للاطلاع على محتويات الإعلان أنقر هنا  
صحيفة دولية تهتم باللغة العربية في جميع القارّات
تصدر برعاية المجلس الدولي للغة العربية

  موقع الجمعية الدولية لأقسام العربية           الموقع الجديد الخاص بالمؤتمر الدولي للغة العربية           الباحث العربي: قاموس عربي عربي         
الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة

الشاعر المـــظـــلوم نصـــيب بن رباح

د. سهام عبد الرحمن طيب

       

يعتبر العصر الأموي واحدا من أزهى عصور الأدب العربي وأكثرها ازدهارا وكثير من شعرائه يعدون من فحول الشعر العربي وكذلك نثره الذي لا يقل عن شعره في المستوى الفني الرفيع وقد ساعدت عدة عوامل على هذا الازدهار والرقي وأهم هذه العوامل تمثلت في الرخاء الاقتصادي والمادي الذي نعم به الناس مع وجود أحزاب سياسية أذكت جذوة الأدب وقد ساعدت العصبية القبلية التي  أشعلها الأمويون  على نهضة الأدب بالإضافة لتشجيع الخلفاء  والأمراء والولاة  للأدباء ومكافأتهم لهم بالجوائز والهدايا ومجالستهم ومنادمتهم  لهم مما جعل الشعراء يجودون أداءهم ويتسابقون إليهم  مادحين ومقرظين وشاعرنا هو نتاج  للسبب الأخير ولولاه لما كان نصيب لأنه لم تتح له الفرصة إلا أمام الأمراء والخلفاء 

