للاطلاع على محتويات الإعلان أنقر هنا  
صحيفة دولية تهتم باللغة العربية في جميع القارّات
تصدر برعاية المجلس الدولي للغة العربية

  موقع الجمعية الدولية لأقسام العربية           الموقع الجديد الخاص بالمؤتمر الدولي للغة العربية           الباحث العربي: قاموس عربي عربي         
الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة

اللغة الشاعرة – 1

د. محمد سعيد حسب النبي

أشار العقاد في كتابه الرائع اللغة الشاعرة أن اللغة العربية بخصائصها المميزة لها اليوم في عصر سابق للدعوة الإسلامية، يرده علماء المقارنة بين اللغات إلى القرن الرابع قبل الهجرة، ويرجع -فيما يعتقده العقاد- إلى عصر قبل ذلك، لأن المقابلة بينها وبين أخواتها السامية يدل على تطور لا يتم في بضعة أجيال، ولابد له من أصل قديم يضارع أصول التطور في أقدم اللغات، ومنها السنسكريتية وغيرها من اللغات الهندية الجرمانية.
فلابد من أجيال طويلة تمضي قبل أن ينتهي تطور اللغة إلى هذه التفرقة الدقيقة بين أحكام الإعراب، أوبين صيغ المشتقات، أوبين أوزان الجمع والمثنى وجموع الكثرة والقلة في الأوزان السماعية، ولابد من فترة طويلة يتم بها تكوين حروف الجر والعطف وسائر الحروف التي تدخل في تركيب الجملة بمعانيها المختلفة، وتنفصل بلفظها من ألفاظ الأسماء والأفعال التي تولدت منها، وهي في بعض اللغات لم تنفصل عنها حتى اليوم.
ولكن هذه اللغة –على قدمها- تتجدد لها مزايا متعددة كلما تقدمت الدراسات الحديثة في العلوم اللسانية والصوتية، ويرجع الباحثون إلى خصائصها فيكشفون جانب المزية فيها وجانب الرجحان منها على غيرها، بعد أن كان فريق منهم يحسبها شذوذاً يدل على جمود في التطور على سنة اللغات الشائعة بين لغات الحضارة الكبرى.
وقد فرقت هذه الدراسات الحديثة بين المزايا التي يتغنى بها أصحاب العصبيات القومية فخراً بألسنتهم وطبائعهم وعقولهم على عادة جميع الأقوام، وبين المزايا العلمية التي تستند إلى خصائص النطق والتعبير المتفق عليها في العلوم اللسانية، ولا محاباة فيها لهذه اللغة أو لتلك على حسب علاقاتها الجنسية أوالدينية.
وهذه هي المزايا التي عنى العقاد بدرسها في كتابه اللغة الشاعرة، وقد قدم منها مزايا التعبير الشعري، ومزايا التعبير على العموم، لأنها –على حد قوله- في مبدأ الأمر بحوث دعت إليها المناقشة في موضوع الشعر وتطوره، أوتطور قواعده وأوزانه، وناسبتها بحوث أخرى عن المزايا العلمية في لغتنا ترتبط بها ويصح أن تكون مثالاً للمزايا التي تثبت للغة على لسان الغرباء عنها، كما تثبت لها على لسان أبنائها الفخورين بمحاسنها وفضائلها.
وقد أشار العقاد في تقرير لجنة الشعر بالمجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب؛ إلى أن اللغة العربية وصفت قديماً وحديثاً بأنها لغة شعرية، ثم أكد على أن الذين يصفونها بهذه الصفة يقصدون بها أنها لغة يكثر فيها الشعر والشعراء، وأنها لغة مقبولة في السمع يستريح إليها السامع كما يستريح إلى النظم المرتل والكلم الموزون، كما يقصدون بها أنها لغة يتلاقى فيها تعبير الحقيقة والمجاز على نحو لا يعهد له نظير في سائر اللغات.
