للاطلاع على محتويات الإعلان أنقر هنا  
صحيفة دولية تهتم باللغة العربية في جميع القارّات
تصدر برعاية المجلس الدولي للغة العربية

  موقع الجمعية الدولية لأقسام العربية           الموقع الجديد الخاص بالمؤتمر الدولي للغة العربية           الباحث العربي: قاموس عربي عربي         
الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة

الأدب والأديب - 2

د. محمد سعيد حسب النبي


يقول مصطفى صادق الرافعي: ولو أردت أن تعرف الأديب من هو، لما وجدت أجمع ولا أدق في معناه من أن تسميه الإنسان الكوني، وغيره هو الإنسان فقط، ومن ذلك ما يبلغ من عمق تأثره بجمال الأشياء ومعانيها، ثم ما يقع من اتصال الموجودات به بآلامها وأفراحها، إذ كانت فيه مع خاصية الإنسان خاصية الكون الشامل، فالطبيعة تثبت بجمال فنه البديع أنه منها، وتدل السماء بما في صناعته من الوحي والأسرار أنه كذلك منها، وتبرهن الحياة بفلسفته وآرائه أنه هو أيضاً منها، وهذا وذاك وذلك هو الشمول الذي لا حد له، والاتساع الذي كل آخر فيه لشيء أول فيه لشيء.
وهو إنسان يدله الجمال على نفسه ليدل غيره عليه، وبذلك زيد على معناه معنى، وأضيف إليه في إحساسه قوة إنشاء الإحساس في غيره، فأساس عمله دائماً أن يزيد على كل فكرة صورة لها، ويزيد على كل صورة فكرة فيها، فهو يبدع المعاني للأشكال الجامدة فيوجد الحياة فيها، ويبدع الأشكال للمعاني المجردة فيوجدها هي في الحياة، فكأنه خلق ليتلقى الحقيقة ويعطيها للناس ويزيدهم فيها الشعور بجمالها الفني، وبالأدباء والعلماء تنمو معاني الحياة، كأنما أوجدتهم الحكمة لتنقل بهم الدنيا من حالة إلى حالة، وكأن هذا الكون العظيم يمر في أدمغتهم ليحقق نفسه.
ومشاركة العلماء للأدباء توجب أن يتميز الأديب بالأسلوب البياني، إذ هو كالطابع على العمل الفني، وكالشهادة من الحياة المعنوية لهذا الإنسان الموهوب الذي جاءت من طريقه، ثم لأن الأسلوب هو تخصيص لنوع من الذوق وطريقة من الإدراك، كأن الجمال يقول بالأسلوب: إن هذا هو عملُ فلان.
وفصلُ ما بين العالم والأديب، أن العالم فكرة، ولكن الأديب فكرةٌ وأسلوبها، فالعلماءُ هم أعمالٌ متصلة متشابهةٌ يشارُ إليهم جملة واحدة، على حين يقال في كل أديب عبقري: هذا هو، هذا وحده، وعلمُ الأديب هو النفسُ الإنسانيةُ بأسرارها المتجهة إلى الطبيعة، والطبيعة بأسرارها المتجهة إلى النفس، ولذلك فموضع الأديب من الحياة موضع فكرة حدودُها من كل نواحيها الأسرار.
وإذا رأى الناس هذه الإنسانية تركيباً تاماً قائماً بحقائقه وأوصافه، فالأديب العبقريُّ لا يراها إلا أجزاء، كأنما هو يشهد خلقها وتركيبها، وكأنما أمرَّها في (معمله)، أو كأن الله –سبحانه- دعاه ليرى فيها رأيه، وبذلك يجيء النابغ من أدب العباقرة وبعضه كالمقترحات لتجميل الدنيا وتهذيب الإنسانية، وبعضه كالموافقة وإقرار الحكمة، وأساسه على كل هذه الأحوال النقدُ، ثم النقد، ولا شيء غير النقد، كأن القوة الأزليةَ تقول لهذا الملهَم: أنت كلمتي فقُل كلمتَك.
وترى الجمالَ حيث أصبتَه شيئاً واحداً لا يكبر ولا يصغر، ولكن الحس به يكبر في أناس ويصغر في أناس، وها هنا يتألَّه الأدب، فهو خالقُ الجمال في الذهن، والممكِّنُ للأسباب المعينة على إدراكه وتبين صفاته ومعانيه، وهو الذي يقدر لهذا العالم قيمته الإنسانية بإضافة الصور الفكرية الجميلة إليه، ومحاولته إظهار النظام المجهول في متناقضات النفس البشرية، والارتفاع بهذه النفس عن الواقع المنحط المجتمع من غشاوة الفطرة وصَولةِ الغريزة وغرارة الطبع الحيواني.
