للاطلاع على محتويات الإعلان أنقر هنا  
صحيفة دولية تهتم باللغة العربية في جميع القارّات
تصدر برعاية المجلس الدولي للغة العربية

  موقع الجمعية الدولية لأقسام العربية           الموقع الجديد الخاص بالمؤتمر الدولي للغة العربية           الباحث العربي: قاموس عربي عربي         
الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة

روعة اللغة العربية - 6

أ. د. يحيى صالح دحامي

 

في يوم من أيامه المشهودة وعلى رأس رفقائه يقودهم، استولى عروة بن الورد، في مكان يُدعى ’موان‘، على ما مجموعه مائة من الإبلِ بعد قتل راعيها، وحمل  معه زوجة الراعي؛ وكان من عادة الفارس والشاعر عروة بن الورد أن يشارك الغنائم مع مجموعته بطريقة متساوية، في هذه الغارة استبقى لنفسه زوجة الراعي الذي كان قد أباده للتو، بالإضافة الى نصيبه من الابلِ، وخلافاً لما هو متوقع من رفاقه فقد وافقوا على تلك القسمة وترك المرأة له لكن على شرط أن يترك عروة لهم نصيبه من غنيمة الابل، استشاط عروة الغضب وحاول عازماً أن يصرعهم ويقتلهم نتيجة لردة فعلهم التي لم يتوقعها ولم يحمدها لهم، لكنه، كرجل نبيل وقائد لهذه الجماعة، تريثَ ومنع نفسه من تنفيذ ما هاجت به نفسه بإداء الأمر، واستدرك أن هؤلاء الناس عهدوا إليه قيادتهم وهو أولى الناس معرفة بسجايا وطبائع من يقودهم، هنا نجد أنه خَففَ من حدةِ نفسهِ وكَبَحَ غضبه، لكن شعوره الباطن كان مازال يغلي حزناً على تبدّل سلوكياتهم وولاؤهم نحو الطمع والتعالي بعد أن أخصبوا وتمولوا.
ونجد الاصفهاني في كتابه الأغاني يصف الموقف بأسلوب جميل نذكر منه:
أن عروة بن الورد كان إذا اعترت الناس سنة شديدة تركوا في مسكنهم المريض والكبير والواهن، وكان عروة يجمع أشباه هؤلاء من دون الناس من عشيرته في البلاء ثم يحفر لهم الأسراب ويكنف عليهم الكنف (أي المسكن ولذلك سماهم أصحاب الكنيف) ويكسبهم، ومن قوي منهم إما مريض يبرأ من مرضه أو واهن تثوب قوته خرج به معه فأغار وجعل لأصحابه الباقين في ذلك نصيبا (ومعنى ذلك أنه حتى هؤلاء القاعدين لهم نصيب من الغنائم على الرغم من أنهم لم يشاركوا في الإغارة) حتى إذا أخصب الناس وألبنوا وذهبت السنة الحق كل إنسان بأهله وقسم له نصيبه من غنيمة إن كانوا غنموها فربما أتى الإنسان منهم أهله وقد استغنى (ومرد ذلك أن عروة بن الورد لم يستحوذ على جماعته بالبقاء معه وتحت امرته بل ترك الامر لهم فيه خيار الذاهب والعودة لأهلهم أو البقاء معه).
وفي فترة من الفترات قُيّضَ له وهو مع قومٍ من هلاك عشيرته في شتاء شديد ناقتين دهماوين فنحر لهم إحداهما وحمل متاعهم وضعفاءهم على الأخرى وجعل ينتقل بهم من مكان إلى مكان وكان بين النقرة والربذة فنزل بهم ما بينهما بموضع يقال له ’ماوان‘ ثم إن الله عز و جل قيض له رجلا صاحب مائة من الإبل قد فر بها من حقوق قومه وذلك أول ما ألبن الناس فقتله وأخذ إبله وامرأته وكانت من أحسن النساء فأتى بالإبل أصحاب الكنيف فحلبها وحملهم عليها حتى إذا دنوا من عشيرتهم أقبل يقسمها بينهم وأخذ مثل نصيب أحدهم فقالوا لا واللات والعزى لا نرضى حتى تجعل المرأة نصيبا فمن شاء أخذها فجعل يهم بأن يحمل عليهم فيقتلهم وينتزع الإبل منهم ثم يذكر أنهم صنيعته وأنه إن فعل ذلك أفسد ما كان يصنع ففكر طويلا ثم أجابهم إلى أن يرد عليهم الإبل إلا راحلة واحدة يحمل عليها المرأة حتى يلحق بأهله فأبوا ذلك عليه حتى انتدب رجل منهم فجعل له راحلة من نصيبه فقال عروة في ذلك قصيدته التي أولها:

ألا إنّ أصحابَ الكنيفِ وجدتُهم كما الناس لما أخصبوا وتمولوا (ينظر في ديوان عروة، 1998 ص 91-93)

