للاطلاع على محتويات الإعلان أنقر هنا  
صحيفة دولية تهتم باللغة العربية في جميع القارّات
تصدر برعاية المجلس الدولي للغة العربية

  موقع الجمعية الدولية لأقسام العربية           الموقع الجديد الخاص بالمؤتمر الدولي للغة العربية           الباحث العربي: قاموس عربي عربي         
الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة

الوفاء لشاعر الوفاء في ذكراه التاسعة والثلاثين - ادريس محمـد جماع

د. سهام عبد الرحمن طيب

   

   في مثل هذه الأيام رحل عن دنيانا الشاعر السوداني  الانسان ادريس محمد جماع , وجماع هو شاعر رقيق ينبض شعره بأسمى معاني الحب والوفاء ونحن إذ نذكره فإننا نبادله حبا بحب ووفاء بوفاء كما فعل هو تجاه وطنه وأمته والعالم أجمع  .

وقد لخص الوجود عنده في أبيات وردت في قصيدته  ( لحظات الحياة -الديوان ص118) جاء فيها :
ليس هذا الوجود عندي أشكا             لا ولكن مشاعر ومعاني
والحياة الحياة أن أرمق الدنيا           وأمشـي كالجدول النشوان
وهو كما شبه نفسه تماما كان عبارة عن مشاعر ومعاني سامية وقد عاش كالجدول المنساب  - رقة ولطفا –
     ولم يكن ادريس معجبا باسمه ولا بشكله ولكنه لم يتنكر لهما وظل يذكرهما دائما في أشعاره  وفاء منه وقد قال ذلك في مقطوعة باسم (اسمي ورسمي  -الديوان ص 101) جاء فيها 
فالتمسني في غير اسمي ورسمي       ترني باديا وتبصر رسمي 
غــــير إني أراهــما زامـــلاني            فوفاء ابقيهما  في نظمي 
         ترك  شاعرنا ديوان شعر واحد هو (لحظات باقية ) وقد احتوى الديوان على عشر مقطوعات قصيرة وأربع وخمسون قصيدة . المقطوعات هي (أصوات) ,(الشعر والحياة ) , (طريق الحياة ) , (النضارة لا الجفاف ) , (بين اسمي ورسمي ) , (زائر البستان) , (ضمير له حدود) , (رثاء لا هجاء) (ضريبة إنسانية ) ,( هبة الخالق للإنسان) والقصائد هي : (من  دمي ) , (نشيد قومي ) , (هذه الموجة ) , (رسالة الحياة ) , (من سعير الكفاح ) , (نسيم الحرية ) , ( وداع المحتل ) , (نشيد العلم السوداني ) (نضال لا ينتهي ) , ( جنون الحرب ) , ( نشيد جامعة الخرطوم ) , ( وفد البيان ) , ( السودان ), ( انت انسان ) ,( فجر من الصداق ة ) , ( روح السودان ) ,( الفجر المرتقب ) , ( صوت الجزائر) , (في وجه العدوان) ,(لحن الفداء ) , (في لقاء القاهرة ) , ( ظلمات وشعاع ) , ( في ركاب الأمل ) , ( خلود الشعر ) , ( الشرق يتذكر ) ,(دفين الصحراء ) , (صانع التاريخ ) , ( شعاع خبأ ) , ( لوعة متجددة ) , (ذكرى شاعر) , ( صوت وراء القضبان ) , ( مقبرة في البحر ) , ( مآسي الحرب ) , ( جمال الحياة ) , (مجد انساني ) , ( وقدة الصيف ) , (الطفل ) , ( نومة الراعي ) , ( أنت السماء ) , (أمنا الأرض) , (ابنة الروض ) , (مصب  الحياة ) , (إني لأعجب ) , ( الصدى الخالد ) , ( نحو القمة ) , ( شاعر الوجدان والأشجان) , (لحظات الحياة ) , (نحو الوثبة ) , (عناق قطرين ) , ( قيمة الانسان ) , (شاء الهوى ) , (ربيع الحب ) , ( أنت السماء ) و( يا ملاك ) 
            خلا الديوان تماما من غرضي المديح والهجاء مما يدل على نبل أخلاقه وسمو نفسه من التملق والصراعات , مع معاصرته لحكومات متعددة ببلاده إلا أنه لم يقترب من أي مسؤول أو صاحب منصب وقد كان لصيقا بهم لخدمته الطويلة بحكم وظيفته  فابتعد عن المديح كما أنه كان رقيق النفس شفافا ولم يعاد أحدا ولم يعاد من قبل أي أحد فعاش حابا محبوبا بعيدا عن عالم الهجاء 
          يعتبر ادريس جماع شاعر وطني بالدرجة الأولى شغلته قضايا بلاده وملات قلبه حبا فنظم فيها خمس  عشرة قصيدة  ويمثل هذا العدد نسية (37.77%) وهذه النسبة تفوق ثلث شعره 
        يرى  جماع أن حب بلاده وقومه وحب الخبر لهم هو رسالته في الحياة وذلك عندما قال في قصيدته ( رسالة الحياة ) (الديوان ص24)
                   إن الــذي بمسائه          هجر الحياة وسحرها 
                  وحــياته بالحــــب          قد كانت تماذج غيرها 
                 يولي المحبة غيره          منحـــوه أم بخـــلوا بها 
                ببلاده قد عاش ح               تى مات ينشد خيرها 
                 ويشب نار جهادها              دهرا ويرفع قدرها 
وقد كان كذلك كما ورد في أشعاره وقد بادلته البلاد حبا بحب عندما جعلت بعض قصائده تدرس بالمرحلتين الابتدائية والمتوسطة  ولن ينسى طلاب المدارس الابتدائية (نشيد قومي – الديوان ص20 ) 
هـــنا صوت ينادينــــي                    نعم لبيك أوطاني 
دمي وعزمي وصدري                   كله أضواء ايماني
ســـأرفع راية المجـــد                    وأبني خــير بنيان 
هنا صوت ينادينــــي                     تقدم أنت سوداني 
وكذلك لن ينسوا نشيد ( الفجر المرتقب –الديوان ص 52 ) الذي كان معلما من معالم مقررات المرحلة المتوسطة ومنه قوله : 
أمة للمجد والمجد لها                  وثبت تنشد مستقبلها 
رو نفـس من حديث خــــالد             كلما غنت به ألهمها 
من هوى السودان من آماله           من كفاح ناره أشعلها 
قاسم جماع السودان كل همومه ومشاكله فكتب مساندا الشعب في ثورته ضد الاستعمارالانجليزي  (من سعير الكفاح) وكتب مادحا الجندي السوداني( قصيدة لحن الفداء )  وتدد بالاستعمار في عدة قصائد منها ( نسمة الحرية) وكتب قصيدة بمناسب ة استقلال البلاد  هي ( هذه الموجة ) وكتب قصيدة ( نضال لا ينتهي بمناسبة مرور عام على استقلال البلاد كما افتخر بسودانيته  في قصيدة ( السودان ) 