وإذا كان الأمر في الأدب على ذلك، فباضطرار أن تتهذب فيه الحياة وتتأدب، وأن يكون تسلطُه على بواعث النفس دُربة لإصلاحها وإقامتها، لا لإفسادها والانحراف بها إلى الزيغ والضلالة، وباضطرارٍ أن يكون الأديبُ مكلفاً تصحيح النفس الإنسانية، ونفيَ التزوير عنها، وإخلاصها مما يلتبس بها على تتابع الضرورات، ثم تصحيح الفكرة الإنسانية في الوجود، ونفي الوثنية عن هذه الفكرة، والسمو بها إلى فوق، ثم إلى فوق، ودائماً إلى فوق!
وإنما يكلَّف الأديب ذلك لأنه مستبصر من خصائصه التمييزُ وتقدم النظر وتسقُّط الإلهام، ولأن الأصل في عمله الفني ألا يبحث في الشيء نفسه، ولكن في البديع منه، وألا ينظر إلى وجوده، بل إلى سره، ولا يُعنى بتركيبه، بل بالجمال في تركيبه، ولأن مادة عمله أحوالُ الناس، وأخلاقهم، وألوان معايشهم، وأحلامهم، ومذاهب أخيلتهم وأفكارهم في معنى الفن، وتفاوت إحساسهم به، وأسباب مغاويهم ومراشدهم، يُسدد على كل ذلك رأيه، ويجيل فيه نظره، ويخلطه في نفسه، ويُنفِذُه من حواسه، كأنما له في السرائر القبضُ والبسط، وكأنه ولي الحكم على الجزء الخفي من الإنسان يقوم على سياسته وتدبيره، ويَهديه إلى المثل الأعلى، وهل يُخلق العبقريُّ إلا كالبرهان من الله لعباده على أن فيهم من يقدر على الذي هو أكملُ والذي هو أبدع، حتى لا ييأس العقل الإنساني ولا ينخذل، فيستمر دائباً في طلب الكمال والإبداع اللذين لا نهاية لهما؟
فالأديب يُشرف على هذه الدنيا من بصيرته فإذا وقائعُ الحياة في حذو واحد من النزاع والتناقض، وإذا هي دائبة في محق الشخصية الإنسانية، تاركةٌ كلَّ حي من الناس كأنه شخص قائم من عمله وحوادثه وأسباب عيشه، فإذا تلجلج ذلك في نفس الأديب اتجهت هذه النفس العالية إلى أن تحفظ للدنيا حقائق الضمير والإنسانية والإيمان والفضيلة، وقامت حارسة على ما ضيع الناس، وسخِّرت في ذلك تسخيراً لا تملك معه أن تأبى منه، ولا يستوي لها أن تغمض فيه، ونُقلت الإنسانيةُ كلها ووضعت على مجاز طريقها أين توجهت، فتأكد الأمر فيها، ووُصِل بها، وعلمت أنها من خالصة الله، وأن رسالتها للعالم هي تقريرُ الحب للمتعادين، وبسطُ الرحمة للمتنازعين، وأن تجمعَ الكل على الجمال وهو لا يختلف في لذته، وتصلَ بينهم بالحقيقة وهي لا تتفرق في موعظتها، وتُشعرهم الحكمة وهي لا تتنازعُ في مناحيها، فالأدبُ من هذه الناحية يشبه الدين: كلاهما يُعينُ الإنسانيةَ على الاستمرار في عملها، وكلاهما قريبٌ من قريب، غير أن الدين يعرض للحالات النفسية ليأمر وينهي، والأدب يعرض لها ليجمع ويقابل، والدين يوجه الإنسان إلى ربه، والأدب يوجهه إلى نفسه، وذلك وحي الله إلى الملَك إلى نبيٍّ مختار، وهذا وحي الله إلى البصيرة إلى إنسان مختار.   


التعليقات
الأخوة والأخوات

نرحب بالتعليقات التي تناقش وتحلل وتضيف إلى المعلومات المطروحة عن الموضوعات التي يتم عرضها في الصحيفة، ولكن الصحيفة تحمل المشاركين كامل المسؤولية عن ما يقدمونه من أفكار وما يعرضون من معلومات أو نقد بناء عن أي موضوع. وكل ما ينشر لا يعبر عن الصحيفة ولا عن المؤسسات التي تتبع لها بأي شكل من الأشكال. ولا تقبل الألفاظ والكلمات التي تتعرض للأشخاص أو تمس بالقيم والأخلاق والآداب العامة.

الاسم
البلد
البريد الالكتروني
الرمز
اعادة كتابة الرمز
التعليق
 
   
جميع الحقوق محفوظة ٢٠١٣
By QualTech