ثم أشار العقاد إلى كلام الجاحظ عن انفراد اللغة العربية بالعروض، وعقب عليه بأنه كلام علم وحق، لا يبعث إليه مجرد الفخر بالعصبية، لأن الفخر كثيراً ما يزيد على تقدير الواقع ذهاباً مع العاطفة، أما الحقيقة –كما يؤكد العقاد- أكبر من قول القائلين إن اللغة العربية لغة شعرية لانفرادها بفن العروض المحكم، أوجمال وقعها في الأسماع، فإنها لغة شاعرة ولا يكفي أن يقال عنها أنها لغة شعر، أو لغة شعرية، وجملة الفرق بين الوصفين أن اللغة الشاعرة تصنع مادة الشعر وتماثله في قوامه وبنيانه، إذا كان قوامها الوزن والحركة، وليس لفن العروض ولا للفن الموسيقي كله قوام غيرها.
وقد حاول العقاد في كتابه اللغة الشاعرة تفصيل هذا المعنى، منتقلاً بعده من مزايا اللغة في التعبير الشعري إلى مزاياها في التعبير على إطلاقه، مستنداً في ذلك إلى الحجة التي يقول بها الباحث الغريب عن اللغة حين يبني بحثه على قواعد العلوم اللسانية، والتي لا تختلف كثيراً عما ينادي به أبناء اللسان العربي حين يذهبون بالفخر إلى أقصى مداه.
واستعرض العقاد في كتابه فصولاً عن اللغة الشاعرة، وعن اللغة المعبرة، وعن المقابلة بين فن العروض العربي وأمثاله من فنون اللغات الأخرى، وعن فلسفة الحياة كما تصورها لنا المأثورات الشعرية من عهد الجاهلية إلى ما بعد الإسلام، وعن الموافقة بين مقاييس النقد ومقاييس التاريخ في الشعر القديم، كما عرض فصولاً تناسبها وتجري في مجراها، وقد تحرى -رحمه الله- إبراز المزايا العلمية لهذه اللغة الشاعرة في إبان الحاجة إليها، لأن الحاجة إلى إبراز هذه المزايا تمس غاية المساس في زمن تعرضت فيه هذه اللغة –وحدها- بين لغات العالم لكل ما ينصب عليها من معاول الهدم، ويحيط بها من دسائس الراصدين لها، لأنها قوام فكرة وثقافة وعلاقة تاريخية لا لأنها لغة كلام وكفى.
وسأعرض فيما يلي نماذج مما جاء في كتاب اللغة الشاعرة للعقاد، والتي أدعو القراء أن يقبلوا عليها إقبال من أراد حماية لسانه، وحماية العالم من خسارة فادحة تصيبه بما يصيب هذه الأداة العالمية من أدوات المنطق الإنساني، بعد أن بلغت مبلغها الرفيع من التطور والكمال.
الحروف:
اللغة الشاعرة هي اللغة العربية.
وليس في اللغات التي نعرفها، أو نعرف شيئاً كافياً عن أدبها، لغة واحدة توصف بأنها لغة شاعرة غير لغة الضاد، أو لغة الأعراب، أواللغة العربية.
ونقدم أننا لا نعني باللغة الشاعرة ما يوصف أحياناً باللغة الشعرية، فإن الكلمة قد تكون شعرية صالحة للنظم في موقعها من السمع، ولكنها لا تكون مع ذلك جارية مجرى الشعر في نشأتها ووزنها واشتقاقها، بل تكون كأنها الطعام الذي يصلح لتركيب البنية ولكنه هو ذاته ليس بالبنية الحية وليس باللحم والدم الذي يتركب منه أجسام الأحياء.
