للاطلاع على محتويات الإعلان أنقر هنا  
صحيفة دولية تهتم باللغة العربية في جميع القارّات
تصدر برعاية المجلس الدولي للغة العربية

  موقع الجمعية الدولية لأقسام العربية           الموقع الجديد الخاص بالمؤتمر الدولي للغة العربية           الباحث العربي: قاموس عربي عربي         
الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة

معجب الزهراني: صار الخليج العربي مركز الحراك الثقافي في العالم

أحمد العياد

 

قال معجب الزهراني لـ"إيلاف" إن المجتمع الوطني في السعودية مجتمع جديد، فللقبيلة والمناطقية كلمتهما دائمًا. ووصف كتابة السيرة الذاتية بالتعري أمام المجتمع، ولهذا ليست رائجة في العالم العربي. وقال إن المثقفين السعوديين تأثروا بالثقافة والأدباء المصريين.

في أول يونيو 2016، اختار مجلس السفراء العرب في فرنسا الناقد والروائي والأكاديمي السعودي الدكتور معجب الزهراني مديرًا لمعهد العالم العربي في باريس. إنه أحد المثقفين الفرنكفونيين، ملم بالثقافة والأدب الفرنسيين، إذ حصل على شهادة الدرجة العليا في اللغة الفرنسية من جامعة السوربون الرابعة في عام 1982، ودبلوم الدراسات المعمقة في الأدب العربي الحديث من جامعة السوربون الجديدة في عام 1984، وشهادة الدكتوراه في الأدب العام والمقارن من جامعة السوربون في عام 1989، عن أطروحة بعنوان "صورة الغرب في الرواية العربية الحديثة". وهو كاتب ومؤلف كثير من الدراسات النقدية، ومشرف على كثير من الرسائل العلمية، وناقد في مجال الشعر والأدب والنقد.

تحدث الزهراني لـ"إيلاف" في لقاء مطول، فرأي أن المجتمع الوطني في السعودية جديد، حيث ما زالت للقبيلة وللمناطقية كلمتهما.

برأيه، كتابة السيرة الذاتية بمثابة التعري أمام المجتمع، وهذا لا يحدث في العالم العربي. كما قال إن المثقفين السعوديين تأثروا بالثقافة والأدباء المصريين. بحسبه، الجغرافيا تصنع التاريخ، وهذا الفرق بين مثقفي المغرب العربي وغيرهم.

في ما يأتي نص الحوار:

الدكتور معجب الزهراني مسيرة علميّة هائلة. بين التضييق على الشباب في وقت مضى والتفتح الذي يحدث الآن، ما هي رؤيتك لما حدث وما يحدث وما سيحدث؟

مسيرتي متواضعة وبسيطة، لا تختلف عن مسيرة أي أكاديمي من الزملاء الأفاضل الذين عاشوا هذه التحولات. اعتقدُ أن قَدر المجتمع كقدر الفرد: أن يتغيّر ويتحوّل ويتطور، بل ربما قدر الكائنات الطبيعية. فالموتى وحدهم يتوقفون ولا يتحركون ولا يتغيرون. عندما نتحدّث عن هذا المجتمع الشاب الجديد، فنحن نتكلم على المجتمع الوطني، لأن المجتمع الوطني عندنا جديد. لدينا مجتمع أهلي وعريق، والآن أصبح لدينا مجتمع وطني حديث ينتمي إلى المملكة العربية السعودية. هذا بالنسبة إلينا شيء جديد، وبالتالي، حين نأخذ في الحسبان معطيات واضحة وبسيطة وقوية مثل الظاهرة النفطية وما نتج عنها من إمكانيات ماديّة وإدارية وسياسية واقتصادية في كل المستويات، شكّلت جميعها عاملًا تاريخيًا قويًا فاعلًا لشيء اسمه التغيير، فمن الطبيعي أن تتحول تلك القرى والبلدات والمدن الصغيرة المنعزلة في الحجاز إلى نوع من أنواع الفضاءات الصاخبة والحيوية، بل والمتفجّرة أحيانًا، فتصبح ظواهر جديدة ومدنًا تكبر بسرعة كبيرة. ولا يكاد الإنسان الآن أن يتخيل أن الرياض، التي كانت في بداية القرن شبيهة ببعض البلدات حول غوطة دمشق كما يُشبّهها أحد الرحالة الإنكليز، فيها اليوم أكثر من ستة ملايين نسمة! حينما نُنصت إلى معطيات الواقع والمنطق التاريخي، فالتغيّر هو الطبيعي. التغيّر نحو الأفضل أو أحيانًا نحو الأقل رونقًا! لكن التغيير شيء آخر، التغيير هو تدخّل إرادة الإنسان في هذه السيرورة التاريخيّة والاجتماعية والطبيعية. وبناء على تراكمات حصلت في عقود سابقة، وانتشار التعليم، وظاهرة السفر، واستخدام ملايين الناس من بيئات ثقافية واجتماعية، التغيّر مسألة منطقية وطبيعية.
 
 
تأخرت قليلًا

البعض يرى أن مثل هذه الخطوات تأخرت.

ربما تأخرت قليلًا، لكن لا يوجد في التاريخ ما يُسمى "الوصول في وقته أو في غير وقته"... لأن ثمّة منطق عميق للأمور! حين تدخّلت عناصر شابّة في صنع القرار، في مجتمع ينتظر مع جيله الجديد مثل هذه الأشياء، من الطبيعي أن يحدث هذا التغيير، ليثير أحيانًا دهشة العالم، على الرغم من أن بعض القرارات كان من المفترض ألا تكون مشكلة، كقرار قيادة المرأة السيارة. كان ممكنًا أن يُحلّ مثل موضوع مدارس وتعليم البنات في عهد الملك فيصل. ببساطة شديدة: "نحن سنفتح مدارس البنات فمن يريد أن يدخل بناته فأهلًا وسهلًا ومن لا يريد فلن نجبر أحدًا". منطق مسألة قيادة المرأة هو نفسه، لكن أُجّل اتخاذ القرار. المشكلة أن بعض القضايا البسيطة تكبر عندما تُؤجل، فتتحول إلى قضية، بينما هي في الأصل ليست قضية!

لقد أحرجتنا قضية قيادة المرأة في المحافل العالمية.

