للاطلاع على محتويات الإعلان أنقر هنا  
صحيفة دولية تهتم باللغة العربية في جميع القارّات
تصدر برعاية المجلس الدولي للغة العربية

  دعوة لجميع طلاب وطالبات الدراسات العليا            الإعلان عن بداية التسجيل في المؤتمر الدولي الثامن للّغة االعربية ( 10 –13 إبريل (نيسان) 2019م الموافق 5 – 8 شعبان 1440هـ)           عاجل جدا... لقد تغير بريد المجلس الدولي للغة العربية الإلكتروني           الموقع الخاص بالمجلس الدولي للغة العربية           الموقع الخاص بالمؤتمر الدولي للغة العربية           الباحث العربي: قاموس عربي عربي         
الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة

مـــلامــح النـطـــق عنــد العـــــرب

أ.د. علي عمار


اتفقت اللغة العربية الشمالية بداية من العهد الجاهلي في المعالم والظواهر العامة التي كانت تضمن الاتصال بين القبائل العربية بمختلف لهجاتها ، والتي كانت في الوقت نفسه نتيجة لهذا الاتصال والتواصل ، غير أن هذه القبائل جميعها لم تتح لها في أيامها ظروف متماثلة ، أو ملابسات متشابهة. بل أحاطت بها مكوناتها : الاجتماعية والاقتصادية ، وفي بيئتها : الطبيعية المادية ، والمعنوية الأدبية ظروف مختلفة وملزمة ، فقد كان بعضها يحيا حياة بدوية كلها شدة وقساوة وخشونة ، والبعض الآخر يحيا حياة حضرية فيها شيء من الدعة واللطافة.
كما أن هذه القبائل كانت تختلف فيما بينها – تبعا لذلك – من حيث التنقل والاستقرار  والانعزال والاختلاط ... وقد أدى ذلك إلى أن يكون لكل قبيلة من العرب لهجة تميزها عن غيرها فكان ان اختلفت هذه اللهجات العربية – ان قليلا أو كثيرا – في بعض المظاهر الصوتية ، وفي بنية بعض ألفاظها ، ودلالة بعض كلماتها ، إلى غير ذلك من خصائص وسمات. وأول هذه الخصائص التي أشرنا إليها ، هي الظواهر الصوتية ، ومن أمثلتها الحركات المختلفة ، وحروف المد الثلاث ، أي أصوات اللين قصيرة وطويلة ، ومدى ميل بعض القبائل العربية إلى أصوات معينة من بينها ، أو إحلال أصوات منها محل غيرها ، ومن ذلك أيضا ما يختص بالهمزة تحقيقا وتسهيلا وحذفا ، وما يتصل بالقلب ، وإبدال الحروف بعضها من بعض ، والتخفيف من بعض أعباء النطق مثل الإدغام والحذف والترخيم ..
وقد جعلت هذا الأخير – في شيء من الإيجاز – مادة لهذا البحث ، فالتخلص من بعض أعباء النطق ما بين إدغام ، وحذف ، وترخيم كان صورة من صور النطق التي تميز البدو عن غيرهم في شبه الجزيرة العربية. فالإدغام وهو ما يطلق أكثر عند اللغويين على تداخل الحرفين المتماثلين في المضعف بحيث يصيران حرفا واحدا مشددا مثل رد ، شد ... ولم يرد ، ولم يشد...
أما الإظهار أو (الفك) فأكثر ما يطلق عندهم ، فعلى فك هذا الإدغام أي جعل الحرف المشدد حرفين : أولهما متحرك ، والثاني ساكن مثل : اردد ، ولم يردد. اشدد ، ولم يشدد...