كذلك لا نريد باللغة الشاعرة أنها لغة يكثر فيها الشعر والشعراء؛ فإن كثرة الشعراء تتوقف أحياناً على كثرة عدد التكلمين باللغة، فلا عجب أن تكون الأمة التي ينتسب لها خمسون مليوناً (عدد سكان الأمة العربية وقت كتابة هذا الكتاب أوائل القرن الماضي) أكثر شعراً من أمة ينتسب إليها عشرة ملايين، ولو لم تكن في لغتها مزية شعرية تفوق سائر اللغات، وليس من العجيب أن يكثر الشعر والشعراء في لغة صالحة للتعبير على اختلاف الموضوعات التي يتناولها التعبير المنظوم أو المنثور.
إنما نريد باللغة الشاعرة أنها لغة بنيت على نسق الشعر في أصوله الفنية والموسيقية، فهي في جملتها فن منظوم منسق الأوزان والأصوات، لا تنفصل عن الشعر في كلام تألفت منه ولو لم يكن من كلام الشعراء.
وهذه الخاصة في اللغة العربية ظاهرة من تركيب حروفها على حدة، إلى تركيب مفرداتها على حدة، إلى تركيب قواعدها وعباراتها، إلى تركيب أعاريضها وتفعيلاتها في بنية القصيد.
وفي هذا المقال نبدأ من البداءة وهي حروف الهجاء أو الحروف التي اشتهرت باسم الحروف الأبجدية، واجتمع منها بعد ترتيبها الأخير ثمانية وعشرون.
ليست الأبجدية العربية أوفر عدداً من الأبجديات في اللغات الهندية الجرمانية أواللغات الطورانية أواللغات السامية. فإن اللغة الروسية –مثلاً- تبلغ عدة حروفها خمسة وثلاثين حرفاً وقد تزيد ببعض الحروف المستعارة من الأعلام الأجنبية عنها.
ولكنها على هذه الزيادة في حروفها لا تبلغ مبلغ اللغة العربية في الوفاء بالمخارج الصوتية وتقسيماتها الموسيقية، لأن كثيراً من هذه الحروف الزائدة إنما هو حركات مختلفة لحرف واحد، أو هو حرف واحد من مخرج صوتي واحد، تتغير قوة الضغط عليه كما تتغير قوة الضغط في الآلات، دون أن يستدعي ذلك افتناناً في تخريج الصوت الناطق من الأجهزة الصوتية في الإنسان.
فهناك حرف ينطق (يا) وحرف ينطق (يو) وحرف ينطق (نسى) وآخر ينطق (نشى) وحروف أخرى هي في حقيقتها تثقيل لحروف الباء والفاء والجيم، ليس فيها تنويع نطقي يدل على التصرف الحي في استخراج الأصوات الكلامية من مخارجها المتعددة، ولكنها تنويع آلي مادي لدرجة الضغط على المخرج الواحد بغير كسب للأجهزة الناطقة في تصريفاتها المتعددة.
وبمثل هذا الاختلاف في الحركة يمكن أن تبلغ حروف الأبجدية خمسين وستين ولا تدل عىل تنويع مفيد لمخارج النطق الإنساني على حسب الملكة الموسيقية الكامنة في استعداده.
وتظل اللغة العربية بعد ذلك أوفر عدداً في أصوات المخارج التي لا تلتبس ولا تتكرر بمجرد الضغط عليها؛ فليس هناك مخرج صوتي واحد ناقص في الحروف العربية، وإنما تعتمد هذه اللغة على تقسيم الحروف على حسب موقعها من أجهزة النطق، ولا تحتاج إلى تقسيمها باختلاف الضغط على المخرج الواحد، كما يحدث في الباء الخفيفة والباء الثقيلة التي تتميز بثلاث نقط من تحتها بدلاً من النقطة الواحدة، أو كما يحدث في الفاء ذات النقطة الواحدة والفاء ذات النقط الثلاث (V) أو كما يحدث في الجيم المعطشة وغيرها.
