للاطلاع على محتويات الإعلان أنقر هنا  
صحيفة دولية تهتم باللغة العربية في جميع القارّات
تصدر برعاية المجلس الدولي للغة العربية

  دعوة لجميع طلاب وطالبات الدراسات العليا            الإعلان عن بداية التسجيل في المؤتمر الدولي الثامن للّغة االعربية ( 10 –13 إبريل (نيسان) 2019م الموافق 5 – 8 شعبان 1440هـ)           عاجل جدا... لقد تغير بريد المجلس الدولي للغة العربية الإلكتروني           الموقع الخاص بالمجلس الدولي للغة العربية           الموقع الخاص بالمؤتمر الدولي للغة العربية           الباحث العربي: قاموس عربي عربي         
الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة

إشكالية علم الرموز في اللغة العربية

د. علي عمار

 

الواجــهــــــة :

مشكل الاهتمام بطبيعة اللغة الإنسانية ظاهرة رافقت ق20 بصفة خاصة. ذلك أن هذا القرن يعتبر بداية الانبثاق الألسنية الوصفية كعلم اجتماعي يحتوي على مصطلحات ومفاهيم واضحة ودقيقة. ولم ينحصر الاهتمام باللغة بالألسنيين فحسب، بل فقد تعد أهم ليشمل الفلاسفة، وعلماء السيكولوجيا  والسيسيولوجيا، والمنطق الرياضي، وحتى الفيزياء. غير أنه لا يزال المثقفون في أغلبيتهم وإلى يومنا هذا لا يفرقون بين الألسنية، أو علم اللغة الحديث، وبين فقه اللغة. و ربما سبب ذلك يعود إلى أن كلمة " فقه اللغة" كانت إلى زمن غير بعيد هي الكلمة الأساسية التي تشير إلى مجموعة الدراسات اللغوية. وعدم التفريق بين الألسنية الحديثة. وفقه اللغة.
ولم يعد اليوم هنا مبررا مقبولا بعد انتشار هذه الدراسة. لقد حدث تغيير جذري فيما يتعلق بهذه القضية، وأصبح مصطلح " الألسنية " بشكل عام ،هو المصطلح الأكثر استعمالا في أقطار العالم للدلالة على الدراسات التي تتعرض بالبحث من قريب أو من بعيد إلى قضايا اللغة. بالإضافة إلى أن كل من تعرض بالدراسات إلى اللغة، ولو بصورة سطحية أضحى يطلق على نفسه مصطلح "ألألسني". و بالتالي أضحى حال الألسنية يشبه إلى حد كبير من هذه الناحية بحالة التحليل النفسي في بداية هذا القرن. حيث أصبح كل مرب، أو كاتب في مختلف المجالات يلجأ إلى لغة فوريد بدون أن يدرك آراء وأبعاد الأسلوب الفرو يدي.               ومن ناحية أخرى فقد تأثرت الألسنية بدورها بالمنطق الرياضي  وبالبرمجة الآلية. حيث تم وضع النماذج اللغوية الشكلية المتعددة. كما تم بناء أكثر من آلة، وجهاز متطور من أجل دراسة الأصوات اللغوية. حيث ساهمت الدراسات العصبية المتطورة في أدراك الألسنية للمناطق اللغوية وتحركها في الدماغ الإنساني. نتج عن تعاون الألسنيين مع المختصين من الأطباء في المجال العصبي في ميدان ما اصطلح عليه " دراسات الأعصاب الألسنية ". من أجل تفهم الأمراض اللغوية ووسائل معالجتها. و لا بد لنا من أن نشير إلى أن القضايا اللغوية ظلت زمنا طويلا تتزحلق في دائرة الفلسفة، و السيكولوجية.
ففي ق 19 مثلا كانت هذه القضايا خاضعة للمفاهيم التاريخية، و البيولوجيا. ومن ثم للمفاهيم السيسيولوجيا، والسيكولوجيا. وذلك بعد أن شملت دراسة اللغات الإنسانية المتنوعة إلى درجة أن ألألسني "دي سوسير" الذي يعتبر مؤسس الألسنية تردد طويلا قبل أن ينظر إلى اللغة كواقع قائم بذاته، وقبل أن يعرّفها على أنها" تنظيم من الإشارات المفارقة أو المغايرة" راسما من هذا المنهج المنهجية العلمية التي انطلقت منها الألسنية لتوسع مفاهيمها، وتعززها عبر تقصي المبادئ العلمية الصرفة.

