للاطلاع على محتويات الإعلان أنقر هنا  
صحيفة دولية تهتم باللغة العربية في جميع القارّات
تصدر برعاية المجلس الدولي للغة العربية

  الإعلان عن بداية التسجيل في المؤتمر الدولي الثامن للّغة العربية           مسابقة ألف قصيدة في اللغة العربية           عاجل جدا... لقد تغير بريد المجلس الدولي للغة العربية الإلكتروني           الموقع الخاص بالمجلس الدولي للغة العربية           الموقع الخاص بالمؤتمر الدولي للغة العربية           الباحث العربي: قاموس عربي عربي         
الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة

مآلات أيام الاحتفاء باللغة العربية

أ. إسَلمُو ولد سيدي أحمد

 

في 18 ديسمبر/ كانون الأول، تحتفل الأسرة الدولية سنويا باللغة العربية، في إطار الاحتفال باليوم الدوليّ للغة الأم. ولهذا التاريخ رمزية خاصة تكمن في أن هذا اليوم هو الذي صدر فيه قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة، سنة 1973م ، بإدخال اللغة العربية ضمن اللغات الرسمية ولغات العمل المقررة في الجمعية العامة ولجانها الرئيسة. وفي فاتح مارس/ آذار، من كل سنة، تحتفل الأسرة العربية بيوم اللغة العربية. ومع أن الاحتفاء باللغة العربية في هذين اليومين- من كل سنة- قد لا يغير من الواقع الشيء الكثير، فإنه- على كل حال- مناسبة لتحسيس الرأي العام حول ما تعانيه اللغة العربية، في عقر دارها، من تهميش و إهمال وإقصاء. كما أنه فرصة سانحة لوقفة تأمل في مآلات هذه الاحتفالات ونتائجها، وهل جاءت- من خلال ما يعرض فيها من براهين وحجج على قدرة اللغة العربية- بإضافات نوعية واقتراحات عملية من أجل إقناع المسؤولين العرب باتخاذ قرارات حاسمة وملزمة بتفعيل الدساتير العربية التي تنص جميعا على أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية للدول العربية كافةً، ممّا يقتضي أن تكون لغة التدريس والإدارة وسائر المرافق الحيوية. ولا شك في أنّ مكتب تنسيق التعريب بالرباط، التابع للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، يعدّ من أهم مؤسسات العمل العربيّ المشترك التي قدمت خدمات جليلة للغة العربية، بالتعاون مع مجامع اللغة العربية والمؤسسات العربية المعنية والمهتمة. وبما أن المقام لا يسمح باستعراض جهود هذا المكتب، فسأكتفي بالإشارة إلى أنه أشرف على إعداد (40) معجما موحّدا بثلاث لغات(العربية/ الإنجليزية/ الفرنسية)، تغطي مصطلحاتها معظم الحقول المعرفية. ويُصدِر- مرتين في السنة- مجلته الرائدة المحكَّمة"اللسان العربيّ" الذائعة الصيت، لما تتضمنه من بحوث ودراسات متخصصة في مختلِف الحقول المعرفية. وفي مجال تعاونه مع بعض المؤسسات الدولية، يقوم المكتب منذ ثلاث سنوات- في إطار التعاون العربيّ الألمانيّ- بالمشاركة مع بعض الجهات الألمانية في تنفيذ مشروع عملاق، يعرف ب(arabterm)، يتجسد في إصدار (20) معجما (بمعدل مجلد في كل سنة، على الأقل)، بأربع لغات(العربية/ الإنجليزية/ الفرنسية/ الألمانية)، تغطي مصطلحات هذه المجلدات أهم المجالات العلمية، على أن تكون هذه المصطلحات وتعريفاتها وشروحها متاحة على الشابكة(الإنترنت). وقد صدر اثنان من هذه المعجمات، أحدهما في مجال السيارات، والثاني في مجال المياه، ويجري العمل هذه في إعداد المجلد الثالث في مجال الطاقات المتجددة. ويكفي مكتب تنسيق التعريب فخرا، أنه يشرف، كل سنتين أو ثلاث سنوات-أوحسب ما تسمح به الظروف- على عقد مؤتمر للتعريب يعرض عليه مشروعات معجمية جديدة، لدراستها وإقرارها، بالإضافة إلى بحوث ودراسات متخصصة، تعالج بعض قضايا اللغة العربية والتعريب والترجمة والمصطلح وصناعة المعجمات المتعددة اللغات. ويسرني أن أسلط الضوء على بعض التوجهات العامة لمؤتمرات التعريب، من خلال مقتطفات مختارة من توصياتها. وذلك على النحو الآتي: جَاءَ في التقرير الصادر عن المؤتمر الثاني للتعريب الذي عُقِدَ بالجزائر سنة1973 م :
-اللغة مُقَوِّم رئيس من مقومات وُجُود الأمّة واستمرارها. وكلّ خَطَر يُهدِّد اللغة هو خطر يهدد شخصية الأمّة واستمراريتها وارتباط ما بين أجيالها.
