للاطلاع على محتويات الإعلان أنقر هنا  
صحيفة دولية تهتم باللغة العربية في جميع القارّات
تصدر برعاية المجلس الدولي للغة العربية

  دعوة لجميع طلاب وطالبات الدراسات العليا            الإعلان عن بداية التسجيل في المؤتمر الدولي الثامن للّغة االعربية ( 10 –13 إبريل (نيسان) 2019م الموافق 5 – 8 شعبان 1440هـ)           عاجل جدا... لقد تغير بريد المجلس الدولي للغة العربية الإلكتروني           الموقع الخاص بالمجلس الدولي للغة العربية           الموقع الخاص بالمؤتمر الدولي للغة العربية           الباحث العربي: قاموس عربي عربي         
الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة

معايير نقد الشعر عند الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه – 1

د. محمد عبد الله سليمان

      هذا البحث يتناول معايير نقد الشعر من خلال شخصية لها مكانتها العظيمة في وجدان الأمة المسلمة فقد عرف بالعدل ، والورع ، والتقوى ، والقوة في الحق والإصلاح الإداري والاجتماعي ، والفتوحات الإسلامية وقهر الروم والفرس إلى آخر القائمة من المناقب والمآثر التي لا تحصى ، وقد تناول الباحثون قديماً وحديثاً شخصية الخليفة عمر بن الخطاب من زوايا مختلفة تحدثوا عن شخصيته السياسية ، والاقتصادية ، والتشريعية ، والفكرية ، والعسكرية وغير ذلك وفي هذه الدراسة يتناول الباحث شخصية الخليفة عمر من زاوية أخرى لم يتعرض لها الباحثون ، وهي شخصيته الأدبية مما يؤكد على خاصية شمول الإسلام ، والشخصية الإسلامية حيث يعتبر الخليفة عمر نموذجا لهذه الشخصية الشاملة. وقد تطرق النقاد القدماء في  ثنايا كتبهم للخليفة عمر الأديب والناقد وقد تناثرت أحاديثهم هنا وهناك وهذا البحث يجمع هذه الأقوال المتناثرة في صعيد واحد ويتعرض لها بالدراسة ، حيث اتضح للباحث من خلال هذه الدراسة أن الخليفة عمر أديبا لايشق غباره ، فهو يمتلك حساً أدبياً رفيعاً ، وقدرة فنية كبيرة في نقد الشعر ، ومن خلال دراستنا لمعايير نقد الشعر عنده تبين لنا أنه صاحب رؤية نقدية واضحة المعالم ارتكزت على ثلاثة معايير مهمة هي المعيار الذوقي ، والمعيار الأخلاقي ، والمعيار الفني .
أولاً : المعيار الذوقي :
    الذوق واحد من معايير نقد الشعر التي تحدث عنها النقاد قديما وحديثاً " والذوق هو المرجع النهائي في كل نقد ، فالذوق الذي يعتد به هو ذوق ذوي البصر بالشعر، وهؤلاء عادة يستطيعون أن يعللوا الكثير من أحكامهم، وفي التعليل مايجعل الذوق وسيلة مشروعة من وسائل المعرفة "            ومما يجدر الإشارة إليه أن الخليفة عمر بن الخطاب كان يمتلك حاسة ذوقية رفيعة مع قدرته على التعليل للأحكام التي يطلقها على النص ، وهذا ما سيتضح لنا من خلال الوقائع التالية التي تؤكد هذه الحقيقة .
