للاطلاع على محتويات الإعلان أنقر هنا  
صحيفة دولية تهتم باللغة العربية في جميع القارّات
تصدر برعاية المجلس الدولي للغة العربية

  دعوة لجميع طلاب وطالبات الدراسات العليا            الإعلان عن بداية التسجيل في المؤتمر الدولي الثامن للّغة االعربية ( 10 –13 إبريل (نيسان) 2019م الموافق 5 – 8 شعبان 1440هـ)           عاجل جدا... لقد تغير بريد المجلس الدولي للغة العربية الإلكتروني           الموقع الخاص بالمجلس الدولي للغة العربية           الموقع الخاص بالمؤتمر الدولي للغة العربية           الباحث العربي: قاموس عربي عربي         
الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة

ويفشل الكتاب المدرسي

أ. عبد الحكيم برنوص

 

مرة أخرى يفشل الكتاب المدرسي في تقديم صورة فضلى عن اللغة العربية إلى الطفل المتمدرس، و لا يمده إلا بصورة غير صحيحة ومنقوصة عن هاته اللغة و عن وصفها.

تستند الطريقة الجديدة لتقديم العربية إلى مريديها على تجميع مكوناتها كاملة في كتاب واحد، و هي طريقة تحرم التلميذ من تذوق العربية و تبعده عنها و تنفره منها، وتزيد من حجم اتهام هذه اللغة والافتراء عليها بالإغراق في الصعوبة و التقعيد. 
ينبري جل هاته الكتب إلى التمهيد للظاهرة النحوية أو التركيبية  بنصوص مصنوعة  ـ معتبرة قرائية افتراضاـ  وغير سلسة و لاعذبة بتاتا ) والاستثناء قليل (ثم يعقبها وصف للعربية و ليس استعمالها، فيجد المدرس نفسه في مواجهة سلسلة متتابعة من الدروس التي تبحث في اللغة و في بنيتها و نحوها وصرفها )التركيب و الصرف و التطبيق و الإملاء.....(.
يكاد يخلو جل كتب العربية من كل نص أدبي ممتع، وتكاد تغيب عن صفحاته النصوص الباهرة البارعة لكبار الكتاب ، الذين أبدعوا و أمتعوا، المغاربة منهم و المشارقة, أو كل من سحرته لغة البيان العذبة هذه. ولا نعثر في ثناياه إلا على فتات منثور هنا و هناك ، و نصوص باردة خشبية المعنى ، غير ممتعة إطلاقا. جدّ أصحابها المؤلفون في تأليفها و صنعتها. يقرؤها التلميذ مكرها ، و كأنه يمضغ التراب، و يتجرعها لا سائغة و لا ماتعة.
فيفشل كثير من كتب اللغة في تقديم العربية إلى مريديها، و تكتفي بتقديم قواعد مبتورة عن وصف اللغة، وبحوث مستقطعة عن بنيتها التركيبية و الصرفية و الإملائية. بحوث تبعد التلاميذ عن لغتهم و تزيد من عزلة الإثنين، اللغة و صاحبها. فيصبح التلميذ مطالبا بمعرفة أجزاء الكلام و العلاقات بين كلماته، بدل استعمال اللغة وتداولها.
ينساق التلاميذ مع نحو اللغة و صرفها، فيحذفون نون المضارع ويثبتونها ، و يقدرون حركات المقصور ويتوهمونها، و يتيهون بين لامات الجحود  والتعليل والأمر و اللام المزحلقة الأخرى، ويثقل الأمر عليهم ويثقل على مدرس اللغة .
 فتكون النتيجة ، أن يتأفف متعلمنا الصغير و يتبرم، ويطوي كشحا عن تعلم اللغة وعن أهلها )  سلوا الصغار و الكبار كيف ينظرون إلى معلم العربية، و اسألوهم كيف ينظرون إلى  أصحاب الألسن الأخرى البراقة الملونة المبهرجة! ( ويبني بينه و بينها حاجزا نفسيا و نفورا شديدا معديا، حتى إذا سمع عن درس الإعراب ، ظنه حصة لأكل الحصرم و مضغه و بلعه رهقا.