-إنّ تأصيل العلوم وانتشار المَعارِف في أُمَّة من الأمم لا يكون إلّا بلغتها...
-إنّ اللغة العربية قادرة على أن تكون لغة العلم الحديث: تَدْرِيسًا وتَأليفًا وبَحْثًا. وذلك بحكم طبيعتها وخصائصها وتراثها الذي أسهمت به في الحضارة الإنسانية.
وجَاءَ في تقرير المؤتمر الرابع للتعريب الذي عُقِدَ بطنجة سنة 1981م :
-الإيمان المُطْلَق بأنّ اللغة العربية - وهي لغة القرآن الكريم- أقوى الروابط التي تربط بين أجزاء البلاد العربية لتتجاوز عوامل التجزئة والتقسيم التي تعانيها.
-التعليم باللغة العربية ليس استجابةً للمشاعر القومية ولا زلفى لها ولكنه كذلك استجابة للحقائق التربوية التي أثبتت أنّ تعليم الإنسان بلغته أقوى مردودًا وأبعد أثَرًا وأنّه أحفل بالنتائج الخيِّرة من الناحيتين الكمّية والكيفية.
وجاء في التقرير الختاميّ للمؤتمر الثاني عشر للتعريب الذي عُقِد بالخرطوم ابتداءً من 17نوفمبر/تشرين الثاني 2013م :
-يوصي المؤتمر جمهورية السودان أن تقدم مشروعا لاجتماع القمة العربية القادم، بخصوص إصدار قرار سياديّ، يوجه كل الدول العربية بالتعريب الشامل لمؤسسات التعليم، قبل الأساس، والأساس، والثانويّ، والجامعيّ.
-يوصي المؤتمر المؤسسات العربية المعنية بخدمة اللغة العربية، أن تتواضع على خُطة مدروسة لتطبيق التعريب، وتنسيق المجهودات، سعيا للوصول إلى الغايات المرجوة التي تخدم اللغة الجامعة.
-يوصي المؤتمر وزراء الصحة العرب، وعمداء كليات الطب بالوطن العربيّ، أن يعتمدوا (المعجم الطبيّ الموحَّد) أساسا لتعريب العلوم الطبية.
-يوصي المؤتمر وزراء الإعلام ووزراء الثقافة العرب، أن يتفقوا على خُطة توجه المؤسسات الإعلامية إلى اعتماد اللغة العربية الفصيحة المشتركة، في جميع البرامج.
-يوصي المؤتمر وزراء التربية والتعليم بالوطن العربيّ، أن يؤكدوا تطبيق المنهج الوطنيّ في كل بلد عربيّ على كل مؤسسات التعليم حكومية وخاصة.
-يوصي المؤتمر اتحاد الصيادلة العرب أن يعمل مع كل الجهات الخاصة بإنتاج الدواء، لكتابة النشرات الإرشادية المصاحبة للدواء باللغة العربية.
-يوصي المؤتمر هيئات الطيران المدنيّ بالعالم العربيّ، أن توجه شركات الطيران العربية أن تكتب البيانات الخاصة بتذاكر السفر الداخلية، وتذاكر السفر بين البلاد العربية، أن تكتبها باللغة العربية.
