ألفاظ العربية ومعانيها .. سحر لا يُقاوَم ومعينٌ لا ينضب

د. الطيب عطاوي

 

لم تحتج لغتنا العربية في يوم من الأيام ولا زمن من الأزمان عبر سيرورتها التاريخية لأن تستنسر خارج أحياز شبه الجزيرة العربية ؛ لم تحتج لذلك لأن جناحيْها (اللفظ والمعنى) أصليان وأصيلان ، خُلقت بهما ، ولم تؤثر فيهما عادياتُ الزمن ، فمنذ بدأت الألسنة تنطقها والأفكار تستوعبها انطلقت في جوِّ العالم كلِّه ترفرف بجناحيْها ؛ فانبهرت لسلاستها عقول ، وتقطَّرت من نظْمِها عُسُول . 

لم تكنْ ألفاظ العربية عصيَّة على شعراء العصور الأولى ولا كانت تُعجز خطباءهم وحكماءهم ؛ كونهم فهموا مراميها واستنطقوا معانيها ، فجاءت ألفاظهم رقيقة حين التعبير عن عواطفهم ، وقوية جزلة حين التعبير عن خوالجهم ، وبين بين حين التعبير عن رغباتهم ووصْفِ حياتهم اليومية ، فتمكنوا من ناصيتها ، واستطاعوا أن يُفحِموا بعضهم البعض ، فاعترفوا بينهم أنها لغة عظيم سحرُها ، قوي بيانُها ، عجيبٌ بلاغُها .
لم يكن هؤلاء ولا غيرُهم ممن جاؤوا بعدهم في عصر صدر الإسلام أن يُنكروا جمال ألفاظها وقوة سلطان معانيها ؛ فهي لغة بشهادتهم دقيقٌ معناها ، بعيدٌ منتهاها ، فانبروا يؤلِّفون الكتبَ والمجلداتِ في نفائسِها من علوم وآداب وموسيقى وفكر وفلسفة وطب وغير ذلك . 
إن سحر المعنى من سحر اللفظ ؛ فالألفاظ خادمة للمعاني وأوعية لها كما يقول عبد القاهر الجرجاني ، طيِّعة لها ، بينهما علاقة وطيدة ، تتنفس إحداها بوجود الأخرى ، فلولا الألفاظ ما كانت المعاني ، ولولا المعاني ما كانت الألفاظ ، إنها ثنائية في قمة الكمال والتمام ، وتلك ميزة تتميز بها سائر اللغات وتتفاخر فيما بينها في قوة ألفاظها ودقة معانيها .. إلا أن العربية ليست كسائر اللغات ؛ فهي تنماز في الكثير من المواضع بخصوصياتها وطاقاتها الخلاقة في توليد المعاني وتشعبها من اللفظ الواحد .
كما تتميز العربية بقصر اللفظ وانتشار المعنى في ثوبٍ جميل وجذاب تفتقرُ إليه معظم اللغات ، وفي ذلك يقول "ابن خلدون" (808هـ) : » وأما غيرها من اللغات فكل معنى أو حال لا بد له من ألفاظ تخصُّه بالدلالة ، ولذلك نجد كلام العجم من مخاطباتهم أطول مما تقدِّره بكلام العرب « (1) .
إضافة إلى الدقة المتناهية بين الكلمات المتشابهة التي يُظنُّ أنها من الترادف ، وما هي منه في شيء ؛ وخير دليل ما ألفه الشريف الجرجاني في كتابه (التعريفات) ، وما قاله "ابن الأثير" (ت 637 هـ) : » ومن عجيب ذلك أنك ترى لفظتيْن تدلان على معنى واحد ، وكلاهما حسن في الاستعمال ، وهما على وزن واحد ، وعدَّة واحدة ، إلا أنه لا يحسن استعمال هذه في كل موضع تستعمل فيه هذه ؛ بل يُفرَّق بينهما في مواضع السبك ، وهذا لا يدركه إلا من دَقَّ فهمه وجلَّ نظره « (2) .
كما أن لغتنا العربية لها من التعبير الفائق والمعنى الرائق ما تعجز عنه لغات العالم بأسره ، إنها تجعل من مباني الكلمات شهداً لذيذاً بعد قطفِ أزهاره ، ومن معانيها أفاويقَ نلعق حلاوتها بعد مخض ألبانه ؛ فهاكُمُ على سبيل المثال لا الحصر أسماء (القِطمير والفتيل والنقير) التي تحويها نواةُ التمر ، وأسماء النحل التي بلغ بها السيوطي (ت 911 هـ) ثمانين اسماً ؛ منها : الضريب والحميت والعُفافة والصهباء وعِكبر والرحيق ... وفي كتاب (فقه اللغة) للثعالبي (ت 429 هـ) عدد هائل لأسماء السيف ؛ منها : الصفيحة والقضيب والخشيب وذو الفقار والرسوب والصمصامة ...