والإدغام والإظهار لهجتان معروفتان عند القبائل العربية المشهورة ، وقد نسب الرواة أولهما (وهو الإدغام) إلى القبائل التميمية ، كما نسبوا الثاني وهو (الإظهار) إلى القبائل الحجازية ، فقد قالوا : الإدغام تميمي ، والإظهار حجازي (1).
غيران الإدغام – مع هذا – ليس مقصورا على تداخل الحرفين المتماثلين فحسب ، بل يشمل أيضا تداخل الحرفين المتقاربين في مخرجيهما ، مثل الثاء والطاء في " يتطوع " اذ يصير هذا اللفظ بالإدغام " يطوع " (2). والتاء والذال في " يتذكر" حين يصير بالإدغام " يذكر" (3). والتاء والصاد في " يتصعد " حيث يصير بالإدغام " يصعد " (4). والإدغام والإظهار بمعناهما الواسع قد عني يهما علماء القراءات أكثر من عناية اللغويين والنحاة ، لأن هؤلاء القراء كان جهدهم منصبا على تجويد القرآن الكريم ، وما ورد  فيه من قراءات مختلفة لا شك أنها تمثل الكثير من اللهجات العربية ، وقد جاء في هذه القراءات ألفاظ كثيرة تمثل الإدغام ، وأخرى – على عكسها – تمثل الإظهار، وقد نجد الإدغام والإظهار ماثلين في اللفظ الواحد تبعا لاختلاف القراءات أو اللهجات.
وانه ليتضح مما رواه الرواة ، وهو ما تقتضيه طبائع الأشياء ، ان الإدغام في عمومه هو من سمات القبائل البدوية التي يصعب عليها النطق بالحروف المتجاورة إذا كانت متقاربة أو متماثلة ، فنجد اختلاطا وتداخلا عندهم في نطقها.
وقد أدرك القدامى ذلك ، فذكروا أن وجه الإدغام هو التخفيف ، وأنه ثقل الالتقاء بين المتجانسين على ألسنتهم ، فعمدوا بالإدغام إلى ضرب من الخفة (5) ، كما ذكر في إدغام الحرفيين المتقاربين إن سببه تقريب الأصوات بعضها من بعض (6).
وهذا كلام نجد مصداقيته عند البدو غالبا ، أما الحضر كالحجازيين أو بعضهم ، فمن شأنهم نطق الألفاظ في أناة ، وتمييز الحروف بعضها من بعض تمييزا يتسنى معه وجود الإظهار الذي يتحقق به فصل الحروف بعضها عن بعض ، ولهذا فإن من نسب الإظهار إلى قريش (7). هو – عندي – أكثر دقة ممن نسبه إلى الحجاز – باستثناء ثقيف – فأغلبهم من البدو.
تلك إشارة مختصرة تختص بالإدغام والإظهار رأينا فيها أن بعض العرب ، ولا سيما الباديون منهم قد يلجئون إلى التحلل من بعض أعباء النطق بإدغام كثير من الحروف المتماثلة أو المتقاربة بعضها في بعض.
وسنرى الآن بعضا آخر منهم يتخلص من هذه الأعباء أحيانا بحذف بعض الحروف حين تأخذ من الكلمات وضعا معينا يجعلهم في نطقها بحاجة إلى الأناة التي لا تساعدهم عليها بيئتهم  ولهذا نراهم يحذفون بعض هذه الحروف حتى يسهل عليهم نطق هذه الكلمات في سهولة ويسر  أو حتى ينطقونها في سرعة دون اللجوء إلى التحفظ والاحتياط الذي يأخذ به الحضريون أنفسهم.