وأذكِّر القارئ الكريم بأنّ المؤتمر الأول للتعريب، عُقِد بالرباط سنة 1961م، وعقد بعده (11) مؤتمرا، كان آخرها المؤتمر الثاني عشر بالخرطوم. وكانت التوصيات باستعمال اللغة العربية في التعليم، بمختلف مستوياته وأنواعه، تتكرر في كل مؤتمر. ومن المفارقات العصية على الفهم، أن هذه المؤتمرات يحضرها وزراء التربية والتعليم في الوطن العربيّ، أو من ينوب عنهم، وتشارك فيها مجامع اللغة العربية واتحادها، والجامعات واتحادها، وعدد كبير من المؤسسات العربية المتخصصة، والعلماء، والمفكرون، والخبراء، والمثقفون، والكتاب، والصحفيون...ومع ذلك فإن التوصيات الصادرة عن هذه المؤتمرات تظل حبرا على ورق، ولا تجد من يلتفت إليها، بل تبقى حبيسة في الرفوف إلى أن يحين موعد اللقاء في مؤتمر جديد للتعريب لإصدار توصيات جديد، ينتظرها المصير نفسُه.
إنّ مشكلتنا، في عالمنا العربي:، هي أننا لا ننفذ التوصيات التي يصدرها أهل الاختصاص، ولا نطبق القوانين التي تسنها مؤسساتنا التشريعية، ولا نلتزم بمقتضيات الدساتير التي هي نصوص ذات مرجعية سامية.
وبسبب هذا التراخي والتقاعس عن استعمال اللغة العربية، في التعليم والإدارة وسائر المرافق الحيوية، بدأت في الآونة الأخيرة جماعات، معادية للغة العربية (انطلقت من جمعية أهلية مغربية)، تنادي بضرورة استعمال العامية في التعليم، لأن العربية الفصحى-حسَب زعمهم- هي السبب في ما وصل إليه التعليم من تدهور. ولحسن الحظ، فإن هذه الجماعات محدودة وشبه معزولة مجتمعيا. وما زالت أصداء هذه الدعوات تتفاعل في الصِّحافة المغربية. من ذلك، ما كتبه جمال بدومه، تحت عنوان: التعليم و"الكوفيتير". وقد اخترت منه، للقراء الكرام، ما يأتي: "..."اللغة سلطة" كما يقول رولان بارت، والنقاش اللغويّ في المغرب، كما يطرحه المدافعون عن استبدال الدارجة بالفصحى، يخفي رهانا على السلطة. هناك في المغرب طبقة "فرانكوفونية" سيطرت على خيرات البلاد منذ الاستقلال، يُخِيفُها النفوذ المتزايد للغة العربية الفصحى، داخل المغرب وخارجه. أشخاص بألسنة معقودة، لا يتقنون إلّا الفرنسية ويتلعثمون حتى بالدارجة التي يدَّعون الدفاع عنها، يخشون أن يؤدي تصاعد النفوذ الإعلاميّ والاقتصاديّ للعربية إلى تهميشهم وتهميش أولادهم، لصالح جيل من المغاربة تخرج معظمه من المدارس العمومية، وكثير منهم يتحدث، بالإضافة إلى العربية، لغة أو لغتين دون أية عقدة...هذا هو بيت القصيد. عندما يدعوك شخص إلى التخلي عن شيء لا يستطيع الوصول إليه، من الصعب أن تثق في دعوته، لأنه مثل القط الذي يقول عن قطعة اللحم "خانزة" فقط لأنها ليست في متناول أنيابه...".