بالضبط. كونهم الآن يسمحون للمرأة بقيادة السيارة، وللشباب بسماع الموسيقى وحضور استعراضات ترفيهية في الدرعية والرياض وجدة والمنطقة الشرقية أمر منطقي! هناك الجيل السابق، جيلي أنا أو جيل ربما نسميه جيل العمل والكسب وتأمين الحياة اليومية لأن الجزيرة العربية ليست بلاد سعيدة، كما يقال، والجيل الثاني ربما كان جيل المثقفين المتعلمين، فكان جيل الكتاب، والكتاب رمز للثقافة. كنا نقضي الكثير من أوقاتنا في قراءة الكتب. الآن يوجد جيل جديد يمتلك أجهزة للتواصل يتابع ما يحصل في اليابان وكندا وأميركا وأوروبا، وبالتالي أعتقد أن هذا الجيل هو محرك هذا التغيير. الجميل والمهم هو تطابق الرؤية القيادية السياسية مع تطلعات الجيل الجديد. وممكن أن يكون الفرد في قرية منعزلة في أي مكان فيه سرية، ومع ذلك يتواصل مع من يحب، ويسمع ما يحب، ويتابع الأفلام والبرامج والأنشطة الرياضية كما يحب، كل ذلك طبيعي نتمنى فحسب أن يتّصل التغيير ضمن هذا المسار التنموي لأننا في أمس الحاجة إلى تعزيز ما أسميه المجتمع الوطني الجديد. أظن أن الفئات الشابة هي التي ستنجز هذا الموضوع، ولا أقلّل من أهمية الأجيال السابقة لكن الانتماءات القبليّة والمناطقيّة كانت قوية جدًا في أي مجتمع تقليدي مثل مجتمعنا، والآن هذا الجيل الجديد الذي يعيش في المدن الكبرى ينتمي إلى المملكة العربية السعودية، وبالتالي أرجو أن يكون حسّه الوطني عميق، فهو العلامة وثمرة التطور.
 
رؤيتي للمعهد

بالنسبة إلى معهد العالم العربي في باريس الذي ترأسه، تردد أنه لولا الدعم الخليجي لما كان بتلك القوة. ما رؤيتك للمعهد خصوصًا أنك تعرفه منذ دراستك في الثمانينات في فرنسا؟

افتتح المعهد في عام 1987 وأنا ما زلت طالب أحضّر الدكتوراه، وعملت في السنتين الأخيرتين على أطروحتي في مكتبته. عرفتُ المعهد وحضرتُ بعض معارضه وبعض ندواته وأنا طالب هنا، وكنت كلّما أعود إلى باريس لا بُدّ من أن أمر عليّه لأن لي فيه أصدقاء وزملاء من أيام الجامعة. وحين عُدت مديرًا عامًا منذ سنتين ونصف تقريبًا، كان حدثًا سارًّا بالنسبة إلي. فالمعهدُ بناء أنيق في موقع أنيق جدًا يكاد يكون أجمل موقع في الحي اللاتيني يُطل على قلب باريس الحضري والحضاري والتاريخي، ويجاور أعرق الجامعات الفرنسية كالسوربون وكوليج دو فرانس وغيرهما من المؤسسات. كما أنّه مبنى حداثي حديث في مكان عريق. صممه في الثمانينات شاب عادي وأصبح الآن نجمًا وهو المهندس المعماري جان نوفيل.
 
النشاطات في المعهد لا تتوقف، ففي كل يوم تقريبًا نشاط أو نشاطين على مدار العام، تتنوع بين معارض كبرى ينشئها وينظمها قسم المعارض ولقاءات وندوات في المكتبة. كما يضمّ مكتبة متميزة ومتخصصة في العالم العربي، وتعد رقم واحد في الاستشارات كمرجع للباحثين والباحثات، إضافة إلى متحف يزوره آلاف الناس شهريًا هو متحف نوعيّ ضُمّ قبل ما يزيد على السنتين إلى المتاحف الوطنية الفرنسية، ما يدل على قيمته الكبرى مثل متحف اللوفر والمتاحف الأخرى، بمعنى أنه أصبح مقامًا رمزيًا كبيرًا، لأنه مُختص في جهة معينة من العالم مجاورة لفرنسا. كما يضمّ مركزًا للغة العربية، ويعلّم ما لا يقل عن ألفي شخص في كل عام، من مختلف الفئات العمريّة، إضافة إلى الموظفين الذين تتنوع وظائفهم بين من يعمل في العالم العربي أو في شركات. فالمعهد خلية نحل لا تتوقف ونحن في العالم العربي محظوظون جدًا بهذه البيئة والمنصة المُشعة، أما في ما يتعلق بالجانب المادي فاتفق معك في جزء مما قلت. ميزانية المعهد الأساسيّة الآن تأتي من وزارة الخارجية الفرنسية، لأن مشاركات العالم العربي توقفت منذ سنوات في إثر اجتهاد غير مُوفق من أحد الرؤساء السابقين لأنه طلب أن تدفع كل دولة ما تبقى عليها ثم يوضع في صندوق استثماري. كان يُتوقّع أنه سيُدرّ على المعهد ما يكفيه، لكن للأسف لم تكن النتيجة على قدر الطموح. أما حين نتحدث عن التبرعات والدعم المُقدّمين فلحسن الحظ نحن في الحقيقة محظوظون بالعديد من الدول، خصوصًا الخليج، ولا اقول هذا الكلام تحيزًا لكنه الواقع، مؤسسة رفيق الحريري قبل سنوات بعيدة قليلًا تكرمت ورمّمت المسرح الكبير، وأصبح يُسمى مسرح رفيق الحريري، وبعده تبرعت دول الخليج، فالكويت تبرّعت بأربعة ملايين يورو لترميم المكتبة، تلتها السعودية بخمسة ملايين يورو وفي العام الماضي دعمته الإمارات بخمسة ملايين يورو، وبالتالي استطعنا أن نُنجز أشياء مهمة جدًا. الآن لدينا مشروع توسعة صغيرة أمام المعهد كي يستوعب المزيد من الفصول.

