للاطلاع على محتويات الإعلان أنقر هنا  
صحيفة دولية تهتم باللغة العربية في جميع القارّات
تصدر برعاية المجلس الدولي للغة العربية

  موقع الجمعية الدولية لأقسام العربية           الموقع الجديد الخاص بالمؤتمر الدولي للغة العربية           الباحث العربي: قاموس عربي عربي         
الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة

حركة الترجمة في التراث العربي

د. محمد سعيد حسب النبي

 

إن المتتبع لحركة الفنون الكتابية في التراث العربي سيلحظ أنها تطورت بشكل ملحوظ، ولاسيما بعد تعريب عدد كبير من الشعوب، وامتزاج الموالي بالعرب، وترجمة علوم الأمم الأخرى، وكان للترجمات أهميتها البالغة، فقد اعتمد عليها المؤلفون، واستمدوا منها روافد أمدت ثقافتهم، وكان الجاحظ –كما ظهر في مؤلفاته- قد عوّل على ترجمات النقلة من الفارسية واليونانية والهندية.

ولقد أشار محمد يونس عبدالعال في كتابه في النثر العربي إلى أن الترجمات قد بدأت منذ القرن الأول الهجري، ومن شواهد ذلك ما ذكره بعض المصنفين عن خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، وأنه أول من ترجم له كتب الطب والنجوم والكيمياء، وكان له عدة كتب ورسائل. وقد قال ابن النديم: إنه رأى منها كتاب الحرارات، وكتاب الصحيفة الكبير وكتاب الصحيفة الصغير، وكتاب وصيته إلى ابنه في الصنعة، ونحو خمسمائة ورقة تتضمن أشعاراً في معاني تلك العلوم. ومن الواضح أن مؤلفات خالد بن يزيد كانت متأثرة بما عرفه من الترجمات إلى اللغة العربية.
وتبدو الإشارات والأخبار مؤكدة هذا الدور المبكر في الترجمة والنقل، من ذلك ما ذكره المسعودي من أنه رأى سنة 303 ه كتاباً بإصطخر، نقل من الفارسية إلى العربية سنة 113ه في أثناء خلافة هشام بن عبد الملك الخليفة الأموي، يتضمن علوماً كثيرة من علوم الفرس وأخبار ملوكهم وأبنيتهم وسياستهم، مما لم يوجد في كتب أخرى مثل: "خداي ناماه"، و"آيين ناماه"، و"كهناماه".
ومن الأخبار المروية ذات الدلالة على الاهتمام بالمعارف والثقافات غير العربية أن أبا العلاء سالم مولى هشام وكاتبه نقل من رسائل أرسطوطاليس إلى الإسكندر، وأن عبدالحميد الكاتب اقتدر على معرفة ما عند الفرس فاستطاع أن يصطفي من أمثلتهم وطرقهم وصورهم المختلفة في أنواع الكتابة وأشكالها، ما رآه مناسباً، فحولها إلى اللسان العربي، ورسمها لمن بعده. وقد ترجم صديقه ابن المقفع عن الفارسية أشهر ما فيها من أدب أخلاقي، مثل كتاب "خداي نامه" أو السير الفارسية وكتاب "آيين نامه" عن عادات الفرس، وكتاب "مزدك" وهو زعيم إحدى الفرق المجوسية، وكتاب الكيكيين، والتاج في سيرة أنوشروان، وكتاب حياة برزويه، ورسالة تنسر. وترجم ثلاثة كتب لأرسطو هي: "كتاغورياس" أو المقولات، و"باري أرميناس" أو العبارة، و"أنالوطيقا" أو تحليل القياس، وترجم أيضاً لفورفوريوس الصوري كتاب "إيساغوجي" أو المنطق.