)المصدر: جريدة "المساء" المغربية. العدد:2219بتاريخ: 14 نوفمبر/ تشرين الثاني 2013 م).                 وتحت عنوان: أعداء العربية، كتب/ صلاح بو سريف:
" من الإهانة لشعب أن تُنسَب إليه العامّيَة في وُجود الفُصْحَى" (طه حسين). " لم تكن اللغة العربية عائقا في تطور الثقافة والفكر العربييْن، وليست اللغة، في ذاتها، هي ما يمكنه أن يقتل الرغبة في البحث والتجديد. وهذا بقدر ما يسري على العربية، يسري على غيرها من اللغات العالمية، وحتى اللغات التي لا يتجاوز استعمالها بضعة ملايين من الناس...الخلل في هذه الزاوية ليس خللا في اللغة ذاتها، بل هو خلل في النظر إلى هذه اللغة، والجهل بها.  فالذين يدْعون اليوم إلى استبدال العامية بالفصحى أشخاص لا يعرفون العربية، ولا علاقة لهم بها، كما أنهم لا يعرفون حتى العامية، التي هي لغة الشعب، وهم لم يخرجوا من هذا الشعب، ولم يعيشوا معه، لأنهم كانوا يعيشون خارج الوطن، لغة، وفكرا، وثقافة، وتعليما، وهذا من الأمور التي تجعلهم يدعون إلى تعليم أبناء المغاربة كل اللغات إلّا العربية، التي اعتقدوا أو توهّموا أنها لغة ثانوية، أو لغة ميتة كما يتصورون...أليس هذا استخفافا بالعقول واستخفافا بمقدرات الشعب المادية والمعنوية ؟ فحين نستخف بلغة شعب، أو شعوب بالأحرى، فنحن نستخف بعقل أمة وتاريخها وحضارتها، تاريخ لم يبدأ البارحة، ولا هو تاريخ مصنوع من ورق. مَن يقرأ تاريخ العربية، ويتعلمها، سيدرك أنها لغة عظيمة، ولغة إبداع، وخلق، ولغة ابتكار وسيرورة..."
(المصدر: جريدة "المساء" المغربية. العدد: 2217، بتاريخ: 12 نوفمبر/ تشرين الثاني 2013 م). ولابدهنا من التذكير بأن علاقة اللغة العربية الفصيحة بعامياتها، علاقة عضوية ومستمرة على مر العصور، لكن الفصحى هي اللغة المعيارية المقعَّدة، وهي بذلك لغة العلم ونقل المعارف المختلفة. وللعاميات مجالاتها التي لا يستهان بها، والتي لا يمكن أن ترقى إلى مستوى اللغة الفصيحة. ثم إنّ العاميات العربية، تختلف من بلد عربيّ إلى آخر، ومن منطقة إلى أخرى داخل القطر الواحد، ومن ثَمَّ فإنها غير صالحة للتدريس. ولا يفوتني، بهذه المناسبة، أن أشير إلى أنّ اللغة العربية الفصيحة هي البوتقة التي تنصهر فيها الوحدة الفكرية للأمة العربية، وهي بذلك من أهمّ عوامل الوحدة ، لما تُتيحُه من سهولة في التفاهم والتعاون وتنفيذ المعاملات التشاركية في مختلِف المجالات. ومن المُفارَقات ،العصيّة على الفهم، أن يَتَّحِد الأوربيون، على الرُّغْم من اختلاف لغاتهم، ويعجز العرب عن إقامة اتحاد خاصّ بهم، مع أنّهم يتحدّثون لغة واحدة. بالإضافة إلى الوحدة العَقَدِية(العَقائدية)، حيْثُ تزيد نسبة المسلمين، في الأقطار العربية ، على(90) في المائة.  وبخصوص موضوع التعريب، فمن غير المفهوم، بل ومن الغريب، أن يظل أصحاب القرار يترددون ويتخوفون من تعريب التعليم والإدارة، في الوقت الذي يرى فيه أهل الاختصاص أنّ : تعريب الإدارة(إحْلال اللغة العربية مَحَلَّ اللغة الأجنبية)، في الوطن العربي= تقْريبها من المُواطن= تفاعل إيجابيّ بَيْنَ الحاكِم والمَحكُوم= اختِصار الوقت المُخَصَّص لِإنجاز العمل= زِيادَة الإنتاج. وأنّ:
تعريب التعليم، في الأقطار العربية= فهم جيِّد= اسْتِيعاب= إبْداع= تَقَدُّم عِلْميّ= تَفاهم جَيِّد بَيْنَ المتعلِّمين، سواء أكانوا عربا أم من أصل غير عربيّ وتعربوا من خلال متابعة تعليمهم باللغة العربية الموَّحَّدة(بفتح الحاء) والموحِّدة (بكسر الحاء). يضاف إلى ذلك أنّ اللغة العربية من أهم عوامل وحدتنا التي فيها قوتنا(الاتّحاد قُوَّة )، ومن هنا، وأُسْوَةً بالاتّحاد الأُوروبيّ والاتّحاد الإفريقيّ ، فقد آنَ الأَوانُ لِقِيام الاتّحاد العربيّ ، وإصْدار العُمْلَة العربية الموحَّدَة ، وجواز السفَر العربيّ الموحَّد ، وإلْغاء تأْشِيرة الدُّخول ، وتمْكين المُواطِن العربيّ مِن حَقِّه في ما أصْبَحَ يُعْرَف بالحُريات الخَمس:  حرية التنقُّل، والإقامة، والعَمَل، والتمَلُّك، والمُشارَكَة في الانتخابات. وإحْلال اللغة العربية مَحَلَّ اللغة الأجنبية ، ونشرها بين جميع مكونات شعوبنا- من العرب وغير العرب-لِأنَّ كسر الحاجز اللغويّ هو اللبِنة الأولى في بناء صَرْح وحدة وطنية قابلة للاستمرار. ثم إنّ المواطنة تقتضي أن يكون أبناء الشعب الذين يعيشون فوق تراب الوطن أو يحملون جنسيته، متساوين أمام القانون في الحقوق والواجبات دون تمييز. و بذلك يستطيع المواطِن أن يشارك مشاركة فاعلة في بناء وطنه، من خلال ما ينعم به ويحسّه من حرية ومساواة في ممارسة أنشطته المختلِفة. و جاء في المادة(1) من الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان: "يُولَد جميع الناس أحرارا و متساوين في الكرامة والحقوق...
و في المادة(8):"لأيّ شخص حقّ اللجوء إلى المحاكم الوطنية المختصّة لإنصافه من أيّة أعمال تنتهك الحقوق الأساسية التي يكفلها له الدستور أو القانون.
و في المادة(23): "الحق في العمل، و في أجْر متساو على العمل المتساوي"...
و مع ذلك، فإنّنا نلاحظ ، في بلداننا العربية ، أنّ أبناءنا الذين يدرسون العلوم باللغة الأجنبية (الإنجليزية والفرنسية، على سبيل المثال)، تكون فُرَصُهم أفضل، في الحصول على وظيفة، و على أجْر أكبر، من نُظَرائهم الذين درسوا العلومَ نفسَها باللغة العربية، لأنّ قطاعات حيوية كبيرة- في الوطن العربيّ-غيْرُ مُعَرَّبة. ومعنى ذلك أنّنا لو عرّبنا هذه القطاعات ، لَحَدَثَ العكس. و من هنا، فإنّ التعريب(إحلال اللغة العربية محلّ اللغة الأجنبية)، يدخل في صميم الحقوق اللغوية للمواطن العربيّ. مع ملاحظة أنّني لم أتحدّث عن حقوق المواطن في الإسلام وهي غنية في هذا المجال. ولعلنا، للاعتبارات المشار إلى بعضها، بحاجة ماسة وعاجلة إلى سياسة لغوية عربية موحدة، تساعدنا على الخروج من هذا الوضع اللغويّ الشاذ.  ومن مظاهر هذا الوضع غير المقبول، ما يلاحظ من عدم حضور اللغة العربية في شؤون الحياة اليومية للمواطن العربيّ( بصفة خاصة في بعض بلدان المغرب العربيّ). من ذلك، أنني تابعتُ في السنة المنصرمة، برنامَجا،على إحدى الفضائيات، اُعِدَّ بمناسبة اليوم العالميّ للغة العربية(18 كانون الأول/ديسمبر). و قد فُوجِئتُ بأنّ أحد المتحدِّثين ،من تونس الشقيقة، يقول إنّ (95) في المائة من مواطني هذا البلد العربيّ الأصيل، يعَبِّئون الصُّكُوكَ(الشيكات)المصرفية باللغة الفرنسية.
لا أدري- في الحقيقة- مدى دقّة هذه النسبة. و على افتراض أنّ هذه المعلومة صادرة عن مصدر موثوق به، فإنّ الأمر يدعو إلى دقّ ناقوس الخطر، وإجراء دراسات وإحصاءات مشابهة في البلدان العربية كافّةً، و في مختلِف القطاعات، لمعرفة مدى استخدام المواطن العربيّ للغته في حياته اليومية.