   كان عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، جالساً في أصحابه يتذاكرون الشعر والشعراء، فيقول بعضهم: فلانٌ أشعر، ويقول آخر، بل فلانٌ أشعر؛ فقيل: ابن عباس بالباب ، فقال عمر، رضي الله عنه: قد أتى من يحدث من أشعر الناس فلما سلم وجلس قال له عمر: يا ابن عباس من أشعر الناس؟ قال: زهير يا أمير المؤمنين، قال عمر: ولم ذلك؟ قال ابن عباس: لقوله يمدح هرماً وقومه بني مرة:
        لو كان يَقْعُدُ فوقَ الشّمسِ من كَرمٍ       قومٌ بأَوَّلِهـــم أو مَجْدِهِم قَعَدُوا
        قَومٌ أَبوهُمْ سِنَانٌ حينَ تَنسُبُهـــم      طابُوا وطابَ مِنَ الأولادِ مَن وَلَدُوا
        جِنٌّ إذا فَزِعُوا، إنسٌ إذا أَمــِنُوا           مُرَزّؤونَ  بَهاليلٌ  إذا جهـــدُوا
        مُحَسَّدونَ على ما كانَ مِــنْ نِعَمٍ      لا يَنزِعُ اللَّهُ عَنهُم مــا بِهِ حُسِدُوا
قال عمر: صدقت يا ابن عباس.
وخرج عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، وببابه وفد غطفان، فقال: أي شعرائكم الذي يقول:
ولَستَ بمُستَبقٍ أخاً لا تَلُمّهُ   على شَعَثٍ، أيّ الرّجالِ المُهَذَّبُ
قالوا: النابغة يا أمير المؤمنين، قال: فمن القائل:  
                 خَطاطيفُ حُجْنٌ في حِبالٍ مَتينَةٍ   تَمُدُّ بهـــــا أيدٍ إلَيكَ نَوازِعُ
   فإنّكَ كاللّيلِ الذي هـوَ مُدْرِكي    وإن خَلْتَ أنّ المُنتأى عنكَ واسعُ
قالوا: النابغة يا أمير المؤمنين، قال: فمن القائل:
               إلى ابنِ مُحَرِّقٍ أعمَلتُ نَفسي   وراحلَتي، وقد هدأتْ عُيونُ
               فألفَيتُ الأمـانَةَ لــم يَخُنْها    كذلكَ كانَ نُوحٌ لا يَخُـونُ
               أتَيتُكَ عــارِياً خـَلَقِاً ثِيابي   على خَوفٍ تُظَنّ بيَ الظّنونُ
قالوا: النابغة يا أمير المؤمنين! قال: فمن القائل:
إلاَّ سُلَيْمَانَ، إذْ قال المَليكُ له    قُم في البَرِيَّةِ فاحْدُدْها عن الفَنَدِ
قالوا: النابغة يا أمير المؤمنين! قال: هو أشعر شعرائكم.  
   هذه الاختيارات العمرية من شعر النابغة تعبر عن ذوقه الرفيع ، إحساسه المرهف، وقدرته على الانتقاء من الشعر مما يدل على خبرته به ومعرفته لجيده من رديئه .
      وذكروا أن الخنساء أقبلت حاجة، فمرت بالمدينة ومعها أناس من قومها، فأتوا عمر بن الخطاب، فقالوا: "هذه خنساء، فلو وعظتها فقد طال بكاؤها في الجاهلية والإسلام" ، فقام عمر وأتاها وقال: يا خنساء ، قال: فرفعت رأسها، فقالت: " ما تشاء وما الذي تريد" ؟ فقال:  "ما الذي أقرح مآقي عينيك " ؟ قالت: " البكاء على سادات مضر" . قال: " إنهم هلكوا في الجاهلية، وهم أعضاد اللهب، وحشو جهنم" ، قالت: "فداك أبي وأمي، فذلك الذي زادني وجعاً" ، قال:" فأنشديني ما قلت " ، قالت: " أما أني لا أنشدك ما قلت قبل اليوم، ولكني أنشدك ما قلته الساعة" ، فقالت:
        سَقى جَدَثاً  أَكنافُ غَمـرَةَ دونَهُ    مِـنَ الغَيثِ ديماتُ الرَبيعِ وَوابِلُه
        أُعيرُهُمُ سَمعي إِذا ذُكِرَ الأَسـى    وَفـي القَلبِ مِنهُ زَفرَةٌ ما تُزايِلُه
        وَكُنتُ أُعيرُ الدَمعَ قَبلَكَ مَن بَكى    فَأَنتَ عَلى مَن ماتَ بَعدَكَ شاغِلُه