ومن ذلك قولهم : " يا أبا الحكا " يريدون " أبا الحكم " ، و " لم يسم ، يريدون " لم يسمع "... وهذا ما يسمونه بالقطعة في لغة طىء (8). ونجد لذلك أثرا في لهجة بعض البلاد العربية الآن ، ومن بينها بعض المناطق المصرية مثل المحلة الكبرى وما جاورها ، وابيار  وكثير من مناطق محافظتي البحيرة وبني سويف.
ومن هذا الحذف ما يسمونه بالترخيم ، وهو حذف آخر المنادى في أحوال خاصة استقرارها النحاة بعد ، وصاغوها شروطا وأوضاعا حول هذا الترخيم وجوازه. ولسنا الآن بصدد ذلك ، ولكن حسبنا في هذا المجال ، وفي موضوع كهذا الموضوع اللغوي أن نضرب لهذا الترخيم أمثلة منها قولهم : " يا سعا " يريدون " يا سعاد " ، ويا " حار" ، ويا " مال " ، ويا     " صاح " أي " يا حارث ، ويا مالك ، ويا صاحب ". وهذا النوع من الحذف أو الترخيم نجده كثيرا في الشعر العربي مثل قول امرئ القيس : 
أقاطم مهلا بعض هذا التدلل      وان كنت قد أزمعت صرمي فاجملي 
أي : أفاطمة.
وقوله :
أصاح ترى برقا أريك وميضه     كـلمـع اليــديــن فـي حبـــي مكـلـــــل
أي : أصاحب.
وقول عمرو بن كلثوم :
قفي قبل التفرق يا ظعينا     نخبـــرك اليـقيــــن وتخبـــــرينـــــــا
أي : يا ظعينة.
وقول عنترة بن شداد العبسي :
يدعـون عنتر والرماح كأنها     أشطــان بئــر في لبـــان الأدهم
أي : يدعون عنترة ، يعني نفسه.
وقول أبي المثلم الخناعي يخاطب عامر بن العجلان :
أعام بن عجلان مقصورة     بغيـــري من شبــــع عــــــــــــــرض
أي : أعامر.
وما أكثر هذا في شعر هؤلاء وغيرهم من الشعراء ، وقبائلهم كلها أو جلها من بدو الصحراء في شبه الجزيرة العربية. ولا يمكن القول بأن حاجاتهم إلى استقامة الوزن الشعري هو الذي حملهم على هذا الحذف أو الترخيم ، فإن كثرته بهذه الصورة المستفيضة في شعرهم تمنع هذا الاحتمال. ثم إننا نجد ذلك في النثر أيضا ، ولعله ليس مقصورا على الإعلام ، بل يشمل ما سماه النحاة بعد باسم الجنس ، حتى أننا عندما نجد أن بعضهم منع ذلك كالمبرد ، نرى من النحاة من ينبري له ، ويفند رأيه ، ويذكر أن كلامه محجوج بورود السماع بترخيمه نظما ونثرا ، فأما في النثر فقد قال العرب " يا شا أدجني " يريدون " ياشاة أدجني" أي أقيمي ولا تبرحي ، وأما الشعر ، فمن باب أولى نجده أيضا ، وان كانت الكثرة هي لترخيم الإعلام كما رأينا. ثم إلى جانب ما وجد فيه الترخيم من شعر ونثر نجده أيضا في بعض القراءات مثل قراءة ابن مسعود :         " ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك " (9). إذا قرأها " يامال " (10). ويروي الرواة أن ابن عباس لم يصغ هذه القراءة تأسيسا على أن أهل النار سيكونون في شغل عن هذا الترخيم (11). وأغلب الظن أن هذا القول مدسوس عليه ، ولو قد صحت نسبته إليه لما كان الحق في جانبه ، لأن هذه لهجة عربية ، وقراءة من القراءات يقرؤها ابن مسعود ، وهي لهجة قومه ، فلا شأن لها بأهل النار  وما سيكونون فيه.