نماذج لمشكلات علم الرموز في الألسنية الحديثة :

لقد أسس العالم السويسري " فيردينا دي سوسير" (187-1913م). دعائم الألسنية بمنهجية علمية ثابتة. عندما أشار إلى أن الألسنية تتوّسل بصورة أساسية.
دراسة عمل اللغة، وليس دراسة تطورها. كما أنه يعود له الفضل في وضع علم دلالة الرموز (السيميولوجيا) ليكون علما يدرس حياة الرموز ضمن حياة المجتمع. والنص الذي بين أيدينا هو النص السوس يوري الذي طالما استشهد به: "إن اللغة عبارة عن نظام من الرموز المعبرة عن أفكار. وهي لذلك تعتبر بمثابة الكتابة، والحروف التي يكتب بها الصم البكم، والطقوس الرمزية، وصيغ المجاملة، والإشارات العسكرية الخ...". و على ذلك يمكن أن نضع علما يدرس حياة الرموز ضمن حياة المجتمع. و قد يكون جزءا من علم النفس العام. بحيث يمكن أن نطلق عليه مصطلح " السيميـولـوجيا " ( المشتـق من اللفظـة الإغـريقيـة 
( GMYETOV.            ) = رمز، إشارة، شعار). كما أن هذا العلم سيعلمنا مدى دلالة الرموز، وما  هي  القوانين  التي  تتحكم  فيها.. إن  وظيفة  الرموز  هي  نقل  وتبليغ  الأفكار  بواسطة الخطاب. وهذا يقتضي موضوعا، وشيئا ما نتحدث عنه: أي ما يدل عليه الرمز، ثم رموزا، و بالتالي طريقة (Codes). و وسيلة للتبليغ. ثم كما لو كان بديهيا مصدرا للخطاب، ومتلقيا له.
وانطلاقا من الرسم البياني المستعار من نظرية التبليغ أو (التوصيل) والتي غدت نظرية كلاسيكية، يحدد من خلالها " رومان جاكوبسون " ست وظائف لغوية صالحة في (تحليله) بجميع طرائق التبليغ:
1- الوظيفة (ج) (المرجية): وهذه تحدد العلاقات بين الخطاب والموضوع الذي يدل عليه بين (الدال والمدلول) ( Fonction Référentielle).
2- الوظيفة (أ) (التعبيرية أو الانفعالية) وهذه تحدد العلاقات بين الخطاب وصاحبه (وما يصدر عنه) (Fonction Expressive).
3- الوظيفة (س) (الاستقبالية أو الايعازية) وهذه تحدد العلاقات بين الخطاب والذي سيتقبله. ( Fonction Conative).
4- الوظيفة (ش) (الشعرية أو الجمالية) وتعني بعلاقة الخطاب وذاتيته (Fonction Poétique).
5- الوظيفة (م) (المرحلية أو صيانة الاتصال) والهدف منها تأكيد الخطاب واستمراره، وما يحدث له من خلل. (Fonction Fai que)
6- الوظيفة (و) (الما وراء اللغوية أو الميطالسانية).و غرضها هو تحديد معنى الرموز التي قد لا يفهمها المستقبل لها (Fonction Méta Linguistique) وبالتالي يصبح لدينا إذن وهي الدراسة التي تعنينا (سأعود إليها في حينها) النظائر التالية:
- مصدّر أو عدة مصدّرين ينتمي أو ينتمون إلى البيئة السامية القديمة وبعيدا عنا في الزمن (بيئة ثقافية بعيدة).
- واسطة تبليغ: أي (الكلمة المكتوبة أو الملفوظة).
- خطابا : أي الحالة التي تعنينا (الكتب السماوية المنزلة) على أهل الكتاب التوراة – الإنجيل – ألزبور – القرآن الكريم.
- معجما للرموز: لغة الحقبة الزمنية والمدروسة. مع ذهنية الشعوب التي كانت تتحدث بها. (وعلينا أن نفكك رموز هذه اللغة).