تقصد فصول تعليم اللغة العربية؟

نعم، نحن من أهم الجهات التي تعلّم اللغة العربية في باريس وفي فرنسا. وقبل أسبوعين، دشّنا حفلًا رسميًا كبيرًا لما يُسمى بشهادة تحديد مستوى كاختبار التوفل، وهذا غير موجود بالعالم العربي كله. يمكن تقييم أي شخص تخرّج من المغرب أو المشرق أو فرنسا. نحن الجهة الأولى التي لها حقوق ملكية فكرية لاختبار تحديد المستوى، فعلاوة على التعليم هذا نشاط جديد، كما أن لدينا نشاط آخر مهم قطعنا فيه شوطًا جيّدًا وهو تأليف كتب مدرسية على الطريقة الحديثة في تعليم اللغة العربية من الأطفال إلى كبار السن. ماذا نعني بالطريقة الحديثة؟ نحن الذين تعلمنا في بلدان أخرى لا نفكر في بعض القضايا، لكن هنا عندما تفكر في تأليف كتاب تعليمي لأي فئة عمريّة، هناك معايير صارمة جدًا، إذ لا مجال للتمييز العرقي أو الجندري أو المذهبي، كما يجب أن تكون اللغة حديثة تشجع دائمًا على الحوار والتواصل والتعاون بين الناس. أصدرنا أربعة كتب والبقية في الطريق.

هل هذا ما تقصده في تقديم صورة مشرفة للعالم العربي؟

اعتقد أن المعهد أفضل مكان يبُث صورًا واقعية من حسن الحظ، إضافة إلى استعادة أجمل وأجلى وأعلى ما في الثقافة العربية الإسلامية، فعلى الرغم من كل الحوادث التي تقع والحروب الأهلية والحماقات التي يرتكبها بعض أبناء المنطقة، فالمعهد يزوره قرابة مليون شخص سنويّا، بحيث يزورون تراثًا حضاريًا لأمة قادت العالم والحضارة الإنسانية نحو خمسمئة عام، وهذا ما يجعل المعهد كأنما يؤدي رسالة يحاول الآخرون أن يقطعوها، فالمعهد يُشع بأجمل ما تحمله الثقافة العربية والاسلامية ويشع في مدينة النور، في باريس التي يزورها ملايين السياح من مختلف أنحاء العالم. وكم أسعد حين أرى مجموعات من شرق آسيا أو من أفريقيا أو أمريكا اللاتينية، وأحيانًا أطفال، يزورنا. فهؤلاء يرون ماذا تعني الحضارة العربية، ومن هذا المنطلق اعتقد أننا محظوظون جدًا بوجوده في باريس تحديدًا.

جيران نوتردام

مرّت كنيسة نوتردام أخيرًا بمأساة بشرية ومأساة للتراث الإنساني، وهو الحريق الذي لحق بها، ما رؤيتك لما حدث والتعاطف الذي حدث والتبرعات التي قُدّمت لهذه الكارثة؟

ما حدث كأنما هو مسٌّ بالتاريخ العريق لباريس وفرنسا، فعمر نوتردام أكثر من ألف سنة وتعتبر رمزًا، وأكثر مكان يُزار في باريس، بل أكثر كنيسة تُزار في أوروبا، حتى أكثر من الفاتيكان! لأنها تقع في قلب الحي اللاتيني إضافة إلى جماليات تشكيلها.

هي جارة المعهد. صحيح؟

بل المعهد جارها! فأنا أطلّ عليها من مكتبي، وأطلّ عليها من السطح من وقت إلى آخر لتصويرها. بعد الحريق لم أجرؤ على تصويرها سوى مرة واحدة! فما حدث كأنما لامس قلب باريس وقلوب محبي باريس وقلوب العالم الذي يثمّن ويعلي من شأن ما يسمى بالتراث الإنساني الراقي. لستُ خبيرًا في مسائل إعادة البناء، لكن هناك مبالغ هائلة ربما تكفي وأكثر لترميمها. العمل في جانبه الفني سيكون بحاجة إلى بعض الوقت. بالأمس كنت أقول لبعض الزملاء في المعهد إنها ربما تعود أكثر جاذبية مما كانت، والسبب بيّنٌ بنفسه كما يقول الفلاسفة العرب، حيث إن هذه الشخصية الرمزية الكبيرة تحوّلت من شخصية إنسانية تاريخية جمالية عادية إلى شخصية تراجيدية، وهذا يعطيها جاذبية أكثر. لكن هل سيُعاد ترميمها خلال ثلاث سنوات كما يُطالب رئيس المعهد أو خلال خمس سنوات كما يطالب رئيس الجمهورية أو خلال عشر سنوات فأكثر كما يقول الخبراء؟ أنا مع الخبراء وأرجو أن يستعجلوا في ذلك كما أرجو أن تعود وأظنها ستعود أكثر جاذبية مما كانت برغم الفقد الذي لا يُعوّض، لأن هناك قطعًا معيّنة لها قيمة تاريخية وجمالية لا يستطيع أحد أن ينتشلها من رماد الوقت.

مثقف الخلافات

نعود إلى موضوع المثقف العربي. سبق أن ذكر الناقد السعودي الدكتور محمد العباس أن مشكلة المثقف السعودي أو الليبرالي السعودي العيش على الثنائيات، حيثُ تجده في الخلافات، مثلًا تجده في مشكلة قيادة المرأة. في حال لم يكن هناك اختلاف، تختفي مواضيع المثقف أو الليبرالي السعودي. ما رأيك بمثل هذا الطرح؟