ومن المعلوم تاريخياً أن حركة الترجمة قد بلغت ذروتها في عصر الخليفة المأمون، وكان من المألوف أن يقع مترجمان أو أكثر على أثر واحد؛ فيترجمه كل منهم إلى العربية، ومن أمثلة ذلك -كما أشار عبدالعال في كتابه- كتاب "النواميس" لأفلاطون، ترجمه حنين بن إسحاق ثم ترجمه يحيى بن عدي، وكتاب "طيماوس" لأفلاطون أيضاً، نقله ابن البطريق مرة، ونقله حنين بن إسحاق مرة أخرى، أو يقال: إن حنيناً أصلح ما أخطأ فيه ابن البطريق من نقله، وكتاب "الطوبيقا" لأرسطو نقله إسحاق إلى العربية، كما نقله يحيى بن عدي، ونقل الدمشقي منه سبع مقالات، وكتاب "الشِعر" لأرسطو نقله أبو بشر متّى كما نقله يحيى بن عدي.
ويشير عبدالعال إلى أن الباحثين تواجههم تساؤلات كثيرة عن حركة الترجمة في القرون الأولى الإسلامية، وأسماء الكتب التي ترجمت عن الفرس واليونان وغيرهما وطبيعة هذه الكتب وما حملته من مضامين، والطرق التي استغل بها المسلمون تلك الثقافات غير العربية، والتي يمكن أن نجد بعض مظاهرها أو ملامح منها في الشعر والأمثال والحكم النثرية والخرافات، وكذلك قصص السمر الأجنبية التي احتلت مكاناً بارزاً في الأدب العربي بما ترجم أو نقل من قصص الهند والفرس، مع ما بدا من ضيق بعضهم به وسخريتهم منه. 
وكانت الكتابات السياسية ضرورية للحكام والكتاب، ولذا اهتموا بترجمة الفكر السياسي، وما يطق عليه مرايا الأمراء، ووضحت الاقتباسات كما أشار بعض الباحثين من الترجمات عن الفرس والروم، وذلك فيما يتصل بالرسائل الديوانية وعهود الملوك والوزراء ووصاياهم وتوقيعاتهم، وأيضاً في الرسائل الأدبية ذات الموضوعات المحددة.
وقد ترجم العرب عن الأمم الأخرى علوماً مختلفة احتاجوا إليها كالطب والهندسة وغيرهما، كما ترجموا كتباً في الفلسفة والمنطق لضرورة دينية وليتعرفوا أساليب التفكير عند غير المسلمين، وليردوا على أصحاب الديانات والنحل والأخرى، وقد تأثر المتكلمون المسلمون في مناظرتهم بما كان في التراث الفلسفي اليوناني من جدال وحوار، وبخاصة في المسائل الفلسفية الخالصة. 
ومن أشهر المواد التي ترجمت من الفكر الفلسفي اليوناني عدة مقالات عن أرسطوطاليس وكتاب "المجسطي" لبطليموس في الفلك، وكتاب إقليدس في الهندسة. ولكن العرب لم يترجموا "الإلياذة" لهوميروس ولا "إنياد" فرجيل، ولا مسرحيات سوفوكليس، ولعل من أسباب ذلك -كما يرى عبد العال في كتابه- أنهم لم يتذوقوها ولم يحسوا بالرغبة في الآداب والأساطير والمسرحيات اليونانية والرومانية، بما حملته من طوابع قومية خاصة بالبيئات التي نبتت فيها؛ والذوق يختلف من أمة إلى أخرى كما هو معلوم.
ومن الملحوظ أن المترجمين أو النقلة كابن المقفع، وحنين بن إسحاق، وقسطا بن لوقا، وابن ماسويه، وابن البطريق، وابن نوبخت، وغيرهم، لم يحرصوا على أن يدونوا مذاهبهم في الترجمة والأساليب التي يسيرون وفقاً لها عند نقل الآثار المكتوبة من لغاتها الأجنبية إلى اللغة العربية.
وكان الجاحظ من أوائل من تحدثوا عن الترجمة، في إشارات سريعة مبعثرة في ثنايات مؤلفاته، يقول محمد عبدالغني مؤلف كتاب "فن الترجمة في الأدب العربي": "يرى الجاحظ أن كتب الهند قد نقلت إلى العربية، وحكمة اليونان قد ترجمت، وآداب الفرس قد حولت إلى لساننا، فازداد بعضها حسناً بالترجمة، وأربى على أصله الذي ترجمت عنه، وبعضها لم ينتقص من الحسن شيئاً. أما حكمة العرب وهي الشعر، فلو حولت إلى لغة أخرى لبطل المعجز الذي هو الوزن، مع أنهم لو حولوها لم يجدوا في معانيها شيئاً لم تذكره العجم في كتبهم"