- متلقيا، أناس ذلك العهد، الذين كانوا يفهمون جيدا كل دلائل تلك اللغة. وعباراتها (الدلالات) المستعملة – ونحن أيضا أناس هذا العصر في حاجة إلى فك هذه الرموز، وما تدل عليه، لاستخراج بعض المعاني المتعددة للألفاظ التي هي موضوع دراستنا. سواء أكانت دينية أم لغوية. وسأقف عند كلمتين رمزيتين من اللغات السامية القديمة والتي معناها : اللباس. ويكاد أصل هذه اللغات يكون واحدا، ولا سيما بالنسبة إلى إحدى الكلمتين. 
     و الواقع أن كلمة " Vêtement " يعبر عنها باللغة المصرية القديمة:
بـ:             (الرمز: ( ڴb      h   ) 
وبالكل دانية:   ل – بــ - س (        Ǔ s Ǎ b Ăl) لابس.
وبالآشورية: (       A Š U B  L ).
وبالعبرية :   (        S  U B Ε L A  Μ).
وأما العربية فلا أظن أنني سأفيد كبار الأساتذة المتعمقين في هذا المجال المعقد. وإنما أبرزت الكلمتين الواردتين كثيرا في القرآن الكريم للإشارة إلى اللباس ومقارنتهما بما يماثلهما في الكتب السماوية الأخرى. وسنرى بهذه الطريقة من طرائق فك الرموز مدى ما تتصل، أو ما تتضمنه الديانات السماوية من نقاط مشتركة، ومتشابهة. ولا سيما تلك الديانات التي تدعى بحق الأديان السماوية.
سنجد في البداية فعل : لـبـس ( ل + ب + س ) فلو قرآنا هذا الفعل هكذا لـبـس – يـلـبـس، بكسر عين الكلمة في المضارع لكان معناه: خلـط – يخلط الأمر وجعله مشبها بغيره، أو حجبه – يحجبه. ولو فتحنا عين الكلمة في المضارع لكان معناه: " لـبـس " الثوب أي استتر به، و " لـبـس " فلانا أي تمتع بعشرته، ومصاحبته، وكذلك معاشرة المرأة والعيش معها.
ولو قراناه " لـبّـس " بالتضعيف لكان معناه التغطية والكساء           والستر، والتلحيم، والتدليس. ونفس المعنى نجده في كلمة " ألبـس"، و" تـلـبّـس ". وفي القرآن الكريم: اثنا عشر مثالا من هذا الفعل المبني للفاعل ولكنه فيه إلى جانب ذلك أيضا، معنى آخر مقرر في صيغة فعل بالكسر يفعل بالفتح أي اكتسى من نمط الأفعال شبه المبنية للمجهول. و" يَلْبِسُون ثِيّابًا خُضْرا " الكهف: 31.
وهناك كثير من المصادر المشتقة من هذه المادة. وسنذكر بعضها
- الغموض والالتباس : لبــــس – لبسـة.
- اللباس والثياب : لبـــس – والجمع لبـوس.
- (السجفة التي تغطي السرير أو الفراش).
- الطريقة في ارتداء الثيّاب : لبـســة.
- الذي يستر ويغطي : اللباس.
- (الذي يلبس ويرتدي هذا الثوب أو ذاك).
- ثوب ملابس : لباس، والجمع ألبسـة.
- تواضع و ورع: لبـاس التقوى
- المرأة، والزوجة (مجازا) لباس الرجل.
- من يكثر من الملابس : لبّــاس.
- ملابس و أثواب :  لبـــــوس.
- ما يلبس دائما وهو قديم : لبـيـــس.
على أن مادة ( لبـس) هي مرادفة لمادة (خلط) بمعنى (الاختلاط).
" قل هو القادر على أن.... يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض" الأنعام/65. 
" وَلاَ تُلْبِسُوا الحَقَّ بِالبَاطِلِ" البقرة/42. " ولْيُلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينُهُمْ" الأنعام/137.
أما الكلمة الثانية التي تهمنا في تحليلنا اللغوي الديني فهي مادة (ثاب – ثِيب). فالفعل (ثاب) يمكن أن يكون بمعنى العودة والرجوع، واسترجاع الصحة    و الاجتماع. وذلك إذا كان مجردا. أما إذا كان مزيدا فيمكن أن يكون معناه الجزاء والمكافأة، و الإثابة. وهو يأتي غالبا على صيغة المبني للمجهول "هلْ ثُوِّب الكُفّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُون ". المطففون/36-83.