وعلى هذه الصورة تمتاز اللغة العربية بحروف لا توجد في اللغات الأخرى كالضاد والظاء والعين والقاف والحاء والطاء، أو توجد في غيرها أحياناً ولكنها ملتبسة مترددة لا تضبط بعلامة واحدة.
وعلى هذه الصورة أيضاً استغنت اللغة العربية عن تمثيل الحرف الواحد بحرفين مشتبكين أومتلاصقين، كما يكتبون الثاء والذال والشين وغيرها في بعض اللغات.
ذلك ما نعنيه باللغة الشاعرة في تقسيم حروفها، فهي لغة إنسانية ناطقة تستخدم جهاز النطق الحي أحسن استخدام يهدي إليه الافتنان في الإيقاع الموسيقي، وليس هنا أداة صوتية ناقصة تحس بها الأبجدية العربية، إذ ليس في حروف الأبجديات الأخرى حرف واحد يحوج العربي إلى افتتاح نطق جديد لم يستخدمه، وكل ما هنالك أنه قد يحوجه إلى الضغط الآلي على بعض الحروف المعهودة، وهو ضغط يدل على العجز عن تنويع الأصوات واستخدام أجهزة الحياة الناطقة على أحسن الوجوه وأقربها إلى التنويع والتفصيل.
وقد كانت سليقة اللغة العربية هي الهداية النافعة لعلمائها فيما اختاروه من ترتيب الأبجدية على وضعها الأخير، فإن هناك تناسباً موسيقياً فنياً بين الحروف المتقاربة لا مثيل له في الأبجديات الأعجمية التي تلحق فيها السين بالباء، أو التي يمكن ترتيبها على غير هذا الوضع دون تغيير في دلالات الألفاظ أو دلالات الأشكال.
أما اللغة العربية فخذ منها –مثلاً- حروف الباء والتاء والثاء، فإن الباء قريبة من مخرج التاء، وأن التاء والثاء لتتقاربان حتى ليقع بينهما الإبدال في كثير من الكلمات.
وخذ -مثلاً- حرفي الحاء والخاء، أو حرفي الدال والذال، أو حرفي السين والشين، أو حرفي الصاد والضاد، أو حرفي الطاء والظاء، أو حرفي العين والغين، أو القاف والكاف، أو حرفي اللام والميم والنون، فإن التقارب بينها في النسق يشبه التقارب بينها في اللفظ كما يشبه التقارب بينها في الشكل كلما امتنع اللبس عند تكرار الأشكال.
وهذه هي اللغة الشاعرة في حروفها قبل أن تتألف منها كلمات، وقبل أن تتألف من الكلمات تفاعيل، وقبل أن تتألف من التفاعيل بيوت وبحور.
فإذا كان الشعر روحاً يكمن في سليقة الشاعر حتى يتجلى قصيداً قائم البناء؛ فهذا الروح في الشعر العربي يبدأ عمله الأصيل مع لبنات البناء، قبل أن تنتظم منها أركان القصيد.   


التعليقات
الأخوة والأخوات

نرحب بالتعليقات التي تناقش وتحلل وتضيف إلى المعلومات المطروحة عن الموضوعات التي يتم عرضها في الصحيفة، ولكن الصحيفة تحمل المشاركين كامل المسؤولية عن ما يقدمونه من أفكار وما يعرضون من معلومات أو نقد بناء عن أي موضوع. وكل ما ينشر لا يعبر عن الصحيفة ولا عن المؤسسات التي تتبع لها بأي شكل من الأشكال. ولا تقبل الألفاظ والكلمات التي تتعرض للأشخاص أو تمس بالقيم والأخلاق والآداب العامة.

1 - قارئ - الإمارات - 10-11-2014 (03:30:41)
رائع ونترقب المزيد والمزيد لكم أستاذنا الفاضل
رد على التعليق

الاسم
البلد
البريد الالكتروني
الرمز
اعادة كتابة الرمز
التعليق
 
   
جميع الحقوق محفوظة ٢٠١٣
By QualTech