وإذا كان قد نسب إلى ابن عباس عدم استحسان الترخيم في هذا الموطن ، فقد حسنه غيره كابن جني ، وذلك أن علة ذلك هي ضعف أهل النار عن إتمام الاسم. وهذا التعليل هو الأخر تعليل متكلف مثل التعليل السابق المنسوب خطأ أو عمدا إلى ابن عباس كما سبقت الإشارة إلى ذلك. ويعلق الطيبي على كلام ابن جني بأن هذا اعتذار منه لقراءة ابن مسعود حيث ردها ابن عباس بقوله : " ما اشتغل أهل النار عن الترخيم " (12).
والحق أنه لا وجه لهذا الجدال ، ولا لذلك الاعتراض ، ولا هذا الاعتذار فإنما هي لهجة كما ذكرنا ، وكما نرى في كثير من المراجع عندما تعرض لهذه الآية الكريمة.
وقبل أن أترك الحديث عن الترخيم أريد أن أقول إني ألمحت به على أساس أنه حذف للتخفيف – كما يقول النحاة – وذلك إنما يكون غالبا عند البدو أكثر منه عند الحضر ، وإن كان اللغويون والنحاة لم يشيروا إلى ذلك إشارة واضحة ، غير أن شواهدهم على هذا الترخيم حين نرجع إليها نجدها – في اغلبها – من شعر البدو ، وقلما وجدناها عند شعراء الحضر. ومع هذا فانا لا أريد أن أقول أن الترخيم هو ديدن البدو في كل كلامهم ، وأن عكسه هو لهجة الحضر في كل ما ينطقون ، فهذا كلام لا يقول به أحد. غير أن القول في هذا هو أن الأصل في اللغة ليس قائما على الترخيم ، ولكنه حين يوجد ، فاحسب أنه يكون أكثر ما يكون عند البدو ، أو عند اللهجات التميمية (تميم وما جاورها) مما يسميه بعض المحدثين بالمجموعة الشرقية من شبه الجزيرة العربية. ومع هذا فاللغات واللهجات لا تلتزم خطا واحد تسير عليه ولا تحيد عنه ، بل هي خاضعة للتأثير والتأثر والأخذ والعطاء ، وذلك ما تقتضيه طبائع الأشياء ، ولهذا لا نستبعد وجود شيء من الترخيم عند الحجازيين ، لاسيما المجاورين منهم لبعض بطون هذه المجموعة الشرقية ، وقد رأينا إثارة منه إلى اللهجة القرشية في ألفاظ قليلة تكون قريش قد اختارت نطقها على هذا الوجه ، وان كنا لا نجد شيئا من ذلك في القرآن الكريم إلا في بعض قراءات نادرة مثل قراءة عبد الله بن مسعود التي المحنا إليها سابقا.
غير أنه ورد بعد ذلك في شعر الإسلاميين ومن جاءوا بعدهم على اختلاف العصور  وقعد له النحاة القواعد ، فلم يعد ظاهرة عابرة. ومن قبيل هذا الحذف للتخفيف حذف أحد المثلين في بعض الأفعال مثل : اتجه ، واتقى ، واتخذ... فقد نراها : تجه ، وتقى ، وتخذ...
ومن ذلك قول صخر الغي :
تجهنا غاديين فساء لتني     بواحدها وأسال عن تليــــدي
وقوله القطامى :
إني اهتديت لتسليم على دمن     بالغمر غيرهن العصر الأول
صافت تمعج أعناق السيول بها     من باكر سبط أو رائـح يئـــل
وقول ساعدة بن جؤيـة :