غير أننا لا نجد في بقية صيغ هذا الفعل ما يدل على هذا معنى اللباس إلا ما يشتق منه من الأسماء مثل: ثوب – ثياب – أثوب – أثواب- ثوب العاشق – ثوب محارب – لله ثوباء؟ وثيب قد يعني ثيب بالتضعيف. تعاشر (الزوجين). و تثيبت بالتضعيف وزيادة التاء: يعني تخلي أحد الزوجين عن الآخر بعد أن تعاشرا مرة واحدة ومنه الأسماء أو الصفات التالية:
- ثيب – ثيبـة – مثيب – مثيبـة. أي الزوج الذي يترك زوجته بعد معاشرة واحدة. (والمؤنث منه يعني من ليست بكرا).
ولد الثيبين: أي الولد الذي يولد لزوجين تفرقا فور زواجهما. وهو مثابـة (عبارة يعاب بها). وهنا أنهي بحثي في فقه اللغة لأطرح السؤال التالي: ما معنى الخطاب/ الرمز الذي تعنيه الكلمات السامية بلفظة ثيــــاب أو لبـــاس؟ لقد أكد جميع المهتمين بحقل التاريخ القديم (بل الحديث أيضا). مدى الأهمية الممنوحة على الدوام للباس. إن الكلمة أو (الكلمات) التي تعني اللبـاس في البيئة السامية، قد تكون رمزا، وعلامة لأفكار عديدة (مرونة، بطلان، كذب، عائق، اتصال الخ...) إلا أنه وحتى لا أزيد الأمور تعقيدا، سأبرز الثلاثة الوظائف التالية:
1- الوظيفة (أ)
2- الوظيفة (ب)
3- الوظيفة (ج)
التي تشترك فيها الألفاظ السامية الدالة على اللباس (ولاسيما الألفاظ العربية).
إن أول خطاب رمزي نقلته إلينا كلمة الثياب السامية الأصل يعني نظير الثيـاب النفسي. فنحن نتلو في القرآن الكريم قوله تعالى : " يَأيُّهَا المُدَثِّرْ، قُمْ فَأنْذِرْ وَرَبُّك فَكَبِّرْ، وَثِيَّابَكَ فَطَهِّرْ، والرٍجْزَ فَاهْجُرْ... ".
وقد كانت تفاسير الآية الرابعة : " وَثِيَّابَكَ فَطَهِّرْ.." على شيء من التعقيد: فقد فسرت تفسيرا نفسيا بصورة عامة.
- ثيابك : قلبك.
- ثيابك : ذاتك.
- ثيابك : أعمالك أو ( أفعالك).
وهناك حديث قدسي بهذا المعنى يقول عليه الصلاة والسلام: "إِنَّ المَيِّتَ
لَيُبْعَثُ فِي ثِيَابِهِ الَّتِي يَمُوتُ فِيهَا.." ويفسر هذا الحديث على العموم بما يلي: إن الإنسان يبعث على هيئته النفسية التي يموت عليها.
وهكذا تكون كلمة ثيـاب بمعنى النفس. وربما وجدنا أحسن التفسير في
الفقرة التالية من كتاب " أَيُّهَا الوَلَدُ " للغزالي: " أيها الولد اجعل الهمة في الروح   والهزيمة في النفس، والموت في البدن، لأن منزلك القبر، وأهل المقابر ينتظرونك في كل لحظة متى تصل إليهم، إياك.. إياك أن تصل إليهم بلا زاد... "
كما أننا نجد بعض النصوص العربية في المعالم العربية، والسامية الأخرى (بصدد الثوب النفسي دائما) في أسطورة أوقحات
ترتدي (هي) ثوب الـــذكــــر      
تأخذ (هي) خنجرا في غمـــد.
ترتدي (هي) أيضا ثياب امرأة.
كما أننا نجدها أيضا بنفس المعنى في بعض صفحات توراة العهد القديم (التوراة و الزبور). وفي العهد الجديد (الإنجيل).
- قال يعقوب لأهله وسائر من معه: " أزيلوا الآلهة الغريبة التي بينكم وتطهروا و أبدلوا ثيابكم " سفر التكوين 2/35