أولًا كل إنسان من تمام حقّه أن يُعبّر عن أفكاره وآرائه بالطريقة التي يرى، وأُلح على شيء اسميه الفكر الحواري إذ دائمًا لدى الآخر جزء من الحق، مهما كان الآخر مختلفًا لا بُدّ من أن تضع في ذهنك أن معه جزء من الحق، لا أقول معه الحقيقة فلا أحد يمتلكها، وبالنسبة إلى أطروحات صديقنا محمد العباس أو أطروحات الغذامي وتركي الحمد فليست غريبة عني، لكن أزعم أن كثرة الأطروحات دليل خير وكثرة في الأفكار، فالجانب الذي ربما لامسه محمد العباس لامسه قبله مفكرون كبار مثل العروي والجابري. هذه الثنائيات الضديّة تعتمد على منطق مبسّط، منطق اختزالي، حيثُ يضع أحدهم الموروث ضدّ الحداثة أو التقدّم ضد الحداثة. وهذه الضديّات لا تخدم الفكر، بالعكس، أعتقد أنها تسبب نوعًا من أنواع ما يسمى بالاختزال وتنميط الأفكار، وكأنما الإنسان الذي يفكر بهذه الطريقة يتجه بتفكيره وخطابه للمُنتج في مسار ضيق، بينما لو لاحظنا سنجد أن بعض كبار المفكرين العرب لا يطرحون مثل ذلك خصوصًا في المغرب. للأمانة، أقول وأكرر أن للفكر العربي أشعّة من المغرب وليس من المشرق. فالمغاربة العرب يرفضون هذه الضدية التي ربما أخذناها نحن من كبار المثقفين المصريين الذين تتلمذنا عليهم. وأعتقد أن الفكر العربي الحديث تجاوز مثل هذه الأمور، وبالتالي لا شيء يمنع أن تجد شخصًا فرنسيًا مثل بروست أو فولتير أو شاعر كبير مثل تي إس إليوت منغمسين في التقاليد إلى اليونان أو ما قبل اليونان، كما يمكن أن تجد حداثي في الرسم مثل بيكاسو منغمس في الفنون الأولية والبداية في أفريقيا وفي أوقيانوس، وتجد موسيقيين كبار يستفيدون من الإيقاعات في شمال أفريقيا أو أفريقيا الاستوائية. فالحداثة ليست ضد التقاليد، بل هي مرحلة أو حقبة تاريخية أو جذر معرفي أو أفق معرفي عمّ العالم كله، وبالتالي لا تعمل هذه الثنائيات الضدية بشكل جيد لفهم هذا الوقت، فمثلًا ممكن الآن أن تجد شخصًا كأدونيس يتردد عنه أنّه حداثي وهو من أكثر المثقفين الذين تعمقوا في التراث ومن أكثر الذين استلهموا من التراث. أحيانًا تقرأ لمحمود درويش قصائد ويرنّ في ذهنك طرفة بن العبد أو أبو فراس الحمداني أو المتنبي. أظنّه مرة قال في إحدى لقاءاته إنه كل ما كتبه ليس سوى هوامش على كتاب المتنبي أو على شعر المتنبي بحسبما أذكر. فالثنائيات الضدية لا تُعين على فهم المُعمّق وليست حصرًا على المثقفين في الخليج أو في السعودية أبدًا.
 
ما الذي يجعل المغرب العربي مختلفًا وقائدًا للفكر برأيك؟

الجغرافيا. فالجغرافيا تصنع التاريخ بمعناه الواسع، وتصنع الثقافة، صحيح أن الجيرة أحيانًا قد لا تكون جيرة سعيدة، إذ تعرض المغرب للضغط من إسبانيا ثم من فرنسا، لكن للأمانة هذه من غنائم الحرب، (وهذه نظرية كبيرة لهيغل) وغنائم الحرب هي اللغات والاحتكاك بين المثقفين وبين الفكر الأوروبي والفكر الفرنسي. مثلًا الجيل الأول المغاربي يتكلم بمنطق المدرسة الفرنسية التي تعلم فيها وبمنطق الكتب الفرنسية التي تتلمذ عليها بشكلٍ أو بآخر، فهذا التراكم هو جزء من غنائم الاستعمار أو غنائم الحرب، وكان يسميها بذلك الكاتب الجزائري كاتب ياسين. حينما قيل له: "لماذا تكتب بالفرنسية؟" كان جوابه: "اللغة الفرنسية بالنسبة إلي غنيمة حرب". مالك حداد قال: "أنا لا أكتب بالفرنسية وإنما أصرخ بالفرنسية". لكن مالك بعد فترة توقف وبالنسبة لكاتب ياسين فقد انطلق. فالمفكرون والباحثون في المغرب قريبون جدًا مما نسميه الابيستمولوجيا المعرفية السائدة أو الأفق المعرفي السائد في فرنسا وفي أوروبا وبالتالي طبيعي جدًا أن يكون طرحهم الفكري أكثر قربًا إلى روح العصر، سواء بالفرنسية أم العربية. وهنا، أذكر نظرية هيغل في مكر التاريخ، فحين يأتي القوي ويحاول أن يُحدث تغييرات معينة في فضاءات معينة لامتلاكه القوة ماذا يفعل مكر التاريخ؟ مكر التاريخ هو الفرضية النقيضة، حيث تأتي القوّة من داخل هذه السيرورة ذاتها فيصبح الطرف الأضعف لديه حضور قوي جدًا، ونراه الآن على مستوى البشر، مثلًا فرنسا فيها باعتقادي ما لا يقلّ عن عشرة ملايين إنسان من أصول مغاربية من مجنسين أو غير مجنسين، والثقافة المغاربية العربية الإسلامية انتقلت إلى فرنسا، قبل شهر أجري استفتاء وأظهر أن وجبة الكسكسي هي الوجبة رقم واحد في فرنسا، علاوة على الأزياء والمطاعم والإيقاعات. في الثمانينيات كان هناك أربع أو خمس شخصيات مغاربية معروفة مشهورة، أما الآن فهناك آلاف من السياسيين والرياضيين والفنانين التشكيليين والمثقفين وأساتذة في الجامعات فهي نوع من أنواع قد نسميها الحوارية التاريخية العميقة، إذ لا تستطيع أن تضع أسوارًا بينك وبين جيرانك، وحينما يأتي الجار القوي ويحلّ في بلدتك أو يحلّ في مدينتك فترة معينة تكتسب منه الكثير كما أنّك تؤثر عليه، رغم أنها حرب. والحرب واحدة من الفواعل الكبرى في تحريف التاريخ من سوء الحظ، لكنها حقيقة رضينا أم لم نرض، فلو تأخذ الحروب الصليبية ربما كان لها دور كبير في تسمية ما يسمى بالإسلام في العصر النهضو.  لماذا؟ لأن أوروبا في تلك الفترة كانت متخلفة عن العالم العربي والإسلامي وأخذت منه الشيء الكبير، وبعد أقل من 200 سنة، بدأ ما نسميه عصر النهضة، ثم انتهت العصور الوسطى وبدأت العصور الحديثة، كذلك نحن في كثير من البلدان في آسيا وفي إفريقيا بدأت نهضتنا بمعناها الحديث بسبب هذه الصدمة الثقافية التي ولّدها شيء اسمه الاستعمار.