     هو شاعر حجازي ,  لقب بأبي محجن  وقيل أبو الجحناء  , تاريخ ميلاده مجهول ويرجح جامع ديوانه – داؤود سلوم – أنه عام أربعة وأربعون من الهجرة  (44هـ ) أي في بداية حكم الأمويين وليس له نسب معروف فهو رقيق  أسود اللون وليس ممن يحفظ لهم نسب أو يعرف . وحتى رقه وعبوديته تختلف فيها الروايات فمنهم من نسبه لأب عربي من أم سوداء ومنهم من نسبه لأبوين نوبيين ( النوبة قبيلة تسكن جنوب مصر وشمال السودان ) . يقال أنه كان عبدا لكنانة وولد بقرية  تسمى ( ودان ) تقع بين مكة والمدينة  . ليس هنالك اجماع على سنة وفاته فقد قيل أنها عام (108 هـ ) وذهب الصفدي إلى أنه مات عام (120 هـ )  ولم يذكر أحد مكان وفاته ولا أين دفن . 
        عاش  مطلع  حياته كما يعيش أمثاله من العبيد , في معاناة من النظرة الدونية في مجتمع إسلامي تحكمه العصبية  وينفر من كل أسود وإن تفوق عليهم خلقا ونبلا وعفة . وكذلك كان نصيب  رجلا رقيقا يعرف ما يجب أن يقال وما لا يجب أن يقال ومتى يقال . ابتعد تماما عن الهجاء والفخر والدخول مع أقرانه الشعراء في صراعات وخصومات . لم ينظم الشعر إلا في الأغراض الشعرية التي لا ينظم فيها إلا أصحاب الحس المرهف والمشاعر الرقيقة ( اشتهر بالغزل والمديح  والرثاء ) . أرجع بعض الدارسين ذلك لأنه لا يجد مادة للفخر ولا يجرؤ على الهجاء لأنه أساسا خارج هذه المنافسة وهذا استنتاج خاطئ لأن الهجاء والفخر أساسا لم يكونا شائعين في بيئة الحجاز ومثله كان معاصروه  من الحجازيين ( عمر بن أبي ربيعة وجميل بن معمر وابن قيس الرقيات  وكثير عزة )  وكل هؤلاء كانوا من الغزليين وبيئة العراق هي التي اشتهرت بالهجاء والفخر في ذلك الوقت  
    لم يحفل النقاد ودارسو الأدب بتسجيل تفاصيل حياته خاصة في بداياتها وإن انتبهوا إليه في أخرياتها بعد أن فرضت موهبته نفسها وشق طريقه بعد لأي ومعاناة 
قال عن بدايته في قول الشعر : "قلت الشعر وأنا شاب فأعجبني قولي فجعلت آتي مشيخة   من بني حمزة بن بكر بن عبد مناة  - وهم موالي نصيب  - ومشيخة من خزاعة فأنشدهم القصيدة من شعري ثم أنسبها إلى بعض شعرائهم الماضين فيقولون : أحسن والله هكذا يكون الكلام وهكذا يكون الشعر فلما سمعت ذلك منهم علمت أني محسن "
وبعد أن تأكد  واقتنع أنه  أجاد النظم أخبر أقرب الناس إليه – أخته – فقالت له " إنا لله وإنا إليه راجعون ! يا بن أم أتجتمع عليك الخصلتان : السواد وأن تكون ضحكة للناس !"  وهذا قول مرير وفيه ظلم فأخته توقعت منذ البداية ما  سيواجه من المجتمع باستنكار الشعر على أمثاله واستكثاره عليه وسنرى فيما بعد صدق نظريتها التي كان يحسها كل منهما . فاستمعت إليه بعد ما دار بينهما من نقاش فقالت له : "أحسنت والله , في هذا والله رجاء عظيم فاخرج على بركة الله " .فأخبر والدته ولكنها ثبطته خوفا عليه من الضرب والسجن فخرج دون إذن أسياده فلحقوا به وأعادوه وحاول الكرة مرة أخرى ونجح فيها فيمم وجهه للمدينة المنورة والتقى فيها بالفرزدق – أحد أهم شعراء العصر – فأنشده شعره فما كان من الفرزدق إلا أن قال له " ويلك أهذا شعرك الذي تطلب به الملوك؟ قال نصيب  : " نعم  "  فقال الفرزدق :" إن استطعت أن تكتم ذلك على نفسك فافعل"  . وكان هناك رجل يستمع إلى حديثهما فنادى نصيبا وقال له: " أهذا شعرك الذي انشدته للفرزدق ؟ "  فقال:" نعم " فقال الرجل :" قد والله  أصبت والله لئن كان الفرزدق شاعرا فقد حسدك فإنا لنعرف محاسن الشعر فامضي لوجهك لا يكسرنك " فسر نصيب . فلو لا شدة عزمه وطموحه لتراخى ورجع عن نيته في قول الشعر  ,  فالفرزدق ذو باع طويل بتمييز الشعر وهو قد أدرك جيدا موهبة نصيب ولكنه استنكر أن يكون العبد الأسود منافسا له في سوق الشعر .