فقال عمر: دعوها فإنها لا تزال حزينة أبدا.
 وسمع عمر بن الخطاب امرأة تنشد وتقول:
             فمنهن من تسقى بعذبٍ مبردٍ     نقاخٍ  فتلكم عند ذلك قرت
             ومنهن من تسقى بأخضرآجنٍ   أجاجٍ فلولا خشية الله فرت
     فأمر بإحضار زوجها، فوجده متغير الفم، فخيره جارية من المغنم أو خمسمائة درهم على طلاقها، فاختار الخمسمائة، فدفعت إليه، وخلى سبيلها.
 وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يعس بنفسه، فسمع امرأة تقول:
        ألا مـن سبيل خمرٍ فأشربهــا   أم هل سبيلٌ إلى نصر بن حجاج
        إلى فتى ماجد الأخلاق ذي كرمٍ     سهل المحيا كريـمٍ غير ملجاج
فقال عمر: " أما ما دام عمر إماماً فلا "  ، فلما أصبح قال: "علي بنصر بن الحجاج " ، فأتي به، فإذا هو رجل جميل، فقال: "اخرج من المدينة " قال: " ولم وما ذنبي" ؟ قال: " اخرج فو الله ما تساكنني" ، فخرج حتى أتى البصرة وكتب إلى عمر رضي الله عنه:
          لعمري لئن سيرتني وحرمتني     ولم آت اثما إنّ ذا لحـــرام
          ومـا لي ذنبٌ غير ظنٍ ظننته     وبعض تصـاديق الظنون إثام
          وإن غنت الذلفاء  يومـاً بمنيةٍ     فبعض أمــاني النساء  غرام
          فظن بي الظن الذي لـو أتيته      لما كان لي في الصالحين مقام
          ويمنعها ممــا تمنت حفيظتي     وآباء صدقٍ ســالفون كرام
          ويمنعها مما تمنت صــلاتها      وبيتٌ لها في قومهـا وصيام
          فهذان حالانا فهل أنت مرجعي      فقد جب  مني غاربٌ  وسنام
قال: فرده عمر بعد ذلك لما وصف من عفته.
   ويروى أيضاً أن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، كان يعس بالمدينة ذات ليلة، إذا سمع امرأة تهتف وتقول:
          تطاول هذا الليل واسود جانبه   وأرقـــني إذ لا خليل ألاعبه
          فو الله لولا  الله لا رب غيره    لزعزع من هذا السرير جوانبه
          ولكن ربي والحيــاء يكفني    وأكرم بعلي إن توطأ مـراكبه
قال: فرجع عمر إلى منزله، فسأل عن المرأة، فإذا زوجها غائب، فسأل ابنته حفصة: " كم تصبر المرأة عن الرجل " ؟ فسكتت، واستحيت، وأطرقت فقال: " أربعة أشهر، خمسة أشهر، ستة أشهر" ؟ فرفعت طرفها تعلم أنها لا تصبر أكثر من ستة أشهر، فكتب إلى صاحب الجيش أن يقفل من الغزو الرجل إذا أتت ستة أشهر إلى أهاليهم.
قال أبو محمّد: ولمّا استشهد زيد بن الخطّاب يوم مسيلمة ودخل متمّم على عمر بن الخطّاب فقال له: أنشدني بعض ما قلت في أخيك، فأنشده شعره الذي يقول فيه:
           وكنّا كندماني جذيمـة حقبة   من الدّهر حتّى قيل لن يتصدّعا
           فلمّا تفرّقنا كأني ومــالكا   لطول اجتماع لم نبت ليلة معـا
فقال له عمر: يا متمّم، لو كنت أقول الشعر لسرني أن أقول في زيد بن الخطاب مثل ما قلت فى أخيك، قال متمّم: يا أمير المؤمنين، لو قتل أخي قتلة أخيك ما قلت فيه شعرا أبداً ، فقال عمر: يا متمم، ما عزّاني أحد في أخي بأحسن ممّا عزيتني به.