والشعر عند الجاحظ يعسر ترجمته، ولا يجوز عليه النقل، ومتى حُوّل تقطع نظمه، وذهب حسنه وسقط منه موضع التعجب، والترجمان لا يؤدي أبداً ما قال الحكيم على خصائص معانيه وحقائق مذاهبه ودقائق اختصاراته، وخفيات حدوده. وتساءل الجاحظ –كما أشار عبدالعال في كتابه-: متى كان ابن البطريق وابن ناعمة الحمصي، وابن فهر، وابن المقفع وغيرهم مثل أرسطوطاليس، ومتى كان خالد بن يزيد بن معاوية وهو من أوائل النقلة والمترجمين العرب في الإسلام مثل أفلاطون.
ومما ينبغي في الترجمان "أن يكون أعلم الناس باللغة المنقولة والمنقول إليها، حتى يكون فيهما سواء وغاية، ومتى وجدناه أيضاً قد تكلم بلسانين علمنا أنه قد أدخل الضيم عليهما، لأن كل واحد من اللغتين تجذب الأخرى، وتأخذ منها، وتعترض عليها. وكيف يكون تمكن اللسان منهما، مجتمعين فيه، كتمكنه إذا انفرد بالواحدة؟ وإنما له قوة واحدة".
وأوضح ما قيل عن أداء التراجمة واختلاف طرقهم في الترجمة، عبارات منسوبة إلى صلاح الدين بن أبيك الصفدي، ورواها بهاء الدين العاملي، قال فيها: إن للترجمة عند العرب طريقين:
الأولى- أن ينظر إلى كل كلمة مفردة من الكلمات اليونانية، وما تدل عليه من المعنى، فيأتي الناقل بلفظة مفردة من الكلمات العربية ترادفها في الدلالة على ذلك المعنى فيثبتها، وينتقل إلى الأخرى حتى يأتي على جملة ما كان يريد تعريبه.
والثانية- أن يأتي الجملة فيحصّل معناها في ذهنه ويعبر عنها من اللغة الأخرى بجملة تطابقها سواء ساوت الألفاظ أم خالفتها"
ولعل هذه الطريقة الأولى في الترجمة وهي ما يمكن أن نسميها الترجمة الحرفية هي السبب في أن كثيراً من الترجمات اتسمت بالغموض والإبهام؛ إما لغموض الأفكار  نفسها عند الفيلسوف اليوناني، وإما لغموض عبارات المترجمين وعدم فهمهم لما ينقلونه، فلم يكونوا حكماء أو فلاسفة، وإنما كانوا مترجمين فحسب.
أما المترجمون الذين اتبعوا الطريقة الثانية، فقد استطاع أن يزيلوا الغموض وأن يقربوا الأغراض، ولعل خير من يمثل أصحاب هذه الطريقة عبدالله بن المقفع في مؤلفاته المعروفة التي وصلت إلينا، وابن رشد الفيلسوف في تلخيصاته لكتب أرسطو التي كان المترجمون والنقلة قد ترجموها ونقلوها من قبل إلى اللغة العربية، وذلك في بدايات اشتغال العرب والمسلمين بترجمة الآثار الفلسفية اليونانية. وقد اعتمد ابن رشد في تلخيصه –كما يرى عبدالغني- على فهمه الفلسفي السليم وإدراكه التام لقضية الفلسفة عند اليونان عامة وعند أرسطو خاصة إدراكاً عميقاً.
 

التعليقات
الأخوة والأخوات

نرحب بالتعليقات التي تناقش وتحلل وتضيف إلى المعلومات المطروحة عن الموضوعات التي يتم عرضها في الصحيفة، ولكن الصحيفة تحمل المشاركين كامل المسؤولية عن ما يقدمونه من أفكار وما يعرضون من معلومات أو نقد بناء عن أي موضوع. وكل ما ينشر لا يعبر عن الصحيفة ولا عن المؤسسات التي تتبع لها بأي شكل من الأشكال. ولا تقبل الألفاظ والكلمات التي تتعرض للأشخاص أو تمس بالقيم والأخلاق والآداب العامة.

الاسم
البلد
البريد الالكتروني
الرمز
اعادة كتابة الرمز
التعليق
 
   
جميع الحقوق محفوظة ٢٠١٣
By QualTech