للاطلاع على محتويات الإعلان أنقر هنا  
صحيفة دولية تهتم باللغة العربية في جميع القارّات
تصدر برعاية المجلس الدولي للغة العربية

  دعوة لجميع طلاب وطالبات الدراسات العليا            الإعلان عن بداية التسجيل في المؤتمر الدولي الثامن للّغة االعربية ( 10 –13 إبريل (نيسان) 2019م الموافق 5 – 8 شعبان 1440هـ)           عاجل جدا... لقد تغير بريد المجلس الدولي للغة العربية الإلكتروني           الموقع الخاص بالمجلس الدولي للغة العربية           الموقع الخاص بالمؤتمر الدولي للغة العربية           الباحث العربي: قاموس عربي عربي         
الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة

لا حنين في هذا النص

أ. رشا الأطرش

 

أظن أني كنت في الصف الابتدائي الثالث، عندما أرسل مدير المدرسة في طلب وليّ أمري. كان الاستدعاء مفاجأة، لي ولأبي، إذ لطالما كنتُ التلميذة العاقلة والشاطرة (ربما أكثر مما أرغب في تذكّره)، فما عساها تكون شكوى المدير؟ دخل أبي مكتب الأستاذ نصر، وانتظرتُه في مكتب السكرتيرة، قلقة، مُقلّبة الاحتمالات في رأسي. وما هي إلا دقائق، حتى خرج أبي ضاحكاً. غمرَتني عيناه بنظرة حب واستغراب لا أنساها، وسألني: ما قصة الرسالة إلى معلّمة العربي؟

كنت متفوقة في المواد كلها، لكن ولعي باللغة العربية كان استثنائياً، في حين كابد زملائي في المدرسة التي تعتمد منهجاً أميركياً، مشقات الإملاء والقراءة، بتبرّم المُجبَر المُعاقَب. وكنت ألتهم قصص ومجلات الأطفال بالعربية، إلى درجة أن ما اشتراه لي أهلي ما عاد يكفيني، فصرتُ أختصر وجبة الغداء في السندويش، مُستغنيةً عن العصير الذي أوفّر ثمنه من مصروفي حتى أشتري كتباً بالعربية من بائع "بسطة" قرب بوابة المدرسة. أما ساعة "الإنشاء"، التي تذمّر منها الجميع، فكانت بالنسبة إلي ساعة حرّة لمتعتي الخالصة، لأفكّر وأتخيّل وألعب بالكلمات، لأستعرض عضلاتي وأتفنن بزخرفات الفصحى. وذات يوم، ولشدة ما بدت مادة "العربي" سهلة عليّ، تملّكتني فكرة أن مدرستي تطبّق منهجاً "خفيفاً" للغة العربية التي لا تبدو مهتمة بها قدرَ اهتمامها بالإنكليزية والحساب والعلوم. وشعرتُ بشيء من الغضب، وقررت أن أتصرّف: كتبتُ رسالة موجهة إلى الإدارة، مُعلنةً استيائي من "ضعف اللغة العربية" في مناهجنا، وتقريباً مُوبِّخةً المسؤولين على هذا التقصير اتجاه لغتنا الأم، ومُظهرةً تأثري بمجلات الأطفال ذات التوجه العروبي رغم نشأتي في بيت غير مُسيَّس. لأختتم رسالتي التي وضعتُها على طاولة المعلّمة لحظة استدارتها لتكتب شيئاً على اللوح: "نحن عرب.. وهذه لغة المليون شهيد"! 

لذا، تمنّى المدير على أبي، إن كانت لديه ملاحظات على المدرسة والمنهج، أن يتحدث فيها مباشرة مع الإدارة. وذلك قبل أن تنجلي حقيقة فِعلتي من رأسي، وينتهي لقاؤهما بالضحك.