و يساعد هذا النوع من الإحصاءات في رسم سياسة لغوية عربية لمعالجة بعض الظواهرالخطيرة التي توحي بعدم ثقة المواطن العربيّ في لغته. و لا شكّ في أنّ ضعف استعمال اللغة العربية في هذه القطاعات الحيوية، هو أصل الداء.
و نظرا إلى أنّ اللغة تعيش بالاستعمال، فإنّ من واجبنا جميعا-شعوبًا وحكوماتٍ ومجتمعَا مدنيًّا- أن نعيد النظر في سياسة التعريب في الوطن العربيّ، هذه السياسة التي لن تقوم لها قائمة، قبل اتخاذ قرار سياسيّ ، عاجل وحاسم وملزم، بتعريب التعليم والادارة   وسائر المرافق الحيوية، كما ورد في توصيات مؤتمر التعريب الأخير بالسودان. ومن جهة أخرى، فلا بد من الاهتمام بسلا مة المتداوَل من اللغة العربية، مع ثورة الاتصال وتدفق المعلومات وإتاحتها وانتشارها بيسر وبسرعة غير مسبوقة، وما ترتب على ذلك من انتشار الأخطاء، من كل نوع. ويسرني، في هذا المجال، أن أشرك القراء الكرام في "خاطرة" نشرتها من قبلُ في صفحتي على الفيس بوك، بعنوان: (فرحة لم تكتمل)، جاء فيها: تَغْمُرُني فرحةٌ عارمة وأنا أشقّ "عُبَابَ هذا البحر الهادر المتلاطم الأمواج " ، وأقتَحِمُ هذه" السيولَ الجارفة " ، ممّا يُكتَبُ ، بلغتنا العربية الجميلة ، في صفحات هذا "العالم الافْتِراضِيّ" ، المنقول بواسطة مُحرِّكات البحْث المختلفة، على مواقع التواصل الاجتماعيّ الجماهيريّ المتعدّدة . ومَكْمَنُ فرَحِي وسعادتي ، هو هذا الانتشارُ الواسعُ للغة العربية ، في وسائل الاتصال الحديثة ، في الوقت الذي تُرْمَى فيه بأنها لغة حَجَريَّة مُتَقوْقِعَةٌ ، لا وجود لها- يُذْكَر- إلّا في دواوين الشعر وكتب التراث ... ولكن...ولابُدّ – في بعض الأحيان – من "لكن " الاستدراكية هذه ، عندما أتَوَغَّلُ في القراءة ، أتَأَسَّفُ على " حَجْم الخسائر " التي تتكبدُها اللغة العربية ( نَحْوًا وصَرْفًا وإملاءً وبَلَاغَةً وأُسْلُوبًا...)، وأُدرِكُ أنّ " أسلحة الجهل " ما زالت متفوقة على " أسلحة " اللغة العربية ، وأنّ " إرادة " الجهل ما زالت أقوى من إرادة أهل اللغة العربية !. وحينئذ ، أقول في نفسي: فرحة لم تكتمل!
أرجو أن تكتمل فرحتنا وفرحة أجيالنا القادمة، بالعناية بلغتنا العربية الجميلة، لغة القرآن الكريم، ولغة العلم والأدب والشعر والمعرفة...


التعليقات
الأخوة والأخوات

نرحب بالتعليقات التي تناقش وتحلل وتضيف إلى المعلومات المطروحة عن الموضوعات التي يتم عرضها في الصحيفة، ولكن الصحيفة تحمل المشاركين كامل المسؤولية عن ما يقدمونه من أفكار وما يعرضون من معلومات أو نقد بناء عن أي موضوع. وكل ما ينشر لا يعبر عن الصحيفة ولا عن المؤسسات التي تتبع لها بأي شكل من الأشكال. ولا تقبل الألفاظ والكلمات التي تتعرض للأشخاص أو تمس بالقيم والأخلاق والآداب العامة.

الاسم
البلد
البريد الالكتروني
الرمز
اعادة كتابة الرمز
التعليق
 
   
جميع الحقوق محفوظة ٢٠١٣
By QualTech