آهٍ لغتنا ما أحلاكِ وما أجملكِ وما أعلاكِ ! إنك تتفتَّقين بألفاظكِ النجيبة ، وتفوحين بمعانيكِ العجيبة ، فتسري أنتِ في القلوب رائمةً ، وتجري بين النفوس عائمةً ، وتُجاهدين أن تخرجي من سردابك قائمةً ، فما أحلاكِ وما أطهركِ .. !يا جنةً غاصت في خمائلها أعينُ ، وتاهت بين رياضها أبدُنُ ، واستنارت من نورها أمْدُنُ .. ما عسانا نقول وأنتِ تشقِّين طريقكِ بين أشواكِ عولمةٍ تكاد تخنق أنفاسنا ؟! ما عسانا نقول وأنتِ تُزاحمين غيرك من لغات الشرق والغرب تبحثين لكِ بينها عن مكانٍ في عالمٍ مضطربٍ لا يكون فيه البقاء إلا للأقوى ؟! 
أيتها الدمية العاجية ما كان أهون أهلك اليوم حين استبدلوكِ وتسابقوا لشنقِكِ وتسارعوا غير مبالين لنفيكِ خارج الديار .. فإن أجدادنا العظماء قبل قرونٍ ما ودَّعوكِ وما قَلَوْكِ ، وما هجروكِ وما عادَوْكِ ، كانوا ملوكاً بكِ ، لا يَسْتَحُوا من الحديث بألفاظكِ ، ولا يرضوا بديلا ـ ولو افتدوا بكِ ملء الأرض ذهباً ـ عن معانيك ، فكانوا بحقٍ أباطرةَ البيان وملوكَ البديع ورهبانَ الفصاحة وأئمةَ البلاغة ونوابغَ العلوم وعباقرةَ الفكر .
 فيا صاحبة الجلالة إن جندَ الأمسِ ما كان خانعاً لغيركِ ، ولا متبرِّكاً بوليٍّ غير وليِّكِ ، ولا راضياً بالأدنى من غيركِ ؛ بل كان يدافع عن حِماكِ ، ولا يبرحُ قاعداً ذليلًا تحت سَمَاكِ ينتظر الفرج ، كان يفتخرُ في حلِّه وترحاله بحسن لفظكِ وجمال معناكِ، ويأبى أن يشرب من أوعيةٍ ليست من جلد آبائه في شيءٍ ، كان عظيم الهمة بكِ ، متَّقِد العزماتِ ، كان كما قال "البشير الإبراهيمي" (ت 1385 هـ) وهو يخاطب شباب الجزائر بُعيْدَ الاستقلال :  » أتمثله كالغصن المروح ، مطلولًا بأنداء العروبة ، مخضوضر اللَّحا والورق مما امتصَّ منها ، أخضر الجلدة والآثار مما رشح له من أنسابها وأحسابها كأنما أنبتته رمال الجزيرة ، ولوَّحته شمسُها ، وسقاه سلسالها العذب ، وغذَّاه نبتُها الذكي ، فيه مشابه من عدنان تقول إنه من سرِّ هاشم أو سُرَّة مخزوم ، ومخايل من قحطان تقول كأنه ذو سكن في السَّكن ، أو ذو رضاعة في قُضاعة ، متقلِّباً في المنجبين والمنجبات ؛ كأنما ولدته خِندِق أو نهضت عنه أمُّ الكملة ، أو حضنته أخت بني سهم ، أو حنَّكته تُماضر الخنساء لعوباً بأطراف الكلام المشقَّق ؛ كأنما وُلد في مكة واستُرضِع في إياد وربا في مسلنطح البطاح « (3) .
معانيكِ يا صاحبة الجلالة تنقرُ أبواب قلوبنا ، وألفاظكِ تخمِّر عقولنا فتُسكِرنا مدى الأيام ، فأنى لنا أن نحيد عنكِ ، وأنى لنا أن نبحث في قواميس غير قاموسكِ ، ففيه المسكُ والعنبرُ ، إنكِ تبقيْن شامخةً مدى الأزمان ، ومن ظنَّ أنه سيجد ضالته عند غيركِ فهو واهم ، ومن ظنَّ أن حروفكِ وألفاظكِ لا تستوعب المعاني الجديدة والمستحدثة اليوم فنظرُهُ قصيرٌ ، وبصرُهُ حسيرٌ ، وفهمُهُ عسيرٌ ؛ ومن ظنَّ أن ألفاظكِ شاخت وبان عُوَّارها ، ومعانيكِ صدأت وذَبُل نُوَّارها فهو لم يقرأ عمَّا قاله الآخرون الذين افتُتِنوا بسحر ألفاظكِ ، ولم يرتووا من معين معانيكِ ، فهلا قرأوا قول المستشرق الفرنسي "آرنست رينان" :  »ومن أغرب المُدهِشات أن تنبت تلك اللغة القومية وتصل إلى درجة الكمال وسط الصَّحاري عند أمَّةٍ من الرُّحل تلك اللغة التي فاقت أخواتها بكثرة مفرداتها ودقَّة معانيها «  (4) وقوله أيضاً : » اللغة العربية بدأت فجأة على غاية الكمال ، وهذا أغرب ما وقع في تاريخ البشر ، فليس لها طفولة ولا شيخوخة « (5) .