وهكذا تسقط العربية في أعينهم، و يبنون بينهم و بينها جدارا نفسيا منيعا، فيرغبون عنها و ينصرفون إلى غيرها من ذوات الكتب الجذابة الفاتنة و الأناشيد المغناة و القصص ذات الحبكة الآسرة ، يجلبون ذلك من ألسن أخرى لأمم أخرى..)و كأننا أمة بدون تاريخ و لا حكي و لا سرد(  فيرطنون بها، و يلوون ألسنتهم بهذه اللغات الضرائر، و سط  تصفيقات الأهل و استحسانهم، يكاد الدمع يفيض من أعينهم، عندما تتوصل فلذة الكبد الصغيرة، إلى رطن أول كلمة بالفرنسية أو الإنجليزية أو الإسبانية أو الألمانية...فهاته هي اللغات حقا، و هذا هو المستقبل ، أما غير ذلك فتخلف و رجعية.
في هذا الجو الموبوء بالألسن ، يتداخل السياسي و التربوي و التاريخي و غيرها من العوامل التي أفرزت هذا الجو المشحون بالألسن يدفع بعضها بعضا. فالنظام التعليمي جبل يريد أن ينقض، بعد أن  كثرت معاول الهدم و التزييف. فتمخض جبل الألسن فولد طريقة لا يستقام عليها أبدا . طريقة من التبخيس الممجوج، ظنوا به تحايلا أنهم يربطون اللغة بمحيطها الآسن منه، و جلبوا من قاع التلهيج  مفردات لا تقدم و لا تؤخر ولاتغني و لاتفيد. و لا سبق في ذلك إطلاقا و لا فائدة، مهما روج المروجون.
فما  الجديد الذي يقدمه الكتاب المدرسي، لمّا ينقل من محيط  المتكلم بضع كلمات ، تثير في نفسه و نفس غيره سخرية و استهزاء. بدعوى ربط المدرسة بمحيطها. معجم يتداوله التلميذ جزافا صباح مساء،  فلا يجد في ذلك فتحا جديدا ولا اكتشافا.
 لعمري هي دعوى مخاتلة،أريد لسهمها أن يصيب اللسان العربي في مقتل. و تتبعوا سير أصحاب التلهيج والتعمية )من العامية ( و اقتفوا أثر قواميسهم اللاهجة ) من اللهجة (، و سعيهم الحثيث لركن العربية في المتحف و بين ثنايا المصحف الكريم.  تجد أن الأمر عناد مكشوف، لإبطال سحر اللسان العربي، و إنشاء مكانه جوا مربكا و مضطربا من التلهيج والرطانة .
بين الفرد و العالم الذي يحيا فيه  لغة ، وعن طريق هاته اللغة يعرف هذا العالم و يسميه، و ما تقدمه هذه اللغة أو هذا اللسان، فهو الموجود بالنسبة لصاحبه،  وما لا يقدمه اللسان ينتفي و لا يوجد )وإن كان موجودا فعلا ( . وكلما زاد رصيد اللغة زادت المعرفة و توسع الأفق، و كلما اضمحل و نقص ، قدم عالما بسيطا لا يتعدى بضع مئات من الكلمات. وصراع الألسن صراع من أجل البقاء ، فتتسابق فيما بينها توليدا و ترجمة  واشتقاقا ،  والتوسع ضمّا لهذا العالم الواسع الذي ينبغي تغطيته و تسميته.
اللغة في وضعها استعمال ، استعمال في اللحظة و الآن ، يستعملها الفرد بينه و بين نفسه و بينه و بين العالم، وهي جواز المرور إلى هذا العالم. فترى الأمم الأخرى تسارع إلى إغناء معاجمها وضخ المستحدث من الكلمات المتناسلة، إغناء للثروة اللفظية لأصحابها و تعريفا لهم بما يوجد في هذا العالم المحيط بهم . فالألسن الحية غنية  بمعاجمها وقوامسيها و أرصدتها من الألفاظ و الكلمات ، فتتوسط بين العالم و المتعلم ، لتقدم له عالما يشمل جل ميادين الحياة الواسعة .
 

التعليقات
الأخوة والأخوات

نرحب بالتعليقات التي تناقش وتحلل وتضيف إلى المعلومات المطروحة عن الموضوعات التي يتم عرضها في الصحيفة، ولكن الصحيفة تحمل المشاركين كامل المسؤولية عن ما يقدمونه من أفكار وما يعرضون من معلومات أو نقد بناء عن أي موضوع. وكل ما ينشر لا يعبر عن الصحيفة ولا عن المؤسسات التي تتبع لها بأي شكل من الأشكال. ولا تقبل الألفاظ والكلمات التي تتعرض للأشخاص أو تمس بالقيم والأخلاق والآداب العامة.

الاسم
البلد
البريد الالكتروني
الرمز
اعادة كتابة الرمز
التعليق
 
   
جميع الحقوق محفوظة ٢٠١٣
By QualTech