يستقي به نفيان كل عشية     فالمء فوق سراتـه يتصبـب
وقوله :
ومن العوادي إن تقتك ببغضه     وتقاذف منها وانك تـرقـــب
وقول أبي جندب بشأن بني لحيان :
تخذت نمران أثرهم دليلا     وفروا في الحجاز ليعجزوني
واغلب الظن أن هذا التخفيف ليس من قبيل ما ألجأت إليه الضرورة الشعرية ، فإنه يوجد حال الاختيار في النثر أيضا ، فقد نسب سيبويه إلى بعض العرب أنهم يقولون : " تقى الله رجل فعل خيرا " (13). يريدون اتقى الله رجل ، فيحذفون ويخففون. ثم إن قول الله تعالى : " لو شئت لاتخذت عليه أجرا " (14). قرأه بعض القراء السبعة " لتخذت " بالتخفيف .
ونحن اذا ما نظرنا في المصحف الفيناها هكذا دون ألف (أي دون همزة الوصل)، ليتسع رسمها لتلك القراءة ، وقد قرأها كذلك عبد الله بن مسعود وآخرون غيره بالحذف والتخفيف. ومن وجوخ حذف احد المثلين للتخفيف حذف التاء من أول المضارع اذا سبقته تاء المضارعة مثل : " تكلم "أي تتكلم في قول زهير بن أبي سلمى : 
امن أم أوفى دمنة لم تكلم     بحـومانـة الـدراج فالمتـمثــل
و" تشكي " أي تتشكى في قول جنوب أخت عمرو ذي الكلب ترثيه :
وخرق تجاوزت مجهوله     بوجناء حرف تشكى الكــلال
و" توقى " أي تتوقى في قوله ساعدة بن جؤية :
ولقد نهيتك إن تكلف نائيا     من دونه فوت عليك ومطلـب
و" تجوب " أي تتجوب في قوله :
تجوب قد ترى إني لحمل     - على ما كان - مرتقب ثقيـل
و" تقطع " أي تتقطع في قول المرقش الأكبر :
تراه بشكات المدجج بعدما     تقطع أقران المعيـرة يجمــــح
و" تشذر" أي تتشذر في قول لبيد بن ربيعة العامري :
وكثيرة عرباؤها مجهولة     ترجى نوافلها وتخشى زامـها
غلب تشذر بالدخول كأنها     جن البـدى رواسيا أقدامها
و" تذكر" أي تتذكر في قوله :
بل ما تذكر من نوار وقد نات     وتقطعت أسبابها ورمامــــها
و" تناول" أي تتناول في قول طرفة بن العبد البكري :
خذول تراعي ربربا بخميلة    تناول أطراف البرير وترتـدي
والأمثلة على هذا المنوال لا حصر لها ، لمن ذكرنا ومن لم نذكر من الشعراء وذلك موجود في النثر أيضا لا في الشعر وحده.
ولعل من ذلك أيضا ما ذكر من إن " تتوفاهم " في الآية الكريمة : " الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم " (15). هي في مصحف ابن مسعود " توفاهم " بتاء واحدة.
وهذا التخفيف بالحذف قد ألفه بعض العرب في كلمات قال اللغويون إن الحذف فيها راجع إلى كثرة الاستعمال مثل قولهم : " عم صباحا " أي انعم صباحا " ، فحذف حرفان من الكلمة احدهما الهمزة. وحذف الهمزة في الكلمة الغرض منه التخفيف منها موجود في كلام بعض العرب شعرا ونثرا. ومن ذلك قول مالك بن خالد الخناعي :
تنادوا فقالوا يا لحيان ما تنوا     عن المجد حتى تثخنوا القوم بالضرب
يريد : يا آل لحيان.
وفي قول صخر الغي :
ولست بمظطر ولا ذي ضراعة     فحفــف عليـك القـول يابا المثـلـــــــم
أي يا أبا المثلم.