ثم كبرتُ، مُستنفدةً أطواري الإيديولوجية المتلاحقة مع هرمونات النمو، ليبقى حبي للعربية مصفّىً، حبّاً لذاتها .. إلى أن قادتني الحياة إلى فرنسا التي لا أتقن من لغتها إلا ما يَسَّرَ شؤون اليوميات والإدارات الرسمية وبعض القراءات البسيطة. وهنا، برزت أسئلة جديدة. أسئلة ليس في خلفيتها شيء من الحنين، ولا مِن الخشية على "الهوية" بما هي انتماء إلى جماعة أياً كان اسمها (لبنان، سوريا، المشرق، العالم العربي). بل إن الأسئلة التي خِلتُ، للحظة، أن محورها العربية، لغتي العربية، اتّسعت بسرعة لتشمل أنغلوفونيتي التي ضَبطتُّ نفسي وأنا "أتعصّب لها" في أرض الفرانكوفونية، وألتفتُ بحنوّ كلما سمعتُ حواراً بالانكليزية في الشارع أو في المترو، تماماً كما ألتفتُ تلقائياً إلى مصدر لهجة لبنانية أو سورية. فعندما اشترينا جهاز التلفزيون، لم أطِق بقاء "الإعدادات" يوماً واحداً بالفرنسية، رغم أن المصطلحات والتسميات كلها مفهومة بالنسبة إلي، وأمضيت وزوجي أكثر من ساعة للتوصل إلى جعلها بالإنكليزية. هذه بالانكليزية حصراً، ولا لغة ممكنة لها غيرها، قلتُ لمازن، التكنولوجيا بالانكليزية، الكومبيوتر والموبايل والتلفزيون، لا بالعربية ولا بالفرنسية! 

ولما اضطررتُ إلى كتابة رسالة رسمية بالفرنسية، فكّرتُ أنه من الإفضل تنزيل تطبيق اللغة الفرنسية في الكومبيوتر للاستفادة من المُصحِّح الأوتوماتيكي، أسوة بالعربية والإنكليزية الموجودَين في جهازي، لأفاجأ بأن الحروف – المفترض أنها مطابقة للحروف الإنكليزية – صارت أمكنتها مختلفة في لوحة المفاتيح، ناهيك عن العلامات اللازمة مع الكثير الحروف (accent, chapeau,…)، وصار عليّ تعلّم الطباعة من الصفر تقريباً. أرفض. سأطبع الرسالة بالفرنسية، مستخدمةً تطبيق الانكليزية، ولو اصطبغ النصّ كله باللون الأحمر إذ اعتبره جهازي انكليزية مغلوطة، والله الغني عن الـaccents!

وبأثر من تلك التحديات وسواها، خضتُ نقاشات مع عدد من الأصدقاء. منهم المستقرون في تركيا، وقد شاطروني إرباكي الألسنيّ، وشاركوني طرائفهم جاعلين العقدة مناسبة للتفكير المَرِح. ومنهم الباقون في لبنان، وقد تلمّسوا في كلامي ميلاً – ولو غير مقصود – إلى تكريس عولمة بنكهة الهيمنة الأميركية، لافتين إلى "حق الفرنسيين"، الذين يمتلكون صناعة مزدهرة، وماركاتهم الوطنية من التلفزيونات والغسالات والسيارات ومنتجات المعلوماتية.. في جعل إعداداتها بلغتهم. ومنهم وافقني، وهو فرانكوفوني النشأة والتعليم في لبنان، وتخصص في هندسة الكومبيوتر في الجامعة الأميركية، لافتاً مثلاً إلى أن مصطلحاً من نوع machine learning لا بد سيكون مضحكاً بالفرنسية. وإن كانت الجدليات كلها ممتعة، ومُثرية ذهنياً وثقافياً، فإن لبّ الموضوع يبقى ملغزاً. فالمسألة ليست في "حق المصنّعين الفرنسيين" الذي لا فِصال فيه، وإنما في احتمال تبنّيه كواجب على مستخدمي المنتجات الفرنسية. ولا هي في الصواب السياسي، ربطاً بخصوصيات الشعوب والثقافات. ولا حتى في ما هو عَمَليّ أو سهل التطبيق. ثمة قضية فردية ههنا. قضية، لأنها ليست مشخصنة، بل تعني أفراداً كثر، كل على حدة.. ومعاً. 

هو الإحساس بالعود على البدء. بضرورة إعادة تدعيم الحجارة الأساس لعمارة حياة كاملة، بلغة جديدة. تحدٍّ يستحق تأملاً في فرعياته. التعلّم، بعد حين، مغامرة. والمغامرات، بطبيعتها، مخيفة ومثيرة، ممتِعة ومنهِكة، مُرضِية ومُقلِقة. 

