ـ 10 قوانين لحماية «العربية».. والمحصلة نصب الفاعل ورفع المفعول

محمد الدعدع

 

دأب الغيورون على لغة الضاد فى مصر، والمنتصرون لها، منذ عشرات السنين، على وضع تشريعات قانونية لحماية «العربية»، فى ظل ما باتت تعانيه من ضعف المتحدثين بها.

ولم تفلح ما يقرب من 10 قوانين فى إزاحة «العامية» من أفواه الناطقين بها، وتصويب ما يلفظونه من أخطاء نحوية ويكتبونه فى لافتاتهم وإعلاناتهم وعقودهم من خطايا إملائية.

وهناك 10 قوانين صدرت لحماية اللغة العربية، بدءاً من العام 1888 وحتى 2008 غير أنها لم تحفظ للغة سلامتها، ولم تحل دون شيوع عاميتها على الألسنة، وتمدد اللغات الأخرى على رقعتها، بدءاً من قانون ناظر المعارف على مبارك، رقم 411 لسنة 1888 الذى طالب بتعليم اللغة العربية بالمدارس الأميرية، والذى تلاه صدور الأمر العالى من عباس حلمى خديو مصر عام 1893 ملزماً بضرورة معرفة الطالب باللغة العربية، شرطاً للحصول على الابتدائية والثانوية، ليعقبه مرسوم الملك فؤاد الصادر فى ديسمبر 1932، بإنشاء مجمع اللغة العربية تابعاً لوزارة المعارف للحفاظ على سلامة اللغة، ثم يأتى القانونان رقما 62 و132 لسنة 1942، الصادران لأغراض مشابهة، والقانون رقم 115 لسنة 1958، القاضى بتدريس باللغة العربية وكتابة العلامات التجارية بها، ثم القانون الصادر فى العام 1960، مانحاً وزير التربية حق إصدار ما يكفل اتباع ما ينتهى إليه مجمع اللغة العربية فى أمر اللغة، فالقانون رقم 102 لسنة 1976 الذى أوجب استعمال «العربية» فى المكاتبات واللافتات، ثم القانون رقم 14 لسنة 1982 الخاص بإعادة تنظيم «المجمع»، وأخيراً القانون رقم 112 لسنة 2008، لإلزام جميع الجهات بما يصدره «المجمع» لخدمة سلامة اللغة.

«وجيه»: اللغة ركن أصيل من أركان الأمن القومى.. وتدهورها من شأنه أن يضرب هوية المجتمع «فى مقتل»
ويسعى مجمع اللغة العربية بالقاهرة هذه الأيام، فى محاولة مماثلة، لإصدار قانون شامل للغة العربية، وقدم «المجمع» المعروف باسم «مجمع الخالدين» مشروع القانون المقترح إلى مجلس الوزراء، تمهيداً لإحالته إلى مجلس النواب لمناقشته وإقرار العمل به، متضمناً 21 مادة، من بينها ما يلزم بمعاقبة المخالفين بالغرامة والحبس.

ويستهدف مشروع القانون، بحسب ما جاء فى نص مواده، التأكيد على أن «اللغة العربية هى اللغة الرسمية الوحيدة فى جمهورية مصر العربية، وأنه لا يجوز استعمال أية لغة أخرى فى أى من المخاطبات الرسمية، وحظر الإعلان فى الأماكن العامة بغيرها، أو بترجمة، وأن تُحرر بها أوراق النقد والمسكوكات والطوابع والنياشين والشهادات العلمية، وأن تُسمى بأسمائها الشوارع والأحياء والساحات والحدائق العامة والشواطئ والمتنزهات».

ويتضمن مشروع القانون أيضاً العمل على تعريب تدريس العلوم كافة فى المدارس والجامعات، وأن تكون هى لغة التعليم فى مراحله كافة، علاوةً على التنبيه على ضرورة حرص القادة والساسة والدعاة والمعلمين والمتحدثين فى وسائل الإعلام من المذيعين ومقدمى البرامج والضيوف على التحدث بلغة عربية سليمة، مع إلزام المؤسسات الصحفية والإعلامية بتعيين مصححين لغويين مؤهلين لتحرى صحة ما ينشر من الناحية اللغوية.

ولم يغفل مشروع القانون معاقبة المخالفين بغرامة لا تقل عن عشرة آلاف جنيه ولا تجاوز خمسين ألف جنيه، أو بالحبس مدة لا تزيد على ستة أشهر وبغرامة لا تقل عن مائة ألف جنيه ولا تزيد على مائتى ألف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين، حال عدم التزام المخالف بما تحدده المحكمة.

«مدكور»: القوانين السابقة كانت جزئية ومشروع القانون الجديد «رادع».. وأحمد فؤاد باشا: الأزمة الحقيقية تكمن فى أن جهود مجمع اللغة العربية فى الحفاظ على سلامة اللغة «غير ملزمة»
ويقول الدكتور عبدالحميد مدكور، أمين عام مجمع اللغة العربية بالقاهرة، إن «الغرض من مشروع القانون المقترح إلزام الناس باستعمال اللغة العربية فى مختلف أمور حياتهم، وأهم ما يميز مشروع قانون المجمع لحماية اللغة العربية هو أنه قانون شامل، يختلف عما سبقه من القوانين الجزئية التى اقتصرت على الدعوة إلى حماية اللغة وعدم إهمالها، ومنها ما تعلق بكتابة اللافتات والعقود باللغة العربية، فكان تناولها للقضية تناولاً جزئياً دون أن يكون بها أى من وسائل الضغط الملزمة لتطبيق تلك القوانين».