هذا وقد حكى أبو زيد الأنصاري في الاختيار " لاب لك " يريد " لا أبا لك ". ومن المظاهر الأخرى لحذف الهمزة من الكلمة حذفها احيانا حين تكون مكسورة بعد الألف في صيغة " فاعل" مثل " راد " في موضع " رائد " و" سارها " في موضع " سائرها " ، و"هار " في موضع " هائر " ، و" هال" في موضع " هائل " ، و" صات " أي " صائت ". ومن أمثلة ذلك قول أبي ذؤيب :
فبات بجمع ثم إلأى منـــى     فأصبح رادا يبتغي المزج بالسحـل
وسوء ماء المرد فاها فلونه     كلون النؤور فهي إدماء سارهــــــا
سارها : أي سائرها.
وقول أمية بن أبي عائد :
احم المدامع يبني الكناس     في دمث التـرب ينثـال هــــــــــال
وقول صخر الغي :
يكاد يدرج درجا ان يقلبه     مس الأنامل صات قدحه زعــــــل 
وقول أبي خراش :
فلا وأبي لا تأكل الطير مثله     طويل النجاد غيرها رولا شهـــــم
ومثله قول ساعدة بن جؤية :
فاستبعدوهم فها ضوهم كأنهم     ارجاء هـار زفـاه اليــم منـثـلــــــم
وقد يخيل للمرء باديء ذي بدء إن هذه وتلك ضرورة شعرية ، ولكن يدفع هذا الاشتباه وجود نظر لها في القرآن الكريم في قوله تعالى : " على شفا جرف هار " (16). فقد ذكروا ان معناه في الآية " هائر" (17).
ومن مظاهر هذا التخفيف بالحذف ما نجده في نطق بعض أسماء القبائل المركبة من كلمتين مثل : بني القين ، ووبني الحارث ، وبني الحارث ، وبني الجهيم... حين حذفوا جزءا من صدرها فصارت : بلقين ، وبالحارث ، وبالجهيم...
ويشبه هذا قولهم " م الآن" بدلا من " من الآن" في مثل قول ابي صخر :
كأنهما م الآن لم يتغيرا   وقد مر للدارين من بعدما عصــر (18).
و(م الأرض) في موضع (من الأرض) كما في قول مليح بن الحكم :
فلما دنت م الأرض عولي فوقها   مراكب من ميس وبيـض مدبـــج
و" م الأمر" في موضع " من الأمر" كما في قول قيس بن القيزارة :
تقول إلا أغويتنا إذا سرتنا   فيالك مرءا م الأمور الاشائــــــم (19).
فهم يحذفون شطر حرف الجر " من " ، وينحتون من الكلمتين كلمة واحدة. ويذكر ابن جني في المنصف إن علة حذف النون في مثل ذلك هي التقاء الساكنين (20). وهذا لا يخرج بنا عن إطار الحذف للتخفيف . وربما ظن ضان إن هذا من قبيل الضرورة الشعرية فظاهر الأمر قد يوحي بذلك ، ولكنه نوع من الحذف ينسب أحيانا على بعض قبائل اليمن مثل خثعم وزبيد (21). والحق انه مما تتسم به البنية البدوية بوجه عام. لكن يبدو أننا كلما توغلنا في البادية كان ذلك أكثر وضوحا وبروزا. وهذا النمط من الحذف نجد له نظيرا في بعض اللهجات العربية الآن ، لاسيما عند غير المثقفين في بلادنا. وإذا كان نطق الكلمتين كلمة واحدة يتم عن طريق حذف آخر أولا هما مثل : "م الآن" ، م " الأرض" " م الأمور" فقد يتم ذلك أيضا بحذف أول ثانيتهما ، وذلك مثل : " ويلمه ، ويلمها" وقد نجد ذلك كثيرا في أشعارهم ، ومنه قول المتنخل يرثى ولده : 
ويلمه رجلا تأتي به غبنا   اذا تجـرد لا تخـال ولا بخــــــل (22) 
وقول قيس بن خويلد :
ويلمها لقحة أما تأدبها   نسـع شآميــة فيـها الأعاصير (23)
وقول قيس بن العيزارة في تأبط شرا :
فويلم شعل جر شعل على الحصى (24) 