جبل جليد الإرهاب

قبل أشهر، حدثت في نيوزيلندا حادثة إرهابية يمينية، وسبق أن تحدّثت عن صعود اليمين الأوروبي، وأنه مهما كان صعوده فلا خوف من ذلك لأنه سيكون تحت سيطرة الحكومة. ما الفرق بين التطرف الديني أو تطرف اليمين الأوروبي؟

لا أعلم كيف حدث ذلك في نيوزيلندا فهي دولة سلام! أيضًا قبل أيام حصلت حادثة بشعة في سيرلانكا منسوبة لداعش. هذه الأعمال الإرهابيّة أزعم أنها مثل الزلازل التي تحدث تحت أرضية قوية جدًّا فهي ليست سوى ظواهر سطحيّة، من الممكن أن نسميها جبل الجليد. ففي الداخل شيء أعمق وهو التاريخ الذي يتحوّل. في أوروبا، بدأ التراجع لما يُسمى بالدولة الوطنية فلم تعد تؤمّن وظائفها كما كانت في القرنين التاسع عشر والعشرين، أما لدينا فما زالت الدولة الوطنية في صعود، وحتى الآن لم تتطور، أيضًا وسائل التواصل الحديثة، والإحساس بالغبن التاريخي لدى بعض المجتمعات، كذلك الإحباطات الفردية لجيل معين ينشأ على التواصل ويرى اختلاف العالم عنه. جميع تلك العوامل تولد أحيانًا ظواهر، ظواهر إيجابية بالمئات أو الآلاف وبالمقابل تولد بعض الصدامات أو الظواهر السلبية، والشي يُحدّد الفرق أنه في ما يسمى البلدان الديموقراطية وفي دولة القانون والحقوق والواجبات من الممكن أن يأتي شخص في هذا المكان في جادة الشانزليزيه، أجمل جادة في فرنسا وربما أجمل الشوارع في العالم كله، ويتظاهر كل أسبوع ومن الممكن أن يكسر زجاج المقهى الذي أنا وأنت فيه، وقد يتم الاعتداء على بنك أو يتم حرق مقهى من أعرق المقاهي في باريس، لكن في النهاية هناك شيء اسمه نظام أو دولة قوية عريقة، وبالتالي لديها القدرة على تحمّل هذه الصدمات بل تحاول معالجتها، حينما يحاول اليمين المتطرف أن يستغل مثل هذه الحوادث - وهذه لعبة سياسية بحتة - ويُشير بنبرات العداء إلى الأجانب والمسلمين خاصة أو العرب، اعتقد أنه مؤطر بالقوانين والأنظمة ولا يستطيع أن يحلّق بعيدًا، صحيح أنه يمكنه الدخول في الانتخابات والفوز لكن سيجابه تحديين إن لم تكن ثلاث. أولًا، القوانين السائدة التي تنبني على حقوق الإنسان، أفراد وجماعات. ثانيًا، ما نسميه بطبقات النخب المثقفة الواعية التي ترفض مثل هذه النزعات الانغلاقية أو العدائية وغير الإنسانية في أي مجتمع غربي. ثالثًا، صحيح أنه يوجد بعض القنوات والصحف المتطرفة ويتضح ذلك عندما تقرأها لكن أغلبية الوسط الإعلامي ضمن ما اسميته قبل قليل المثقفين المنفتحين على المستقبل وعلى الآخر. من أجل كل ذلك لا يستطيع الحزب اليميني حتى إن وصل إلى السلطة أن يذهب بعيدًا في تحقيق أفكاره كما حدث في ألمانيا النازية أو إيطاليا الفاشية، فلم يعد هناك دولة تمكّنه من ذلك. الخطاب الثقافي السائد لم يعد يسمح بمثل هذه التوجهات. بالعكس، لو يأتي شخص طرحه ليبرالي أو تقدمي فقد تقف مؤسسات معينة ونخب معينة التركيز عليها لأنها بالنسبة لنا قضية الحياة وقضية الإنسان وقضية الكرة الأرضية.

سفينة نجاة

في لقاء مع بي بي سي، ذكرت أن الثقافة العربية سفينة نجاة. كيف؟

الإنسان كائن خلّاق، عنده طاقات حيوية إبداعية كبيرة جدًا، لكن المشكلة في تنمية تلك الطاقات. إما أن تُنمّى في سبيل الإبداع الفكري والعلمي والجمالي والخيري وتزهر مثل الشجرة، وإما أن تُنمّى في طريق الشرّ وتسحل المجتمع. ما قلته قبل قليل مثال بسيط. فالمجتمع الألماني من أكثر المجتمعات تعودًا على الفلسفة والأفكار الفلسفية. مع ذلك، استطاع مجنون اسمه هتلر أن يحولهم جميعًا إلى نازيين أو إلى متشددين، فالثقافة التي أعنيها هي هذه الثقافة التي تؤنسن الفرد مثلي ومثلك. نحن بشر، كائنات حيّة، والجاحظ حين كتب كتابه "الحيوان" كان يقصد الكائن الحي، فأنا أو أنت أو أي فرد في أي مجتمع آخر ممكن أن نتحوّل إلى كائنات متوحشة إذا نشأنا على هذا التوحش، وبالإمكان أن نكون بشر أسوياء بطاقاتٍ خلاقة إذا نُشئنا - كما قلت قبل قليل - على حبّ التعلم، على بداية التعلم الذاتي بعد المدرسة وخلال المدرسة، فكل فرد منّا فيه طاقة سميّها كما تحب: طاقة إلهية، طاقة طبيعية... هي طاقة خلّاقة كبيرة جدًا وبالتالي حين نركّز على الثقافة بمعناها الواسع في جميع أبعادها العلمي والفكري والجمالي والفني والرياضي فهي ما يُشعّ ويجعل الإنسان خلّاقًا يُعين على المزيد من التقدم في جميع المجالات، العلمي والفني والفكري أو أن يُحارب وفي النهاية نكون كأنما نخسر طاقة وكثيرًا ماكنت أقول ذلك قبل أن آتي إلى هنا. هؤلاء الذين يفجرون أنفسهم هم طاقات خلّاقة ضائعة تحولت إلى خطر علينا وعلى الآخرين، فهذا الإنسان لديه استعداد وحسّ بطولي عالي جدًا استخدمه في الطريق الخاطئ فبدلًا من أن يضحي بنفسه لإنقاذ طفل أو شجرة أو مدينة سار في الطريق المعاكس.