نستشعر من البيت أعلاه انتقال شاعرنا من تطبيق مشاعرة نحو اتباعه بالسيف إلى سلاح آخر له نفس الحدة والتجريح وربما أقسى، وكما هي طبيعته الابداعية في تصويره للإحداث في شكل قصصي روائي وكأنها ملحمة، باستثناء أن أبياته قصيرة التكوين، يرسم لنا عروة بن الورد هذه الواقعة باسلوبه الاستثنائي موضحاً حزناً شديداً كاد أن يأخذه إلى هلاكهم بسبب تنكرهم لخير صنيعه معهم وأن الفضل له في إعادة إحيائهم بعد أن كانوا أشباه الرجال وحياتهم عالة على الأخرين.
إن من الشعر لبلاغة، يستطيع الشاعر من خلال كلمات موجزات معبرات أن يختزل قصص طوال، في البيت أعلاه يرسم الشاعر بقلم فيه أحداثاً جسام حيث يصف من كانوا ضعفاء معوزين مهانين ينظر اليهم بنظرات السخرية والدونية، وهو الذي سما بهم من قعر هذا الجب الى امتطاء سحاب السماء كفرسان يعتد بهم ويخشاهم الأعداء ويعمل لهم الحساب، جماعته هؤلاء في بداية أمرهم كما ذكرنا في مقال سابق، كانوا عند الاسياد والنبلاء مجرد أشياء، فقام عروة بن الورد بالتطوع وجمعهم في ما يشبه البيت يعانيهم بالقول والعمل، يشد من ازرهم ويرفع من همهم ومقامهم، وكان أيضاً يعولهم كرب الاسرة الذي يعتبر أعالة اسرته واجباً مقدساً حتى اصبحوا فتيان اشداء اقويا فقادهم للغزو والاغارة تحت رايته، الشي الطبيعي هو أن كل هذا الجهد العظيم السخي الذي منحهم إياه عروة يفترض أن يقابل بالود والاحترام والطاعة والتضحية والتفاني في سبيله كردٍ جميلٍ لروعة صنائعه معهم، لكن ما حدث يشبه الانتكاسة، فبعد أن أقامهم وبناهم وشيّدَ سواعدهم بشكل يشبه الاعجاز كان رد فعلهم يشير إلى ابتعادهم عن التضحية والولاء.
الكنيف هو المأوى أو المكان الذي اكنفهم وأواهم وحماهم، هؤلاء الذين عورفوا بأصحاب الكنيف، يوضح الشاعر أنه ليس هناك فرق بينهم وبين الافراد الاخرين الذي لا يفكرون الا في أنفسهم واقتناء وامتلاك الثروات، فقد أدرك الشاعر أن أفراد هذه أخلاقهم وصفاتهم ليس بينهم فرق يميزهم عن عموم الناس الذين جل مسعاهم هو أنفسهم، لا يكتمل فهم البيت أعلاه إلا بربطه بالبيت التالي الذي يشير إلى استغراب صنيعتهم الدنية معه بعد كل ما صنع من أجلهم.

وإنّي لمَدفوعٌ إليّ ولاؤهم بماوان إذ نمشي وإذ نتململ 

يسرد لنا عروة قوله، من المفترض أن ولاؤهم وطاعتهم وانقيادهم تكون خالصة له حيث أنه صاحب الفضل في ما هم فيه وعلى وجه الخصوص عندما قادهم الى النجاة بعد ان كانوا على حافة الهلاك في ’موان‘، ووفق ما يؤرخ لنا ابن منقذ في مؤرخته المنازل والديار ومثل ذلك ما ذكر أبو القاسم محمد بن عمر الزمخشري في كتابه ’الجبال والأمكنة والمياه‘، بالإضافة إلى ديوان عروة بن الورد، ومثل ذلك في كتاب الاغاني فإن موان هو المكان الواقع بين النقرة والربذة، ويذكر لنا الحموي في ’مجمع البلدان، المجلد الخامس‘ أن موان إسم لبئر في ذلك المكان، وأين يكن فالمهم ليس المكان بقدر ما يشدنا الحدث وما تم فيه من وقائع جليلة خالدة خلود الزمان.
يتبع 7
 

التعليقات
الأخوة والأخوات

نرحب بالتعليقات التي تناقش وتحلل وتضيف إلى المعلومات المطروحة عن الموضوعات التي يتم عرضها في الصحيفة، ولكن الصحيفة تحمل المشاركين كامل المسؤولية عن ما يقدمونه من أفكار وما يعرضون من معلومات أو نقد بناء عن أي موضوع. وكل ما ينشر لا يعبر عن الصحيفة ولا عن المؤسسات التي تتبع لها بأي شكل من الأشكال. ولا تقبل الألفاظ والكلمات التي تتعرض للأشخاص أو تمس بالقيم والأخلاق والآداب العامة.

الاسم
البلد
البريد الالكتروني
الرمز
اعادة كتابة الرمز
التعليق
 
   
جميع الحقوق محفوظة ٢٠١٣
By QualTech