- وقال داود لأيوب ولجميع الشعب الذين معه: " مزقوا ثيابكم، و تنظفوا بالسان     ونوحوا أمام البير، ومشي داود الملك وراء النعش..." سفر الملوك الثاني /31/03.
ونصادف في مكان آخر النظير الرمزي للباس الذي هو المرأة، ومرة أخرى نجد نقطة الانطلاق في نص هام من القرآن الكريم: "أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيّامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ، وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ..." البقرة/183.
وفي هذه الحالة نجد أنفسنا أمام الوظيفة الثانية العاطفية، أو الانفعالية للخطاب الرمزي، وإنها لطريقة انفعالية، أو عاطفية حقا أن تقارن المرأة خاصة باللباس.
ونفس الموضوع نجده في الأدب البابلي : " وقـد كان إثما كبيرا أن يسرق 
لباس القريب ..." (    A LBASU    (                 . و كلمة اللباس هنا تعني المرأة.وفي
الأدب الآشوري عبارات مماثلة (   LBUSA        )  أي لباس زوجته.
وإننا لوا جدونا نفس القيم الرمزية في الأدب العربي لفترة ما قبل القرآن الكريم وما بعده لبس امرأته... أي استمتع بها. ثيب (المرأة) اللابسة، أي التي لم تعد بكرا. والذي يلاحظ هنا هو أن اللباس لا يعني المرأة مباشرة، بل يعمد إلى جزء من اللباس ليطلق على المرأة على سبيل الكتابة.
بعد ذلك ندخل في الوظيفة الثالثة التي نود تحليلها (اللباس = الليل = الظلمات، وقياسا على الخفاء، الخيال، الحيرة، والتردد، والخوف. وبذلك يمكننا أن ندخل في قيمة الوظيفة الرمزية الرابعة ( [ الشعرية] )، أي العلاقة بين الخطاب (الرسالة) وذاته. وهي وظيفة جمالية أنشأها الأدب والفن.
وفي مثالنا هذا: (الأدب المقدس) بوصفه خطابا وموضوعا في ذات الوقت فهي لا تتجاوز العلامات المباشرة التي تستند إليها، وتحمل دلالتها الخاصة. فترجع بذلك إلى رمزية خاصة هي النمنمة، أو الزخرفة. وثبات الدال والترميز والكتب السماوية من حيث مبناها المادي غنية بهذا الترميز. وسنعرض عليكم بعضها تاركين لقرائنا الكرام حرية تذوقها، والحكم لها أو عليها. والمعطيات القرآنية حافلة في هذا الموضوع. قال تعالى : " وَهُوَ اللهُ الِّذِي جَعَلَ لَكُمْ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا،  وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُوزًا.." الفرقان /25-47. 
وقال تعالى : " وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا.." النبأ / 78-10.
وقال تعالى : " وَلاَ تُلْبِسُوا الحَقَّ بِالبَاطِلِ، وَتَكْتُمُوا الحَقَّ وأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ.."البقرة 20/42.
وقال تعالى : " ألا حِينَ يَسْتَغْشَوْنَ ثِيَّابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُوِر.." هود 11/5.
وقال تعالى : "فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الجُوعِ وَالخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ" النحل: 16/112. ونفس القيم الرمزية نجدها في المقاطع التالية من التوراة (العهد القديم السامي).
أما العهد الجديد فهو حافل بالتعابير اليونانية.
- " لتكن عليه كثوب يكتسبه، وكمنطقة ينطق بها في كل حين" المزمور 102/19.