وقول أبي ذؤيب :
ويلم قتلى فويق القاع من عشر (25)
وقول سلمى بن المقعد :
ويلم ساعدة بن قيس عاديا (26)
وهكذا نرى للحذف مجالا في اللهجات العربية ، وربما ازداد هذا المجال رحابة واتساعا عند المتوغلين في البداوة من جزيرة العرب. ولا يزال هذا الحذف ماثلا في لهجاتنا العامية المنتشرة في الريف ، خاصة عند غير المثقفين منا ؛ لأن هؤلاء لا يستطيعون التحكم في جهاز النطق تحكما كاملا يتيح لهم نطق الكلمات كاملة بصورة تتضح فيها جميع حروفها متميزا بعضها عن بعض.  


































الإحالات و الــــهــــوامـــــــــــــش



1- ابن جني : المحتسب ص 153. الزمخشري : الفائق 3/111. البغدادي : خزانة الآداب 4/105.
2- الزمخشري : الكشاف 1/246. ابن يعيش : شرح المفصل. أبو حيان : الارتشاف      ص 131. خالد الأزهري : التصريح 1/128.
3- أبو حيان : البحر المحيط 5/117.
4- المرجع السابق : الموضع نفسه. 
5- شرح المفصل 10/121.
6- المرجع السابق 10/124.
7- تاج العروس 2/94.
8- اللســان " قطع"
9- سورة الزخرف 43 الآية 77.
10- ابن خالوية ، مختصر الشواذ ص 136.
11- المرجع السابق والصفحة السابقة.
12- ابن جني : المنصف 2/186.
13- الكتاب 2/439. اللسان " وقى".
14- سورة الكهف 18 الآية 77.
15- سورة النحل 16 الآية 28.
16- سورة التوبة 09 الآية 109.
17- نوار أبي زيد ص 30.
18- ابن جني : المنصف 2/229. البقية ص 93. الامالي 1/146 زهر الآداب 3/762.
19- شرح إشعار الهذيليين (تحقيق فراج) 2/601.
20- ابن جني : المنصف 2/229.
21- حفني ناصف : مميزات لغات العرب ص 32.
22- اللسان " أمم ". الاقتضاب ص 363.
23- شرح أشعار الهذيليين (فراج) 2/607.
24- ديوان الهذليين 3/78.
25- ديوان الهذليين 1/44.
26- شرح أشعار الهذليين (فرج) 2/798.











المـــــــراجـــــع :



1- أساس البلاغة للزمخشري.
2- الارتشاف لأبي حيـــــــان.
3- الامــالــي للقـــــالــــــــي .
4- بقية أشعار الهذلييــــــــن .
5- البحر المحيط لأبي حيان .
6- تاج العروس للزبيـــــدي .
7- التصريح لخالد الأزهري .
8- خزانة الأدب للبغـــــدادي .
9- الخصائص لابن جــنـــي .
10- ديوان الهذليين للعسكري .
11- زهر الآداب للحـــصري .
12- شرح أشعار الهذليين للعسكري.
13- شرح المفصل لابن يعيـــــش .
14- الفـائـق للـزمـخـشـــــــــــري .
15- الكتاب لسـيـبـــــــويـــــــــــه .
16- اللـســــان لابن مـنـظـــــــور.
17- مختصر الشواذ لابن خالوية .
     18- مميزات لغات العرب لحفني ناصف.
     19- المنـصـف لابن جــنـــي .
     20- النوادر في اللغة لأبي زيد الانصاري.
           
  
 
 

التعليقات
الأخوة والأخوات

نرحب بالتعليقات التي تناقش وتحلل وتضيف إلى المعلومات المطروحة عن الموضوعات التي يتم عرضها في الصحيفة، ولكن الصحيفة تحمل المشاركين كامل المسؤولية عن ما يقدمونه من أفكار وما يعرضون من معلومات أو نقد بناء عن أي موضوع. وكل ما ينشر لا يعبر عن الصحيفة ولا عن المؤسسات التي تتبع لها بأي شكل من الأشكال. ولا تقبل الألفاظ والكلمات التي تتعرض للأشخاص أو تمس بالقيم والأخلاق والآداب العامة.

الاسم
البلد
البريد الالكتروني
الرمز
اعادة كتابة الرمز
التعليق
 
   
جميع الحقوق محفوظة ٢٠١٣
By QualTech