وفلاسفة الغرب ، شدري معمر علي ، جريدة القدس العربي ، سبتمبر 2015 م .
 

التعليقات
الأخوة والأخوات

نرحب بالتعليقات التي تناقش وتحلل وتضيف إلى المعلومات المطروحة عن الموضوعات التي يتم عرضها في الصحيفة، ولكن الصحيفة تحمل المشاركين كامل المسؤولية عن ما يقدمونه من أفكار وما يعرضون من معلومات أو نقد بناء عن أي موضوع. وكل ما ينشر لا يعبر عن الصحيفة ولا عن المؤسسات التي تتبع لها بأي شكل من الأشكال. ولا تقبل الألفاظ والكلمات التي تتعرض للأشخاص أو تمس بالقيم والأخلاق والآداب العامة.

الاسم
البلد
البريد الالكتروني
الرمز
اعادة كتابة الرمز
التعليق
 
   
جميع الحقوق محفوظة ٢٠١٣
By QualTech