للاطلاع على محتويات الإعلان أنقر هنا  
صحيفة دولية تهتم باللغة العربية في جميع القارّات
تصدر برعاية المجلس الدولي للغة العربية

  دعوة لجميع طلاب وطالبات الدراسات العليا            الإعلان عن بداية التسجيل في المؤتمر الدولي الثامن للّغة االعربية ( 10 –13 إبريل (نيسان) 2019م الموافق 5 – 8 شعبان 1440هـ)           عاجل جدا... لقد تغير بريد المجلس الدولي للغة العربية الإلكتروني           الموقع الخاص بالمجلس الدولي للغة العربية           الموقع الخاص بالمؤتمر الدولي للغة العربية           الباحث العربي: قاموس عربي عربي         
الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة

معايير نقد الشعر عند الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه - 2

د. محمد عبد الله سليمان

ثانيا :المعيار الأخلاقي :
     لقد أمدَّ الاتجاه الديني الأخلاقي نقد الشعر بالأساس النظري الذي كان يعوزه   قال النبي صلى الله عليه وسلم: " مَنْ قَالَ فِي الْإِسْلَامِ شِعْرًا مُقْذِعًا، فَلِسَانُهُ هَدَرٌ"   ولما أطلق عمر بن الخطاب رضي الله عنه الحطيئة من حبسه بسبب هجائه الزبرقان بن بدر قال له: إياك والهجاء المقذع، قال: وما المقذع يا أمير المؤمنين؟ قال: المقذع أن تقول هؤلاء أفضل من هؤلاء وأشرف، وتبني شعراً على مدح لقوم وذم لمن تعاديهم، فقال: أنت والله يا أمير المؤمنين أعلم مني بمذاهب الشعر، ولكن حباني هؤلاء فمدحتهم وحرمني هؤلاء فذكرت حرمانهم ولم أنل من أعراضهم شيئاً، وصرفت مدحي إلى من أراده ورغبت به عمن كرهه وزهد فيه، يريد بذلك قصيدته المهموزة التي يقول فيها:
وآنيت العشاء إلى سهيل     أو الشعرى فطال بي الإناء
وهي أخبث ما صنع   
    وكان الحطيئة جاور الزّبرقان بن بدر، فلم يحمد جواره، فتحوّل عنه إلى بغيض، فأكرم جواره، فقال يهجو الزبرقان ويمدح بغيضا:
     ما كان ذنب بغيض أن رأى رجلا    ذا حاجة عاش فى مستوعر شاس
     جارا لقوم أطالوا هــون منزله            وغــادروه مقيما بين أرمـاس    
     ملّوا قراه وهرّته كلابهــــم               وجرّحــــوه بأنياب وأضراس
     دع المكارم لا ترحل لبغيتهــا          واقعد فإنّك أنت الطّاعم الكاسـى
فاستعدى عليه الزبرقان عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأنشده آخر الأبيات ، فقال له عمر: ما أعلمه هجاك، أما ترضى أن تكون طاعماً كاسياً؟! قال: "إنّه لا يكون في الهجاء أشدّ من هذا" ، ثم أرسل إلى حسّان بن ثابت، فسأله عن ذلك، فقال: لم يهجه ولكن سلح عليه! فحبسه عمر، وقال: يا خبيث لأشغلنّك عن أعراض المسلمين.  
وإن الحطيئة لما حبسه عمر قال وهو أول ما قاله:
            أعوذ بجدك إني امـرؤٌ       سقتني الأعادي إليك السجالا
            فإنك خيرٌ مـن الزبرقان       أشد نكالاً وأرجــى نوالا
            تحنن علـي هداك المليك       فإن لكل مقـــامٍ مقـالا
            ولا تأخذني بقول الوشـاة      فإن لكل زمــانٍ رجـالا
            فإن كان ما زعموا صادقاً      فسيقت إليك نسـائي رجالا
            حـواسر لا يشتكين الوجا      يخفضــن آلاً ويرفعن آلا
فلم يلتفت عمر إليه حتى قال أبياته التي أولها:
ماذا تقول لأفراخ بذي مرخٍ
    عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: أرسل عمر إلى الحطيئة وأنا جالس عنده وقد كلمه فيه عمرو بن العاص وغيره فأخرجه من السجن فأنشده قوله:
         ماذا تَقولُ لِأَفراخٍ بِذي مَــرَخٍ      حُمرِ الحَواصِلِ لا ماءٌ وَلا شَجَرُ
         أَلقَيتَ كاسِبَهُم فــي قَعرِ مُظلِمَةٍ     فَاِغفِر عَلَيكَ سَـلامُ اللَهِ يا عُمَرُ
         أَنتَ الأَمينُ الَّذي مِن بَعدِ صاحِبِهِ     أَلقَت إِلَيكَ مَقــاليدَ النُهى البَشَرُ
         لَم يوثِروكَ بِها إِذ قَدَّموكَ لَهــا      لَكِن لِأَنفُسِــهِم كانَت بِكَ الخِيَرُ
         فامنن على صبيةٍ بالرمل مسكنهم     بين الأباطح تغشاهم بهـا القرر
         أهلي فداؤك كم بيني وبينهــم      من عرض داوية تعمى بها الخبر
 قال فبكى حين قال:
ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ
فقال عمرو بن العاص: ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أعدل من رجلٍ يبكي على تركه الحطيئة   