       مضى نصيب واتجه إلى مصر حيث كان واليها هو عبد العزيز بن مروان بن الحكم وتختلف الروايات في طريقة دخوله إليه ويقال أنه وجد أحد أهل الخير من الحاشية فقرأ عليه شعره . فتعجب الرجل مستكثرا عليه هذا النظم الجميل وقال له : " ويحك أهذا شعرك فإياك أن تنتحل فإن الأمير راوية عالم بالشعر وعنده رواة فلا تفضحني ونفسك  " فقال نصيب : " والله ما هو إلا  شعري  " فجهز نصيب نفسه بعد أن اقتنع الرجل بموهبته  و أتى في اليوم التالي بقصيدة وفي هذه الرواية أيضا استغراب واضح واتهام لنصيب بالانتحال . وفي رواية أخرى أنه استعان بقيس – حاجب الأمير – فدخل الأخير لعبد العزيز وقال له  : " بالباب رجل أسود يستأذن عليك بمدح قد هيأه لك  "  فظن عبد العزيز أنه ممن يُهزا بهم ويضحكهم فقال : " مره بالحضور ليوم حاجتنا له "  وهذا  يعني أنه لا يتوقع إجادة نصيب للمدح  . وهذه الرواية عن عبد العزيز بن مروان – إن صحت – ليس عارا على نصيب الذي ولد عبدا أسودا ولكنها عار على الأمير وعلى المبادئ التي نشأ عليها فالحكم لا يكون قبل الرؤية والسماع  والمنادمة . وبعد أربعة أشهر قال الأمير : " إلىِ بالأسود وكان يريد إضحاك الناس فدخل عليه وقال فيه أبياته المشهورة 
        لعبد العزيز على قومه          وغيرهم منن غامرة 
       فـــبابك  أســهل أبوابهم         ودارك مأهولة عامرة 
     وكفك حين ترى السائلين         أندى من الليلة الماطرة 
وفي رواية أخرى أن هناك شاعر يسمى (أيمن بن خريم ) يلازم الأمير  ويبدو أن الأخير مله وأراد أن يفهمه أن هناك شاعر أسود يتفوق عليه فجهز في حضرته هذا المشهد المفاجئ الهزلي  ليتخلص منه  . وقيل أن الأمير عندما رآه لأول مرة  قال له : " أنت شاعر ؟ ويلك " 
وقيل أن الأمير أدخل نصيب  ثم أدخل ( أيمن بن خريم ) وسأله عن ثمنه فقال أيمن : " أن سعره مائة دينار"  وقال الأمير : "  فإن له شعراً وفصاحة ً ؟ " فقال أيمن : " أتقول الشعر ؟ " قال نصيب : "  نعم  " قال :  " ثلاثون ديناراُ قال الأمير : " يا أيمن أترفعه وتخفضه أنت ؟"  قال  ::" لكونه أحمق أيها الأمير ما لهذا والشعر أمثل هذا يقول الشعر ؟ّ! " فأمر الأمير نصيب أن ينشد شعره وبعدها سأل الأمير أيمن  : " ماذا تسمع ؟ فقال أيمن : "  شعر أسود! هو أشعر أهل جلدته " قال : " هو والله أشعر منك " وصل نصيب أخيرا لبداية مشواره بعد رحلة من الذلة والاستهجان لتجراه على قول الشعر وبدأ في أخذ اعتباره واحتلال مكانة اجتماعية تعتبر حقا للعربي دون أن يكون شاعرا ممتازا . بعد ذلك حرر جميع أفراد أسرته  من الرق    
    ودخل على الخليفة  عبد الملك  بن مروان وكان عبد الملك قد عرف أن نصيا يحب امرأة عربية تسمى (أم بكر ) يكثر من التغزل بها وكان عبد الملك غيورا متعصبا في غزل العبيد بالعربيات فنهاه عن التغزل بها ! 
   ودخل على سليمان بن عبد الملك وكان معه الفرزدق وكلاهما مدح الخليفة ومعروف عن الفرزدق أنه يفخر بنفسه وآبائه أكثر مما يمدح ممدوحه فاُعجِب الخليفة بقصيدة نصيب وكافأه عليها ولم يكافئ الفرزدق وخرج غاضبا وقال : 
وخير الشعر أكرمه رجالاً          وشر الشعر ما قال العبيد 
وقد تطرقت في الفقرات السابقة لموقف الفرزدق من نصيب فهو أول من عرض عليه شعره وقد حاول إثناءه وابعاده عن قول الشعر ولكن الموهبة مع قوة العزيمة أبتا إلا أن يكون نصيبا شاعرا . مدح يزيد بن عبد الملك وعمر بن عبد العزيز وأدرك هشام بن عبد الملك وهو شيخ كبير فمدحه ورثى له إخوته وكان كل منهما يبكي على فقدهم وقال له مرة ( يا أسود بلغت غاية المدح ) 
استحق نصيب لقب ( شاعر الأمويين ) ولكن هيهات أن يعطى له هذا الشرف الرفيع فانتزع منه ليعتبر النقاد أن (الأخطل ) هو شاعر الدولة الأموية رغم معرفتنا أن الأخطل لم يكن متفرغا لمدحهم وأن النقائض قد شغلته عنهم ولكن طبيعة الحياة العربية تنزع الامتياز عن صاحبه مع معرفتهم باستحقاقه له مادام هو ليس واحدا منهم .
        وفي مواقف كثيرة عبر له الشعراء والنقاد  عن ازدرائهم له وسخريتهم منه . وقد قال مرة :
وكدت ولم أخلق من الطير إن بدا             لها بارق نحو العراق أطير 
وسمعه بن أبي عتيق فقال له : " يا بن أم قل غاق فإنك تطير " يعني أنه ( غراب أسود ) 
هجاه كثير من شعراء جيله وهاجموا سواده وها هو جرير يقول فيه : 
     كأنه لما بدا للناس              أ..... حمار لف في قرطاس 
وقال فيه كثير : 
  رأيت أبا الجحناء في الناس جائزا        ولون أبي الجحناء لون البهائم 
  تراه عــلى مالاحه مـــن ســـواده        وإن كان مظلوما له وجه ظالم 