- " ويلبس اللعنة كقميص له، وتدخل في أحشائه كالماء، وفي عظامه كالزيت "  
     المزمور108/18. 
وفي الأدب الآشوري أمثلة كثيرة من ذلك تعبر عن نفس الفكرة.
( لــقـد لبــست لبــاس الخــــوف ).
( وألبسهم لباس الخوف )
( والتحفت بالمقاومة، ولبست ثياب الرعب ).
ومن المفيد جدا في أي دراسة مقارنة افقه اللغة الدينية أن نلاحظ وجود سلسلة من الكلمات الأساسية التي تكاد تتعلق دائما بنفس المعنى، أي أن الإلوهية لا تتغير بحال من الأحوال، وفي البيئة السامية نلاحظ انتقال الأفكار، بل والتعابير الصالحة عقب عملية فك الرموز بواسطة الوظيفة السادسة ( ألما وراء اللغوية ).
والاعتقاد السائد هو أن ذلك قد يكون مفيدا لفهم أفكارنا المتبادلة، أفكار قد تكون لها أصل مشترك (في مجال فقه اللغة على الأقل) والرسالة الرمزية الرابعة للثياب في اللغات السامية هي السلطة باعتبار اللباس = السلطة.
ولنأخذ أولا تاريخ الشعوب العربية القديم فماذا نجد؟
تجد أن الخليفة " يرتدي " رداء السلطة. وعندما تنتهي إمامته يخلع رداءه. ولدينا كلمات كثيرة في هذا المعنى:ارْتَدَى – اجتبى – لبــس. ونحن نعلم فيما يتعلق بالقرآن الكريم، وبحياة محمد صلى الله عليه وسلم. أن بردة الرسول عليه السلام كانت شعار الخلافة. 
كما نعثر على آثار لاستعمال كلمة "لباس" عند البابليين ومنها :
(           ALbAsusabus    (                                                                          
- لباس ربو بيته (   Malbusasus   (  = السلطة = أو القدرة.
ويمكننا أن ندخل ميدانا على جانب من الأهمية بمكان ميدانا نختم به هذا العمل. وأعني به اللباس = القدسية.
وقد طلب معاوية قبل أن توافيه المنية بأن يكسي ببردة النبي صلى الله عليه وسلم. وكأنه بذلك يرجو شفاعة النبي صل الله عليه وسلم عند الله تعالى.
كما كان الخليفة المقتدر يضع على كتفيه، وصدره، وفوق ظهره بردة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وعندما خفّض الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه من جزية زوجة النبي صلى الله عليه وسلم السيدة عائشة أم المؤمنين، توجهت هذه الأخيرة إلى المسجد وصاحت بقوة وهي تقول: " أيها المؤمنون : هذا رداء النبي، لم يتغير ولكن عثمان غير سنة صاحبه.. " كما يعد التمسح بثياب مشايخ الطرفية لدى بعض الطرفيين بمثابة الحصول إما على القداسـة، وإما على سلامة الجسـد وشفائه إذا كان مريضا. كما جرت العادة قديما بين البدو حين يداهمهم الخطر، أن يمسك الخائف برداء الرجل متوسلا ضارعا وهو يقول : " جبت لك جاه ربّي "
 " أنا تراب تحت رجليك ". ومما ورد كذلك من نصوص الإنجيل: " أن المسيح عليه السلام كان محاطا بأناس يريدون لمس ذيل ردائه. وكانت امرأة مصابة بنزيف منذ اثني عشر عاما... فلما سمعن الناس يتحدثون عن عيسى عليه السلام وهو قادم خلفها لمست رداءه لأنها كانت تقول في نفسها:" لو لمست ثيابه على الأقل لشفيت.. "! 
وهنا يتسم باسم خاص له هو : ق + د + س الذي يطابقه في اليونانية لفظ (أغيوث)، وفي اللاتينية لفظتا (Sanctus – Sacher). ومن المؤكد أن هذه الكلمات تتضمن في اللغات الثلاث الخير المطلق.