لا استقرار

سبق وأن تحدّثت عن تعوّدك على عدم الاستقرار، فما بين جامعة اليمامة وباريس الآن وقبل ذلك جامعة الملك سعود، هل ترى أن ذلك يعوّدك على كسر الروتين أو يأخذ منك الكثير ويرهقك؟

قررت عدم الاستقرار عبارة طريفة جدًا لا تخلو من مفارقة، لكن للأمانة الإنسان يأخذ الخطوة الأولى في طريقٍ معين، فيجد أن كل طريق يفضي به إلى آخر، وكلما انتهت الرحلة بدأت بطريق جديد. بالتالي، هناك جزء إرادي فيه قرار واختيار وجزء منه هو نوع من أنواع عدم الاختيار، مثل السفينة حين تمخر في الماء تتدخل عدّة عوامل كالرياح والموج وعوامل أخرى وربما الصُدف. بالنسبة إلي، غادرت القرية وعمري حوالي 13 عامًا، ودرست الثانوية في الرياض ثم الجامعة وما بعد الجامعة، والرياض في تلك الفترة كانت بالنسبة إلى إنسان القرية كالعالم الجديد، فعندما يأتي شخص من قرية في الجنوب منعزلة فجأة يجد نفسه في مدينة كبيرة تتوفر فيها الكهرباء ويرى السيارات وأناس ولغات وملابس مختلفة! وبالنسبة إلى السفرة الأولى خارج السعودية، جئت إلى باريس ولك أن تتخيل ما يسمى بالصدمة الحضارية الجميلة، ومن حسن حظي أنني أتيت إلى باريس، وسيرورة السفر هذه فصلت فيها القول في سيرتي "سيرة الوقت" التي صدرت منذ حوالي شهرين بالعربية من المركز الثقافي العربي، وذكرت أنه حينما تتعود على السفر يصبح جزءًا من هواياتك وجزءًا من قراراتك التي لا تفكر فيها أحيانًا، وهو ما يسميه إدوارد سعيد "السفر الحُرّ" وتحدث فيه عن السفر الحُرّ بين الثقافات وبين اللغات، إلا أنه يتحول إلى نوع من أنواع طريقة الوجود والرؤية للعالم، وهناك مقاطع قاسية للناس الذين لا يسافرون فكأنما هم شجرة ضامرة تنتظر فأس الحطاب لئلا تترمد، فالسكون يقلّص الفكر والتكرار أو الاستقرار أحد أشكال الجمود - كما يذهب إلى ذلك البعض - فلو سافرت ولو عبورًا أنت تُطلّ على ما تُريد وتطل على أشياء جديدة حتى أن الأستاذ والمفكر المعروف محمد أركون ذكرها في أحد أبحاثه حيث يقول إنه حتى السائح الذي يأتي من البلدان العربية الإسلامية إلى أوروبا يرجع وهو بذهنية المثقف. لماذا؟ لأنه سيبدأ يتساءل السؤال البسيط: لماذا لديهم وليس لدينا؟! وذلك بعكس الطرح التقليدي الذي طرحه أبو الحسن المودودي الذي هو "ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟!" فالمنطق الحديث هو: لماذا تقدم الآخرون وتخلّف المسلمون فيذكر أركون أنه حتى السائح العادي سيطرح أسئلة من نوع "لماذا الرصيف هذا ليس منكسرًا؟ لماذا هو مجمّل بالأشجار والورود؟ لماذا الناس لا يتركون مخلفاتهم في الحديقة؟" وبذلك، يرجع وفي ذهنه هذا أسئلة نهضوية إصلاحيّة. لذا، ربما أحمد الله أنني أدمنت السفر الحرّ، وأحبّ السفر كثيرًا فحتى حينما كنت مستقرًا في الرياض كنت اغتنم أي فرصة، وبينما أنا في الجامعة ولمدة ربع قرن، لم تكن تمرّ عليّ سنة من دون أن أسافر مرتين أو ثلاث بين سفرات قريبة أو بعيدة وربما سفرات معرفيّة مثل المشاركة في مؤتمرات وما شابهها أو سفرات للتعرّف وحتى سفرات للنسيان! إذ قد يسافر الإنسان لينسى! وأعتقد أن الإنسان بحاجة إلى ألّا يأخذ السفر بمعنى واحد ففيه مجموعة كبيرة للسفر، صحيح أن اسمه سفر في الظاهر لكن كل سفر من أجل موضوع، فقد أسافر من أجل المشاركة في مؤتمر، وقد يكون من أجل الإطلالة على مخطوطات في المكتبة الوطنية في جاكرتا، وفي بعض الأحيان يسافر االشخص من أجل أن يروّح عن نفسه وهذا شيء طبيعي، وفي بعض اللحظات يعطيك السفر فرصة للنسيان أو المحو لتبدأ من جديد أو لترك المكان فارغًا حتى يمتلئ. والسفر متعة العصر الحديث وأظنه قدر الإنسان الحديث، الإنسان المحظوظ خاصة، وأرجو لكل من أحب سفرًا ولوعلى فراش النوم فالسفر يغري بالسفر، وتخيّل السفر يغري بالسفر!

علاقة محبة

ما هي أهم عادة تحرص عليها في السفر ولا يمكن أن تستغني عنها؟

للأمانة، يبدو السؤال بسيطًا لكنه صعبٌ ومعقد جدًا، بالتالي سأحاول أن أبسط الموضوع كي لا أدخل في خطاب لا يليق بالمقام، فأهم ما أحرص عليه هو صقل الحواس، بحيث تستعمل عينيك وأذنيك ويديك ورجليك بشكل جيد جدّا، بمعنى أن تحاول قدر المستطاع أن تجعل كل سفرة لقراءة مجموعة كبيرة من الكتب أو مشاهدة مجموعة من الأفلام أو المعارض الفنيّة. فعلى المرء استعمال هذه الحواس والطاقات الخلاقة كما لو كان يعاني من الجوع أو العطش، كما لو أن كل حاسة منه تعاني من الجوع والعطش وهو يحاول أن يشبعها في هذه السفرة، خاصة حينما يسافر لبلدان جميلة وفي أوقات جميلة.
 