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لعمرو بن معد يكرب: أخبرني عن الحرب. قال: مرّة المذاق إذا قلصت عن ساق، من صبر فيها عرف ومن ضعف عنها تلف.   
        الحرب أوّل مـــا تكون فتيّة       تسعى بزينتها لكلّ جهــول
       حتى إذا استعرت وشبّ ضرامها     عادت عجوزاً غير ذات خليل
       شمطاء  جزّت رأسهـا وتنكّرت      مكــــروهة للّثم والتقبيل
ويروى أن أبا شجرة السلمي وكان من فتاك العرب فأتى عمر بن الخطاب رضي الله عنه يستحمله ، فقال له عمر: ومن أنت? فقال: أنا أبو شجرة السلمي، فقال له عمر: أي عدي نفسه، ألست القاتل حيث ارتددت:
        ورويت رمحي من كتيبة خـالدٍ   وإني لأرجــو بعدها أن أعمرا
       وعارضتها شهباء  تخطر  بالقنا   ترى البيض في حافاتها والسنورا
ثم انحنى عليه عمر بالدرة، فسعى إلى ناقته فحل عقالها وأقبلها حرة بني سليم بأحث السير هرباٌ من الدرة، وهو يقول :
       قد ضن عنهـا أبو حفص بنائله   وكل مختبط يوماٌ له ورق
       مازال يضربني حتى خذ يت له   وحال من دون بعض الرغبة الشفق
       ثم التفت إليها وهـــي حانية   مثل الرتاج  إذا مـــا لزه  الغلق
       أقبلتها الخل من شوران مجتهداٌ   إني لأزري عليهـــا وهي تنطلق
   وكان الخليفة عمر بن الخطاب كثير الاستدلال بالشعر وربما يرجع ذلك إلى كثرة محفوظه منه ، وتذوقه له ، وإدراك نجاعة مفعولة في معالجة الأمور ، "عن محمد بن سلام عن ابن جعدبة قال: ما أبرم عمر بن الخطاب أمرا قط إلا تمثل ببيت شعر.   ويروى أن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، كان يتمثل بهذين البيتين:
         قوم سنان أبوهم حين تنسبهـم     طابوا وطاب من الأولاد ما ولدوا
         محسودون على ما كان من نعم    لا ينزع الله منهم مــا له حسدوا
   قيل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: قيل للأوسية أي منظر أحسن؟ فقالت: قصور بيض في حدائق خضر، فأنشد عند ذلك عمر بن الخطاب، بيت عدي بن زيد العبادي:
كدمى العاج في المحاريب أو كالـ     بيض في الروض زهره مستنير
وهذه الاستدلالات التي ذكرناها وغيرها تؤكد على ذوق الخليفة عمر الفني الرفيع ، وعلى حسن اختياره للشعر ، ومعرفته بمعانيه والاستشهاد به فيما يناسبه من المواقف.

 

 

 

التعليقات
الأخوة والأخوات

نرحب بالتعليقات التي تناقش وتحلل وتضيف إلى المعلومات المطروحة عن الموضوعات التي يتم عرضها في الصحيفة، ولكن الصحيفة تحمل المشاركين كامل المسؤولية عن ما يقدمونه من أفكار وما يعرضون من معلومات أو نقد بناء عن أي موضوع. وكل ما ينشر لا يعبر عن الصحيفة ولا عن المؤسسات التي تتبع لها بأي شكل من الأشكال. ولا تقبل الألفاظ والكلمات التي تتعرض للأشخاص أو تمس بالقيم والأخلاق والآداب العامة.

الاسم
البلد
البريد الالكتروني
الرمز
اعادة كتابة الرمز
التعليق
 
   
جميع الحقوق محفوظة ٢٠١٣
By QualTech