ظل ادريس جماع يردد انغامه عن السودان حتى وهو طالب علم بجمهورية مصر العربية عندما أتى وفد من الصحافة السودانية قادما لمصر وتم تكريمه بأحد الفنادق فرحب بهم فرحا بلقائهم قائلا في قصيدته (الديوان ص42)
    ياوفد حياك الربيع وطالما     أسر المشاعر زاهيا   مترنما 
وجاء فيها :
حيتك ياوفد البيان خواطر     نشوى تطوف حول ركبك حوما 
    ادريس حماع شاعر رقيق  ظل يحب الإنسانية كلها ويقول ذلك في قصيدته ( فجر الصداقة –الديوان ص48)
أنت انسان وهذا نسبي          وسنحيا في اخاء دائم
وقال فيها : 
قد توحدنا معا في حلم     يغمر الأرض بفجر باسم 
ظل جماع يمجد الإنسانية كثيرا في أشعاره ومما  قاله في ذلك ما جاء في قصيدة  (مجد انساني – الديوان ص96)
لك اجلال على مر الزمان       أيها الانسان في كل مكان 
وله أيضا قصيدة رائعة تدل على انسانيته هي (مآسي الحرب ) بها معاني إنسانية جميلة 
احتوى الديوان على خمسة  قصائد رثاء والرثاء  يعتبر من أنبل الأغراض وهو قمة الوفاء لأن الشاعر يمتدح شخصا لا ترتجى منه مصلحة مادية ويحمل بداخله وفاء لا متناهي  وحب نابع من قلب مخلص وهو عكس المديح لأنه يعدد مآثر شخص سيرد الجميل جميلا . رثى جماع والده وشخصيات عامة مرتبطة بتاريخ السودان مثل ( محمد أحمد المهدي ) و(أحد أبطال السلطنة الزرقاء ) و(مامور مدينة دنقلا) و( أحد الشعراء ) وذكر محاسنهم وهم تحت الثرى لا تقربا ولا زلفى  ولا يرتجي منهم جزاء ولا شكورا 
     جماع ميال بطبعه  للوفاء لكل ما يعيشه  وها هو يسمي قصيدة قالها في مدينة القضارف ب ( الصدى الخالد – الديوان ص 111) 
أمسيت أصداء وذكرى         يا لحظة بالخلد أحرى 
ويقول فيها : 
لك يا قضارف روعة        تركت شعاب النفس سكرى 
     و في غزله نجده صادق الوعد وفي لمحبوبته , دائم الانتظار لها  مهما غابت  , نضرب لذلك مثال بقصيدته (شاء الهوى – الديوان ص 127) التي قال فيها :
فإذا غفوت لكي أراك               فربما فــــي الحلم جئت 
في دمعتي في آهتي                في كل شيء عشت أنت 
كوني كنجم الصبح            قد صدق الوعود وما صدقت
أنا في انتظارك كل يو          م  ها هنا في كـــل وقت 
        أحب الشاعر جمهورية مصر الشفيفة وكم تمنى أن يدرس بها وكان له ما أراد فقد كان الأدب مزدهرا بها في أربعينات القرن الماضي وعجت بالشعراء من مختلف المدارس الشعرية وكانت منارة للعلم والثقافة بشتى ضروبها فكانت مطمحا من مطامح جماع  وكتب عنها أول قصائده فيها وهي  ( لقاء القاهرة – الديوان ص 62) ويقول في مطلعها :
أألقاك في سحرك الساحر          منى طالما عشنا في خاطري 
أحقا أراك فأروي الشعو          ر وأصبح في نشــوة الســاكر
وكان شاعرنا طربا جزلانا أثناء رحلته وقال في ذلك 
تمايل من طربا مركــــبي               وجاشت منى قلبه الزاخر 
يسير وطيفك في خاطري              يقصــر مــن ليله الســاهر 
وبي فيه من نفحات الحنيـ            ن كـــما فــيه من لهب مائر 
وعاد إليها مرة أخرى بعد أن تخرج منها وهنا يتجلى لنا جماع الوفي لأيام جميلة خلت من حياته 
وكتب عنها قصيدة وهو بالطائرة متوجها إليها اسماها (في ركاب الأمل – الديوان ص65)ووصفها في أول أبيات القصيدة بأنها أمله فقال :
أملي وهبت لي الحيا                      ة  وكنت في سجن الألم 
أطبق جناحك قد بلغـ                     ت وهذه أرض الهــرم 
ويذكر في القصيدة محاسنها وما تركته في نفسه من ارتياح فيقول :
لم ننس أيام الكفا            ح وما أزحت من الألم
يا مهجرا للأنبيا              ء وقبر سـائر من ظلم 
ونظم فيها قصيدة أسماها(في وجه العدوان )  وذلك في   احد الاعتداءات  عليها أيام الاستعمار ونجده يحس بما تحس به البلاد ويقول فيها :
بي ما بصدرك  يا مصري من لهب         وسجية الحق والتاريخ والنسب 
ويرى أن بينه وبينها صلات نسب ودم فيقول : 
هذا الدم الفائر المهتاج نبعثه                 نارا وتحرق  منه كل مغتصب
ونراه غاضبا للدماء التي جرت من أبناء شعبها ويقول  :
وكم دم تصدم الدنيا بشاعته               فيجرف الناس في سيلا من الغضب 
وتجلت أسمى معاني الوفاء في قصيدته ( عناق قطرين ) التي كتبها بمناسبة احتفاء بعض الاخوة المصريين بمناسبة   صدور ديوانه فنظم في نبلهم قصيدة من أجمل قصائده ردا لصنعيهم معبرا فيها عن محبته لهم ولبلادهم قائلا فيها ( الديوان ص 125) :
أرجعي ساعة الصفاء لوصلي               بعد أن طال بعدنا فلعلي 
هذه الأنفس تعصــر النشـــ                ـوة  من روحها احتفاء بخل 
غمرتني بنبلها  وحبت شعري               مـــالم يكـــن يؤمل مثلي
لست أهتز  في حياتي كما                أهتز في موقف , كنفحة نبل
أنا للفن ما بقيت وفي مصـ              ر حمــــى يرام الفنون ويعلي 
بالحمى الحر والثقافة والما              ضي سمت مصر للمحل الأجل 
لست عن أرضكم غريبا فهذا             النبع والشط من قبل كن حولي
رحلتي رحلة الغمائم لا تعـ              رف  ســـــورا لصوبها المنهل    
صدق جماع عندما وصف نفسه بالغمام  فهو-  كما عرف عنه - كان يحس بكل ما حوله ولأجل هذا فإننا نسدي له الصنيع  تذكرا وترحما سائلين له الجنات العلى
           