مع سفراتك المتعددة، لا شك في أن هناك علاقة خاصّة بباريس؟

علاقة محبة، حتى عندما عُدت وفي خطاب احتفال الاستقبال الذي عملوه لي بعد اختياري مدير للمعهد العربي، كنت أقول إنني أشكر الجهة لكنني أعتقد أن علاقة الحب هذه هي التي جعلتني أعود إلى باريس لأنها المدينة الأجنبية الأولى التي أراها، وأقمت فيها حوالى تسع سنوات، وقد عرفتها أحيانًا كثيرة أكثر من بعض أصدقائي الفرنسيين الذين قابلتهم في الرياض أو باريس، لماذا؟ لأن للأجنبي عين فضولية، وأنا أيضًا لم آتِ إلى هنا بشكل عاديّ فقد أتيت لأقرأ وأتعلم وأحضر وأحاول أن أكسب ثقافيًا أكثر من أيّ فرنسي عادي، ولهذا السبب، العلاقة بيني وبين باريس علاقة عاطفية فكرية جمالية، كما أعتقد أن نشأتي في قرية الغرباء أعطتني - كما ستقرأ في سيرة الوقت - هذه القاعدة الجميلة، فمن عاش في بيوت محاطة بمزارع الرمان والعنب والخوخ ومع مواسم الأمطار والصيف والخريف ثم أتى إلى مدينة مثل باريس واحدة من أعرق وأجمل المدن في أوروبا وفي العالم سيكون. وعندما يشتكي لي أحدهم أنه لا يطيق الحياة في باريس أقول له: "ربنا يشفيك". هي مزحة وداخلها جد، فإذا كان الشخص لا يحب فلورنسا أو فينيسا أو باريس أو أشبيليه أو قرطبة أو براغ أو فيينا فهناك خلل ما.

كتب أربعة

أذكر أنّك قلت مرّة عن براغ أنها من أجمل مدن العالم.

أحبّها كمدينة صغيرة من أكثر مدن أوروبا، أما فيينا فمدينة كبيرة ومليئة بالمتاحف ومحلات الموسيقى والعراقة وفيها مليون ساكن، اتخذوا قرارًا من بعد الحرب العالمية الثانية ألا يسكنها أكثر من مليون. حين أمكث فيها أسبوعًا أحنّ إلى باريس. حينما تقاعدت أحد الأصدقاء نشر طرفة على تويتر قال: "إن فلانًا محظوظ لأنه غادر جامعة الملك سعود واشتغل في جامعة اليمامة في وضع أفضل، ثم غادر جامعة اليمامة وانتقل إلى باريس أما أنا فمن جامعة الملك سعود للرس". أعتقد أنني محظوظ لوجودي في هذه المدينة، ونشر لي في هذا العام وحده وسينشر ما تبقى أربعة كتب، فلو كنت في الرياض لكنت مشغولًا ومرتبطًا بعلاقات وأصدقاء، إضافة إلى علاقات العمل.

ما طبيعة الكتب الأربعة؟

سيرة الوقت كتاب جديد. والطبعة الثانية من رقص ستصدر قريبًا. كذلك كتاب بالفرنسية عبارة عن مختارات من بحوثي ودراساتي. والكتاب الأهم هو دراسة عن صورة الغرب في الرواية العربية المعاصرة، وهو أطروحتي في الدكتوراه، ولم يكن بيني وبينها علاقة محبة قطّ لكن حينما عُدت إلى هنا لا أدري كيف اقترح عليّ أحد أصحاب دور النشر - ولا أعلم من الذي أوصلها إليه - وقال لي: لا بُدّ أن نطبعها، وقلت له مضى عليها ثلاثين سنة لكنه بطريقته ضغط علي كي يطبعها. ستنشر باللغة الفرنسية بعد أن أعدت صياغتها لتكون موجهة للقارئ العادي وأتوقع بشكل كبير أن تترجم للعربية، كما آمل أن تترجم سيرة الوقت للفرنسية.

أي هامش

سبق أن تكلمت عن ثقافة الهامش، وقلت إن ثقافة الهامش تكتسح المركز، أي إن أناس من الهامش اجتهدوا في مجالات معيّنة وبرزوا. مفردة ثقافة الهامش... هل يُقصد بها على هامش المجتمع أو هامش التاريخ أو أي هامش؟

هذه الأطروحة ليست لي، وكثيرًا ما تطرح في العصر الحديث، وقد تكون على مستوى فردي أو على مستوى اجتماعي أو وطني. ومثال على المستوى الفردي فقد عملت كثيرًا على الرواية في المملكة العربية السعودية إذ بدأت الرواية من الحجاز وهو طبيعي لأن التعليم والسفر للخارج بدأ من مدن الحجاز، من الحواضر العريقة في الحجاز، بعدها استمرت مع بعض التغييرات، وفي مرحلة لاحقة أصبح الشباب يأتون من قرى نائية لم يدخلها التعليم إلا مؤخرًا وليس فيها خدمات تذكر مثل عبدالعزيز مشري يكتب الوسمية وعبده خال يُصبح من أهم الروائيين في العالم العربي، ومحمد حسن علوان يحصل على البوكر. على المستوى الوطني، فشبه الجزيرة العربية كانت إلى الخمسينيات شبه مُهمّشة على المستوى العربي، ولم تبرز لأن الناس في ذلك الوقت يطاردون لقمة العيشة، فقد كانت مصر هي رقم واحد، كذلك بلاد الشام والعراق وبعدهم تأتي تونس والمغرب العربي، أما في الثلاثين سنة الأخيرة فيمكن أن نلاحظ أن الخليج أصبح في مركز الحراك الثقافي ما يعني أن الهامش تحوّل إلى مركز، حيث يتسابق الناس إلى استهلاك الكتاب سواء في معارض الكتب أو غيرها، كذلك الأفلام والأغاني والمنتوجات الجمالية الأخرى، هذا نموذج، والنموذج الأعظم ـ كما قلت وأكرر دائمًا ـ أن إفريقيا وآسيا إلى بداية القرن العشرين لم يكن لهما حضور في شيء اسمه الحضارة الحديثة بينما الآن تجد في جامعة في هارفارد أو في كامبريدج أو السوربون أساتذة من أصول آسيوية أو إفريقية، كما تجد فنانين من تلك البلدان، وفي كبار التيارات، موسيقى الجاز مثلًا أو الفنون التكعيبية جميعها لها جذور في تلك الهوامش كإفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، وهذا ما يقصد بنظرية أن الهامش يتزحزح تدريجيًا وأحيانًا يحتل المركز ويفتت مركزيته، لا لكي يحلّ مكانه وإنما لكي يخلق مركزية جديدة أو يمحو الفروقات بين المراكز وهذا قد يحصل على مستوى الفرد وعلى مستوى الوطن وعلى مستوى العالم.

كرسي غازي القصيبي

كانت لك تجربة تبّني تجربة كرسي غازي القصيبي في جامعة اليمامة حدّثنا عنها إن أمكن.