صاحبة الجلالة معذرة إن أخطأنا في حقكِ واستسلمنا لخنوعنا وكسلنا ، فهذا زمن البوار نخبط فيه خبط عشواء ، ولا مناص لنا سوى العودة إلى أحضانكِ إذا أردنا أن نخرج من سُباتنا ونعانق سُحُباً مُرعدة تتقاطر زخَّاتها رذاذاً فتُنبِتَ رياحين تفوح روائحها ، وتتلوها شمساً تنقشع من وراء غيوم النُكران فتنير للبشرية كما أنارتها زمن الجيل الذهبي حينما كنتِ يا صاحبة الجلالة حيَّةً لفظاً ومعنى .  
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ـ المقدمة ، عبد الرحمان بن محمد بن خلدون ، تحقيق : محمد شيخ مصطفى ، مؤسسة الرسالة ، بيروت (لبنان) ، ط 1 ، 2005 ، ص 754 . 
(2) ـ المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر ، أبو الفتح نصر الله ضياء الدين بن الأثير ، تقديم وتعليق : أحمد الحوفي وبدوي طبانه ، دار النهضة ، القاهرة (مصر) ، ج 1 ، (د ط) ، د ت) ، ص 150 .
(3) ـ جريدة البصائر ، الشيخ البشير الإبراهيمي ، مقال بعنوان : يا شباب الجزائر هكذا كونوا أو لا تكونوا ، العدد 10 ، الجزائر ، أكتوبر 1947 .
(4) ـ أساليب تدريس اللغة العربية ، أحمد إبراهيم صومان ، دار زهران ، عمان (الأردن) ، 2012 ، ص 54 .
(5) ـ جريدة العروبة ، خالد زغريت ، مقال بعنوان : جمال اللغة العربية في عيون المستشرقين ، العدد 14874 ، حمص (سوريا) ، حزيران 2017 .