   وهجا النجاشي الحارثي بنى العجلان، فاستعدوا عليه عمر بن الخطّاب رضى الله عنه، فقال: ما قال فيكم؟ فأنشدوه  :
إذا الله عادى أهّل لؤم ورقة      فعادى بنى العجلان رهط ابن مقبل
 فقال عمر: إنّما دعا، فإنّ كان مظلوما استجيب له، وإنّ كان ظالما لم يستجب له، قالوا: وقد قال أيضاً:
قبيّلة لا يغدرون بذمّة      ولا يظلمون الناس حبّة خردل
فقال عمر: ليت آل الخطّاب هكذا! قالوا: وقد قال أيضاً:
ولا يردون الماء إلّا عشيّة     إذا صدر الورّاد عن كلّ منهل
فقال عمر: ذلك أقلّ للّكاك ! قالوا: وقد قال أيضاً:
تعاف الكلاب الضاريات لحومهم   وتأكل من كعب وعوف ونهشل
فقال عمر: أجنّ القوم موتاهم فلم يضيّعوهم! قالوا: وقد قال:
وما سمّى العجلان إلا لقيلهم   خذ القعب واحلب أيّها العبد واعجل
فقال عمر: خير القوم خادمهم (وكلّنا عبيد الله) !! ثم بعث إلى حسّان والحطيئة، وكان محبوسا عنده، فسألهما، فقال حسّان مثل قوله فى شعر الحطيئة، فهدّد (عمر) النجاشىّ وقال له: إن عدت قطعت لسانك.  " وعُمر كان أعلم بالشعر من قائله ولكنَّه أراد بهذا معنًى "   
وقال العائشي: كان عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- أعلم الناس بالشعر، ولكنه كان إذا ابتلي بالحكم بين النجاشي والعجلاني ، وبين الحطيئة والزبرقان، كره أن يتعرض للشعراء، واستشهد للفريقين رجالاً، مثل حسان بن ثابت وغيره، ممن تهون عليهم سبالهم، فإذا سمع كلامهم حكم بما يعلم، وكان الذي ظهر من حكم ذلك الشاعر مقنعا للفريقين، ويكون هو قد تخلص بعرضه سليما، فلما رآه من لا علم له يسأل هذا وهذا، ظن أن ذلك لجهله بما يعرف غيره  .
    ومقولة الخليفة عمرعن زهير: " لايمدح الرجل إلا بمافيه " تقف شاهدا على المعيار الأخلاقي " فعمر -رضي الله عنه- قدَّمَ زهيرًا على سائر الشعراء لسببين: أحدهما يرجع إلى المعاني, والآخر إلى الصياغة. فأما السبب الذي يرجع إلى المعاني: فهو أنه لا ينسب إلى ممدوحه فضائل ليست فيه، فهو يتحرّى الصدق في مدحه، على خلاف معظم الشعراء، وهكذا نرى المقياس الأخلاقيّ في نقد الشعر ظاهرًا جليًّا، وأما السبب الذي يرجع إلى الصياغة فوضوح ألفاظه وتراكيبه، وهذا السبب وثيق الصلة بالسبب الأول، فالشاعر الصادق الذي لا يتكلف في معانيه حريٌّ ألا يتكلف كذلك في ألفاظه، والشعر الذي يؤدي رسالة تعليمية حري أن يكون واضحًا كي يفهمه الناس.  وما أحسن ما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في وصف زهير حيث قال: إنه لم يكن يمدح الرجل إلا بما يكون للرجال، فإن في هذا القول، إذا فهم وعمل به، منفعة عامة، وهي العلم بأنه إذا كان الواجب أن لا يمدح الرجال إلا بما يكون لهم وفيهم، فكذا يجب أن لا يمدح شيء غيرهم إلا بما يكون له وفيه، وبما يليق به ولا ينافره   
   وعن عبد الله بن المُبارك، قال: اشترى عمرُ بن الخطاب أعراضَ المسلمين من الحُطَيْئة بثلاثة آلاف درهم، فقال الحُطَيْئة:
           واخَذْتَ أَطْرار  الكلام فَلـم تَدَعْ        شَتْماً يَضُرُّ ولا مَدِيحاً ينفعُ
     ومَنَعْتَني عِرَض البَخيلِ فَلَمْ يَخَفْ   شَتْمي فأصبحَ آمناً لا يَفْزَعُ  
   وقال عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، لابنه عبد الرحمن: يا بني! انسب نفسك تصل رحمك، واحفظ محاسن الشعر يحسن أدبك، فإن من لم يعرف نسبه لم يصل رحمه، ومن لم يحفظ محاسن الشعر لم يؤد حقاً ولم يقترف أدباً.  
   ومن خلال المعايير النقدية السابقة يتضح لنا أن الخليفة عمر قد اعتمد الذوق ثم التعليل ، وبهذا يكون أول ناقد انتقل بالنقد من مرحلة النقد الذوقي في الجاهلية القائم على التأثرية والانطباعية إلى النقد القائم على التعليل .

                                               


التعليقات
الأخوة والأخوات

نرحب بالتعليقات التي تناقش وتحلل وتضيف إلى المعلومات المطروحة عن الموضوعات التي يتم عرضها في الصحيفة، ولكن الصحيفة تحمل المشاركين كامل المسؤولية عن ما يقدمونه من أفكار وما يعرضون من معلومات أو نقد بناء عن أي موضوع. وكل ما ينشر لا يعبر عن الصحيفة ولا عن المؤسسات التي تتبع لها بأي شكل من الأشكال. ولا تقبل الألفاظ والكلمات التي تتعرض للأشخاص أو تمس بالقيم والأخلاق والآداب العامة.

الاسم
البلد
البريد الالكتروني
الرمز
اعادة كتابة الرمز
التعليق
 
   
جميع الحقوق محفوظة ٢٠١٣
By QualTech