وهذا الإحساس لا صلة له بتاتاً بالكانتونات الخطيرة التي قد تغلقها على نفسها جالياتٌ من المهاجرين العرب والمسلمين والآسيويين وغيرهم، فتعيق اندماجهم في مجتمعاتهم الأوروبية الجديدة، وربما تغذي في بعضهم انعزالية وتطرفاً، أو تجمّدهم في ما هم عليه بحيث يسبقهم تطوراً أهلُهم الذين ودّعوهم في أوطانهم. وهو مختلف تماماً أيضاً عن الحنين، واجترار الذاكرة، وتلك المساحة المريحة لمَن تُطمئنهم تعريفاتهم لأنفسهم، تبسيطاً واختزالاً: لبناني، عربي، مسلم،.. أو حتى مثليّ/ة الجنس، نسوية، علماني، مناضلة... فالهوية محدَّدَة العناصر، علبة ضيّقة، مهما اتّسعت. 

ما زالت ترنّ في أذني كلمة صديقة سورية في باريس: "كأني معوّقة"، هكذا وصفت شعورها كلما انخرطت في حديث بالفرنسية، رغم أنها لم تأل جهداً في تعلّم اللغة والتقدّم فيها على مدى سنوات، حتى باتت تتقنها إلى حد مكَّنها من متابعة دراستها العليا في الجامعة. تقول إنها ما زالت تشعر بأن هناك دائماً ما لا تقوله لسامعها بالفرنسية، رغم أنها تجيد قوله بلغتها الجديدة. لكنها، ببساطة، لا تفعل. ومن هنا إحساسها بـ"إعاقة" البوح والسرد، وإلقاء نكتة غالباً ما تنال الترجمة من طرافتها، أو حتى إطلاق عتبٍ أو غضب لا يستوفي شُحنته... باختصار: "إعاقة" تلقائية التعبير بسُرعة مكافِئة لسرعة التفكير والشعور. والمعضلة ليست في الفرنسية، بل في أي لغة لم نتعلّمها منذ الصغر.

ويبقى الأولاد. أفكّر أني أريد الاحتفاظ بتلك التلقائية في الكلام مع ابني وهو يكبر. أريده قريباً من هذه "الأنا"، كأمّه وصديقته، وأن تتقاطع "أناي" مع "أناته" بما يفوق رابطة الدم. أريده أن يقرأ ما كتبتُ وأكتب، ويفهمه، فيحبه أو يسخر منه ما شاء. أن نتناقش ونختلف ونتّفق ونفضفض، أن نتخاصم ونتعانق، ويُربّي واحدنا الآخر بلغة أليفة، مكنونة، كاملة من قبل التفوّه بكلماتها، وفي الاتجاهين. كذلك الأمر مع أبيه. أريده أن يدرك لماذا صرت أحب فيروز الموشحات والقصائد، أكثر من فيروز "نسّم علينا الهوى"، ولماذا لا تستهويني أم كلثوم وتذهلني أسمهان، ولماذا يطرب أبوه لقصائد "بينك فلويد" بقدر موسيقاهم، ولماذا طبَعنا أبيات محمود درويش في بطاقات الدعوة لزفافنا، ولماذا توقفتُ عن قراءة معظم ترجمات الكتب إلى العربية إن استطعتُ حيازتها بالانكليزية... وربما نضحك معاً على قفشات المسلسلات والرسوم المتحركة البريطانية، إن ظلّ يرغب في مشاهدتها برفقتي. وأريد أن أفهم، بالضبط، لماذا يحب ما سيحب من الأغاني والكتب والبرامج التلفزيونية الفرنسية.

في خلال أسابيع، ألتحق بدروس تقوية لغتي الثالثة، كحاجة وضرورة أولاً، وكرغبة عاشراً. "أنا"، بكل ما تحمله مما هو مذكور أعلاه، متحمسة، مستعدة لجماليات إضافية، ومُثقَلة بما أُتقنه، وكل ما اعتَدتُه وسَكنتُ إليه. "أنا" وطني المُقبل على توسّع. و"هو"، ابني، وطنه الذي يكوّن نفسه.
 

المدن

التعليقات
الأخوة والأخوات

نرحب بالتعليقات التي تناقش وتحلل وتضيف إلى المعلومات المطروحة عن الموضوعات التي يتم عرضها في الصحيفة، ولكن الصحيفة تحمل المشاركين كامل المسؤولية عن ما يقدمونه من أفكار وما يعرضون من معلومات أو نقد بناء عن أي موضوع. وكل ما ينشر لا يعبر عن الصحيفة ولا عن المؤسسات التي تتبع لها بأي شكل من الأشكال. ولا تقبل الألفاظ والكلمات التي تتعرض للأشخاص أو تمس بالقيم والأخلاق والآداب العامة.

الاسم
البلد
البريد الالكتروني
الرمز
اعادة كتابة الرمز
التعليق
 
   
جميع الحقوق محفوظة ٢٠١٣
By QualTech