أشكرك على هذا السؤال الذي يلامس روحي. تقاعدت من جامعة الملك سعود في عام 2012 وكنت قد قررت أن أرتاح، حيث أعود إلى القرية وابني لي بيتًا بالطريقة التقليدية وأعمل عملًا خيريًا، كانت فكرة بناء بيت بالطريقة التقليدية وذلك بالعودة إلى حجر وخشب المنطقة عسى أن أغري الشباب بتلك العودة، وهذه نزعة طبيعية أحترمها في نفسي وأرجو أن تشيع بين الناس، وكنت قد خصصت مبلغًا ماليًا بسيطًا للأعمال الخيرية كرد لجميل هذا الفضاء، ولم يكن في ذهني العودة إلى جامعة الملك سعود على الرغم من إمكانية ذلك، وبعد أربعة أشهر كنت قد أنجزت جزءًا من البيت، وشاركت في بنائه بيدي لأني أحسن البناء، جاءني اتصال كريم من جامعة اليمامة حيث اتصلوا بي أكثر من مرة ولامسوا وترًا قويًا في نفسي، حيث سبق أن دعوني مع الدكتور الغذامي ومجموعة في أمسية صاخبة وأوشكوا أن يدفعوا ثمنًا باهضًا بما أننا حداثيين في أيام الدكتور أحمد العيسى حين كان مديرًا للجامعة، فقلت لماذا لا أرد الجميل لهذه الكلية التي تحولت إلى جامعة، فأخبرتهم أنني سأعمل معهم سنة أو سنتين. قالوا كما تريد سنة أو سنتين فقط لا غير، وذهبت وبقيت فيها أربع سنوات! ولم أكن مدرسًا هناك فقد كنت أعمل على تأسيس كلية العلوم الإنسانية، وهذه وظيفتي، عميد كلية غير موجودة ولكن تحت التأسيس ومن حسن الحظ أننا أسسناها وافتتح فيها قسم القانون وقسم والاتصالات، وكنت مسؤولًا عن قسم الدراسات الإنسانية الذي فيه مجموعة مواد عامة، وكان في بالي أن أردّ الجميل لخالد الخضير صاحب الجامعة وهو صديق عزيز والأهم ردّه للجامعة ذاتها، وخطر على بالي أن جامعة الملك سعود مليئة بالكراسي العلمية وأكثرها للأمانة لا أدري ماذا ينتج. رأيت أن غازي القصيبي هذا الشخص العلّامة شعرًا ورواية وفكرًا وإدارة لا يوجد لديه كرسي فقلت أنا محظوظ اقترحت وخلال ثمانٍ وأربعين ساعة تمت الموافقة على الموضوع، لأن كل الزملاء في الجامعة ومجلس الأمناء تحمّسوا للموضوع، ودشّنا الكرسي وبعد فترة بسيطة أنبني ضميري لأن تأثيره تقريبًا سيكون لمدة عشر أو خمسة عشر سنة بالضبط، وأنا قد راهنت على فارس منسي هو غازي القصيبي وخلال تلك الفترة قمنا ببعض الأنشطة التي لم تكن تنقطع حتى أن خالد الخضير مازحني قائلًا: "أغار من الكرسي على الجامعة". حين جئت إلى هنا نفعني هذا الكرسي، ففي المعهد لديّ مشروعات ثقافية معينة ووجدت أن كرسي المعهد مقفل منذ عام 94 فأحييته ودشّنت مشروعين أن شاء الله سيظل تأثيرهما قويًا في المعهد حتى بعد عشرين أو ثلاثين أو حتى خمسين سنة، وهما، حينما أعدنا تفعيل هذا الكرسي الثقافي أقمنا لقاءات فكرية حوارية وكرّمنا شخصيات كبيرة داخل فرنسا وخارجها، وقد كرمنا الآن حوالي خمسة عشر شخصية جميعهم ممن ساهموا في تعميق العلاقة بين فرنسا والعالم العربي وفي هذا العام خصصنا كل الشخصيات لتكون نسائية بسبب هدى شعراوي

سمح لي هذا الكرسي بتدشين مشروع معرفي هو مئة كتاب وكتاب بالتعاون مع جائزة الملك فيصل - شركاء كرماء - والآن خرج منّا حوالي عشرين كتاب، والباقي في الطريق، وستكون موسوعة لاحقًا وهي عبارة عن أربعين شخصية فرنسية مستعربة، وستين شخصية عربية فرانكفورية أي من ساهموا بتعميق الحوار والتعاون بين الفضاءين الفرنسي والعربي، فأقول إن كرسي غازي القصيبي كان فرصتي لردّ الجميل للجامعة كما أنه خدمني وأنا في باريس، وأعتقد أنه من الشخصيات الملهمة، وقبل أسبوع كنت في البحرين وزرت بيت غازي القصيبي القديم وكم سعدت بزيارته وسأكون أسعد لو نفذوا ما اقترحته عليهم في أن يكون في جامعة البحرين فرعٌ لكرسي غازي القصيبي ويكون بالتنسيق مع كرسي غازي القصيبي الأصل في جامعة اليمامة.

ما الذي يجعل الكاتب أن يكتب سيرته الذاتية أو جزءًا من هذه السيرة؟

السيرة تكتب غالبًا في لحظة أزمة أو في نهاية العمر، حيث تبدأ مجابهة الموت بالكتابة وأظن كتابة السيرة تحديًا صعبًا، لأن كشف الذات أمام الأسرة والمجتمع والعال تتطلب جرأة ليست لدى أحد
 

إيلاف

التعليقات
الأخوة والأخوات

نرحب بالتعليقات التي تناقش وتحلل وتضيف إلى المعلومات المطروحة عن الموضوعات التي يتم عرضها في الصحيفة، ولكن الصحيفة تحمل المشاركين كامل المسؤولية عن ما يقدمونه من أفكار وما يعرضون من معلومات أو نقد بناء عن أي موضوع. وكل ما ينشر لا يعبر عن الصحيفة ولا عن المؤسسات التي تتبع لها بأي شكل من الأشكال. ولا تقبل الألفاظ والكلمات التي تتعرض للأشخاص أو تمس بالقيم والأخلاق والآداب العامة.

الاسم
البلد
البريد الالكتروني
الرمز
اعادة كتابة الرمز
التعليق
 
   
جميع الحقوق محفوظة ٢٠١٣
By QualTech