إذا ما أخذناها في أسمى درجات نموها، ونضجها، وحينئذ نترجمها بكلمة (مقدس  Sacré).
هذا إذا آخر درجات السلم النفسي التي نصل إليها: فالكلمات التي تدل على اللباس بالنسبة إلى الشعوب لا سيما أهل الكتاب. وقبل ذلك في أقطار الشعوب السامية. فقد كانت محملة بمدلول ديني راسخ كما لو كانت " حاملة لقيم ربانية ".
ومن المهم جدا تأكيد هذا التعادل الرمزي اللغوي كما سبق وأن وضحنا في مقدمة بحثنا هذا. ذلك أنه من السهل علينا أن نصل بفضل التاريخ المقارن للغات 
و الدلالات إلى نتيجة عامة مفادها: " إن الفكر كان هو المسيطر دائما على المادة لدى شعوبنا السامية. وقد مُنِحْنا دائما مبادئ الدين التي توجد بيننا كإخوة أهمية كبيرة ولائقة. كما أنه بإمكاننا أن نواصل في دراسة، وتحليل النظائر الرمزية اللغوية في موضوع اللباس. ولكن نرفض دراسات، أو بحوث في هذا المجال. على أنه أضحى من اللائق أن نذكر بعض المواضيع باعتبارها سبيلا تمهيديا للبحث الفيل ولوجي : أي دراسة الظواهر اللغوية في نفس الموضوع. وبعد ذلك نعمد إلى استخلاص نتائج: (لبست بالضرورة نتائج قطعية يقينية، بل كتوقعات، أو فرضيات للعمل إذا شئتم). ومن بين النظائر الرمزية اللغوية في اللغات السامية لكلمات لبـاس: نذكر على سبيل المثال لا الحصر:
- الامتثال والطاعة – الحياء – الطهر – مخافة الله تعالى.
- الحماية والغفران – الشفاء والتستر.
- الابتعاد عن رؤى العيـن الحاسـدة الخ...
وخلاصة بحثنا هذا هو أنه لا بد من استخلاص بعض النتائج الصالحة التي يمكنها أن تفيدنا في دراستنا حول القيم الدينية، وبصفة خاصة تلك المتعلقة بكتبنا السماوية : التوراة – ألزبور- الإنجيل – القرآن الكريم- ذلك أن نتائج خلاصة دراستنا هذه تنحصر في نقاط أربعة نوجزها فيما يلي :
1- عن طريق فقه اللغة المقارن (أعطيت مثالا واحد فقط).
يمكننا من استخلاص حقيقة وصدق كتبنا السماوية التي نقلها إليها اللغويون برموز متساوية تقريبا. وفي.
2- أننا نجد أنفسنا أمام رموز (نصوص) الثقافة بعيدة عنا في الزمان، وفي طريقة التعبير. ومن واجبنا نحن الباحثين أن نترك في أعمالنا ذلك الشعور بهذه المسافة المزدوجة الفاصلة. وذلك بتحري الصدق والأمانة في إيرادها.لا فكرة المبلغ (النبي أو الأنبياء) فحسب.بل وذهنيه أيضا. أما في المجال النوعي (كالمجال الديني)، أو في مجال أقل نوعية (كالمجال اللغوي ومجال الفن الشعبي لتلك العصور).  
3- الالتزام الكيد بالمحافظة الأمنية على المعطى الأساسي للرسالة الرمزية. لكن ليس هناك ما يمنع من إعطاء تفسير عصري لبعض الموضوعات (في صورة تعليق). أو(ضمن النص) التي قد لا يفهمها المتلقون لها اليوم.
4- علينا إن نتذكر بأن كل ترجمة لنصوص أو رموز قديمة تمثل مقابلة أو مواجهة لا مفر منها بين ثقافتين. لذلك لا بد من العمل وبدراية وانتباه حتى لا ننزلق بالمعنى الأصلي للفكرة الأساسية. ولاسيما إذا كانت فكرة دينية – أن ما نردده من أن " المترجم خائن " ما يزال صادقا إلى اليوم. أي أن (الترجمة تحريف). وخير لنا أن نضحي ببعض التوضيحات اللغوية من أن نحرف كلمة الله تعالى التي بلغنا إياها الأنبياء.