       يعتقد  بعض النقاد أن شعراء زمانه قد لاحظوا وجود أسر معينة تتوارث الشعر  - من العرب - فاستنكروه عليه وازدروه وليس لمن يدعي هذا الأمر عذر  فالشعر موهبة تنميها البيئة ومن يدري هؤلاء أن في جذوره وأصوله ميراث شعري فالعرب ليست الأمة الوحيدة التي تعرف الشعر في العالم 
   والعبارة التي ترددت في عصره وبعده ونسبت للكثيرين من أنه ( أشعر أبناء جلدته ) , ليس فيها عدل ولا هي انصاف وفخر له  فمن هم أبناء جلدته الشعراء في ذلك العهد حتى يقارن بهم ؟!  وهي تعني ( أنك لا تستحق حتى وضعك مع الشعراء العرب في منافسة أو مقارنة ) ولو كنا منصفين لأدركنا أنه يتفوق عليهم لأن العبيد مكانهم مع البهائم في المراعي ومع النساء لخدمتهن فليس لهم مجالس رجال ليتثقفوا منها ويتعلموا أو حتى يلموا بمعلومات عن الحياة ولا كيفية التعامل ولا طريقة التخاطب ولا أدب الحوار ولا ......الخ . ويعتبر وصوله لهذه المرحلة تفوقا على من أتيحت لهم  مجالس اللغة  والأدب والدين والسياسة والمجتمعات والدليل على تفوقه عليهم هو تفضيل بني أمية له ولشعره ومنادمتهم له طوال حياته وهم من العرب الخلص الذين يحفظون  الشعر ويدركونه جيده من ردئه    
      الأمر الأكثر إيلاما هو عدم حفظ أشعاره  وضياعها فمعظمها قد فقد . وقد يكون  لموقف الرواة من خلفاء  الأمويين  ودولتهم أثر في ذلك  ومن المحتمل أنهم تعمدوا  اسقاط  هذا الشعر.  . وأهل النحو واللغة والبلاغة – مع اهتمامهم بشعراء القرن الأول الهجري –لم يستشهدوا له سوى بأبيات قليلة . بدأ الاهتمام به في القرنين الثالث والرابع  وبدأت الكتب تأخذ عنه بعض الشواهد ولكن ما ضاع من شعره فهو أضعاف أضعاف  ما وجد . أخذ النقاد في تبرير هذا الضياع بأن شعره نسب لغزليين آخرين . أو لأنه لم تكن له محبوبة معينة كشأن الآخرين  
       لم يقم أحد من النقاد أو الرواة أو المحققين بجمع شعر نصيب إلا داود سلوم في عام (1967 م ) ومجموع ما وجده من شعره هو واحدا وستون ومائة بيتاً (161) منها أربع عشرة قصيدة والبقية ما بين  ابيات  مفردة ومقطوعات  .  برر جامع الديوان ضياع شعر نصيب إلى أن شعره الغزلي نسب لشعراء آخرين خاصة أنه أكثر من التغزل باسم ليلى ويرجح أن شعره جمع مع شعر المجنون .  وقدر شعره الحقيقي بـ ( خمسة ألف بيت) باعتبار أنه عاش أربع وستون عاما (64) وقال الشعر وهو في العشرين من عمره أي أنه ظل ينظم الشعر أربعين عاما فإن كان ينظم عشرة أبيات في الشهر لكان مجموع شعره خمسة ألف بيت 
       وإن أنف العرب عن جمع شعره أو كانت هناك أسباب أخرى فإن نصيبا قد ظلم غاية الظلم – كشاعر و كإنسان  – في حياته وبعد مماته وطال الإهمال شعره , ولا نعلم هل كان ذلك عن قصد أم دون قصد والمؤكد أن عدم وجود قبيلة تسانده وعشيرة يتكئ عليها كان عاملا أساسيا في هذا الضياع  
     ولا يمكن أن ننكر انصاف نقاد العصر الذي يليه له وقيل أن الأصمعي كان ينشد شعره ويقول " قاتله الله ما أشعره " كما قال عنه الأصفهاني في الجزء الأول من كتاب الأغاني  : 
" كان شاعراً فحلا فصيحاُ مقدما في النسيب والمديح ولم يكن له حظ في الهجاء وكان عفيفا " وقال عنه الذهبي " إن شعره في الذروة " وقال عنه ياقوت الحموي   في  كتابه معجم الأدباء "من فحول الشعراء الإسلاميين وكان فصيحا ............"  . ووضعه بن سلام الجمحي في الطبقة السادسة مع الأحوص وكثير وجميل  .
          أنصفه النقاد بعد وفاته أما الرواة فلم يهتموا بجمع شعره وأما شعراء عصره ونقاده فقد سخروا منه وقللوا من شأنه . وأما المحققين فلم يجدوا له مادة لأن من سبقوهم أهملوه  عامدين أو غير عامدين !! فالأمر يستوي والمحصلة واحدة هي ضياع شعره . 
 

التعليقات
الأخوة والأخوات

نرحب بالتعليقات التي تناقش وتحلل وتضيف إلى المعلومات المطروحة عن الموضوعات التي يتم عرضها في الصحيفة، ولكن الصحيفة تحمل المشاركين كامل المسؤولية عن ما يقدمونه من أفكار وما يعرضون من معلومات أو نقد بناء عن أي موضوع. وكل ما ينشر لا يعبر عن الصحيفة ولا عن المؤسسات التي تتبع لها بأي شكل من الأشكال. ولا تقبل الألفاظ والكلمات التي تتعرض للأشخاص أو تمس بالقيم والأخلاق والآداب العامة.

الاسم
البلد
البريد الالكتروني
الرمز
اعادة كتابة الرمز
التعليق
 
   
جميع الحقوق محفوظة ٢٠١٣
By QualTech