 
الدكتورة سهام عبد الرحمن طيب الأسماء ولدت عام 1968م بمدينة الخرطوم بحري بالسودان – تعمل بوزارة لتعليم العالي والبحث العلمي بالسودان كعضو هيئة تدريس بجامعة غرب كردفان  بدرجة أستاذ مشارك  - في تخصص الأدب والنقد – تولت منصب رئيس قسم اللغة العربية بكلية العلوم الإسلامية واللغة العربية  - أشرفت على مجموعة من رسائل الماجستير

 



 

 

التعليقات
الأخوة والأخوات

نرحب بالتعليقات التي تناقش وتحلل وتضيف إلى المعلومات المطروحة عن الموضوعات التي يتم عرضها في الصحيفة، ولكن الصحيفة تحمل المشاركين كامل المسؤولية عن ما يقدمونه من أفكار وما يعرضون من معلومات أو نقد بناء عن أي موضوع. وكل ما ينشر لا يعبر عن الصحيفة ولا عن المؤسسات التي تتبع لها بأي شكل من الأشكال. ولا تقبل الألفاظ والكلمات التي تتعرض للأشخاص أو تمس بالقيم والأخلاق والآداب العامة.

الاسم
البلد
البريد الالكتروني
الرمز
اعادة كتابة الرمز
التعليق
 
   
جميع الحقوق محفوظة ٢٠١٣
By QualTech