المـــــــراجــــــــــــع



1ـ القــرآن الكــريـــــــم.
2ـ دي سوسير.ف – دروس في علم اللغة العام – تقديم وترجمة وتعليق. دي توليك – 3ـ دي مورو – ص.25/26 – 1974 -  باري.
4ـ بويسـانس – اللغات في الكلام – بحث في علم اللغة الوظيفي في إطار السيميولوجيا – 1943 – بروكــــسل.
5ـ جيرو – ب . السيميولوجيا – ص.09 إلى 13 – الفصل I – الوظائف والوسائط – 1973 – باريس.
6ـ فآرينا. ج . القواعد النحوية للغة المصرية القديمة – 1927م.
7ـ شويمي . م – الفعل في القرآن – 1916 – باريــــس.
8ـ التوراة – الترجمة العربية – ط / بيــروت – 1951م.
9ـ غابر بالي – ترجمة قصيدة لبردى للبوصيري – ط.II- 1972 – روما.
10ـ المسعودي – ملابس الشعوب السامية – ص 61/204 – باريـــس.
11ـ بلاسيـوس .ل – القواعد النحوية للغة الآشورية – 1971 – روما.
12ـ ويليام جيمس – اليكولوجيا – ص292 – المجلد I – 1929 نيويورك.
13ـ أنجيل القدس – المقدس – 1955 – باريــــس.
14ـ انكليز. ك – تاريخ بابل و آشور – ص 164 وما بعدها -1965- لندن.
15ـ الطبري – ج/II – ص 201.
16ـ شاتيلييه – الطريقة الإسلامية – ص 336-1930 – باريس.
17ـ برتون. ش- ألف ليلة وليلة – التعليق 61-9440 لندن.
18ـ إنجيل مرقص – 5- 28.(مترجم إلى العربية).
19ـ لكليرك. هـ - " برانديوم " في معجم علم الآثار المسيحية والطقوس- المجموعة 1132/1138 – 1907 – باريــس.

 

التعليقات
الأخوة والأخوات

نرحب بالتعليقات التي تناقش وتحلل وتضيف إلى المعلومات المطروحة عن الموضوعات التي يتم عرضها في الصحيفة، ولكن الصحيفة تحمل المشاركين كامل المسؤولية عن ما يقدمونه من أفكار وما يعرضون من معلومات أو نقد بناء عن أي موضوع. وكل ما ينشر لا يعبر عن الصحيفة ولا عن المؤسسات التي تتبع لها بأي شكل من الأشكال. ولا تقبل الألفاظ والكلمات التي تتعرض للأشخاص أو تمس بالقيم والأخلاق والآداب العامة.

الاسم
البلد
البريد الالكتروني
الرمز
اعادة كتابة الرمز
التعليق
 
   
جميع الحقوق محفوظة ٢٠١٣
By QualTech