ويضيف «مدكور» لـ«الوطن» أن مشروع القانون حوى مواد عقابية للدلالة على هيبته، خاصةً أن أى قانون ليس فيه من الإلزام أو العقوبات الرادعة لن ينفذه أحد، لافتاً إلى أن الأردن أصدرت قانوناً لحماية اللغة أشد عقاباً، وكذلك العراق وسوريا، وأن الأخيرة، أى سوريا، لا تزال تُدرس الطب والهندسة بـ«العربية» إلى الآن.

ويتابع «مدكور» قائلاً: إن «اللغة العربية دخلت مصر منذ 1400 عام مع الفتح الإسلامى، وعلى الرغم من أنها لم تنتشر إلا بعد قرن ونصف القرن ظل الناس خلالها يستعملون اللغة المصرية، إلا أنها استقرت واستمرت بعد ذلك، وأصبحت لغةً مفهومة ومتداولة، كما أن المدارس التى أُنشِئت فى عهد رفاعة الطهطاوى كانت تُدرس العلوم باللغة العربية، والاحتلال الإنجليزى هو من حوّل التعليم فى مصر إلى الإنجليزية». واختتم «مدكور» قائلاً: «ينبغى علينا حماية لغتنا العربية، فإلى جوارنا إسرائيل التى أحيَت لغتها العبرية بعد موت دام 2000 عام بقرار سياسى، ومصر ينبغى أن يكون لها الريادة فى إحياء اللغة العربية».

أما الدكتور مأمون وجيه، عضو مجمع اللغة العربية بالقاهرة، فيرى أنه «لم يصدر من قبل قانون لحماية اللغة العربية على النحو الذى يقدمه «المجمع» فى مشروع قانونه المقترح، والذى أراه أعظم ما قُدم لحماية اللغة العربية».

ويضيف «وجيه» مُعدِداً مزايا مشروع القانون المقترح: «يتضمن عدداً كبيراً من المواد التى عُنيت بالحفاظ على سلامة اللغة فى الكتابات والمراسلات والإعلانات، ويستهدف تعريب التعليم فى مصر، وسيلزم بمقاضاة المخالفين وتغريمهم، وسيشترط اجتياز أى مرشح لوظيفة ما اختبار الكفاءة فى اللغة العربية، وذلك حال تفعيل القانون الجديد»، مشيراً إلى أن موافقة مجلس النواب على القانون ستعتبر عملاً وإنجازاً كبيراً للمجلس، لأنه سيضمن أن تسير أمور اللغة للأفضل.

وأوضح «وجيه» لـ«الوطن» أن اللغة العربية تواجه تحديات كثيرة، من بينها انتشار المدارس الأجنبية فى مصر، والتعليم بغيرها من اللغات، وتمدد اللغات الأخرى ومنها الإنجليزية، علاوةً على استخدام البعض لما يُسمى بـ«فرانكو آراب» فى كتاباتهم على مواقع التواصل الاجتماعى، مؤكداً أنها ركن أصيل من أركان الأمن القومى، وتعد بمثابة الحبل السرى بين هذا الجيل والأجيال السابقة، وأن تدهورها من شأنه أن يضرب هوية المجتمع «فى مقتل»، على حد وصفه، مؤكداً أن مجمع اللغة العربية يبذل جهوداً كبيرة للحفاظ على سلامة اللغة.

وأشار «وجيه» إلى أن الإعلام المصرى مقارنة بغيره يعد من أفضل وسائل الإعلام التى تحافظ على اللغة العربية بشكل نسبى، وأن كثيراً من الإعلاميين يجتهدون للحديث بمفرداتها الفصيح قدر استطاعتهم.

ويعتبر الدكتور أحمد فؤاد باشا، عضو مجمع اللغة العربية بالقاهرة، أن «الأزمة الحقيقية تكمن فى أن جهود مجمع اللغة العربية فى الحفاظ على سلامة اللغة غير ملزمة لغيره من الجهات المختلفة: «لا ينبغى تحميل المجمع المسئولية كاملة، فمشروع قانون حماية اللغة العربية وحده لا يكفى فى ظل تدهور تعليم اللغة العربية فى المراحل التعليمية المختلفة، الأمر الذى ترتب عليه أن معظم أساتذة اللغة العربية اليوم لا يجيدونها، وهم المنوط بهم تدريسها، فى مصر وخارجها، ونجدهم يُدرّسونها بالعامية»، مضيفاً: «القانون وحده لا يكفى، فنحن نضع القوانين والدساتير ولا ننفذها، والأجدى هو إصلاح نظام التعليم بالعربية».

ويرى «باشا» أن خطب ومخاطبات الساسة والمسئولين مليئة بالأخطاء النحوية، فضلاً عن غلبة العامية عليها، وأن اللغة العربية لا تحظى بالاهتمام الذى يليق بها كلغة للقرآن الكريم، وكمعلم أساسى من معالم الهوية الإسلامية، وأن تدهورها مقابل حرص البعض على تعلم لغات أخرى أجنبية يجعل هناك تعددية فى الانتماء لأبناء البلد الواحد، مضيفاً: «لا أعنى بقولى هذا إغفال تعلم اللغات الأخرى، فهى مهمة للغاية».

ويتساءل «باشا»: «ما معنى أن نحتفل فى 18 من ديسمبر من كل عام باللغة العربية، والاحتفال بها أشبه ما يكون بإحياء ذكرى سنوية لعظماء الموتى والراحلين؟»، مشيراً إلى أن «العربية» بحاجة إلى تنمية، داعياً إلى ضرورة وجود تنسيق وتكامل بين مجمع القاهرة اللغوى والمجامع المناظرة فى كافة البلدان العربية، من أجل التنسيق والتعاون فيما يتعلق بمهمة حفظ سلامة لغة القرآن الكريم.
 

الوطن