أي دور تلعبه اللغة في تشكيل الهوية القومية؟

 

يطرح احتفال منظمة اليونسكو باليوم العالمي للغة العربية (18 ديسمبر) أسئلة حول موقع اللغات العالمية في تحديد الهويات الثقافية، وخصوصا السياسية منها، للأمم في هذا العالم. ويسلّط الحدث المجهر على إشكالية اللغة العربية لجهة مكانتها في يوميات العالم المعاصر كما دورها في تحديث مفاهيم الهوية التي اختلفت وتطورت في العقود الأخيرة.

وإذا ما كان العرب مأخوذين بالحدث بصفته بهرجة إعلامية تضفي عالمية على لسانهم اللغوي، إلا أن نفس الحدث فتح نقاشا حول موقع اللغة العربية ومستوى إجادتها وفضاءات انتشارها وشيوعها داخل الوجدان الجمعي العربي العام.

وقد يبدو للوهلة الأولى أن النقاش يتجاوز حقيقة أن العربية هي لغة القرآن بما يضفي على اللغة بعدا دينيا، باتجاه اعتمادها وسيلة مجرّدة من هالتها التاريخية معرّضة للنقد والتصويب وتجوز بها حملات المراجعة والتحديث.

العربية وأسئلة الهوية

فيما كانت اللغة العربية في النصف الثاني من القرن الماضي المحور الأساس لتصاعد الفكر القومي العربي، فإن فشل التيارات القومية أحزابا ومدارس وأنظمة سياسية في نقل الفكرة إلى واقع سياسي وحدوي ملموس ومفيد، أدى إلى تراجع الارتباط باللغة العربية بصفتها الترياق الوحيد لعلاج أسئلة الهوية.

وحتى أولئك العروبيين أنفسهم أعادوا اكتشاف الإرساليات الأجنبية التي استوطنت المنطقة منذ بدايات القرنين الماضيين، وأقروا بالمناسبة بالدور الرائد الذي قامت به مدارس وجامعات تلك الإرساليات في الدفاع عن اللغة العربية وصون جودتها ومستوياتها.

وحتى حين يتوفر إجماع على أن ما يحمي اللغة العربية ويذود عنها رغم كل الضغوط الثقافية، لا سيما تلك التي تفرضها العولمة، هي أنها لغة القرآن الكريم، أي اللغة التي يلجأ إليها وبنسب متفاوتة أكثر من مليار و700 مليون مسلم في العالم، فإن هناك مسلّمات في علم اللسانيات تتفق على أن شيوع أي لغة في العالم لا يُحسب على أساس عدد الناطقين بها، وإلا فإن اللغة الصينية ستكون أقوى اللغات، بل على أساس قدرتها على اختراق أمم وثقافات والعبور عبر حدود الدول.

وإذا ما كانت اللغة الإنكليزية تتربع على عرش اللغات الدولية بكونها محكية لدى كافة الشعوب وأداة أساسية للتواصل بين الأمم في أمور الثقافة والإعلام والاقتصاد والأعمال والتقنيات، فإن لغات أخرى، كالفرنسية والإسبانية، والتي مازالت منتشرة لدى مكونات سياسية مختلفة تراجعت مواقعها وانكفأت نحو ذواتها الاجتماعية وتواضعت طموحاتها في أن ترتقي إلى العالمية التي كانت تتسم بها في القرون الماضية.

على أن اللغة العربية التي يجري تداولها داخل بلدان مختلفة من ضمن دائرة جغرافية متّصلة اتُّفق دوليا على تسميتها “العالم العربي”، لا يمكن أن تكون كافية لفرض العروبة بصفتها قيمة سياسية تتجاوز البعد الثقافي وحده.

ولم يكن هذا الوعي الجديد متوفرا في زمن طغت فيه الأيديولوجيا بحيث أن العقائد القومية التي غزت المنطقة بعد استقلال دولها، والتي كان لها منظّرون وسلطات

ثقافة وأمن ومال، لم تكن تتيح نقاشا حول مسألة انفصال العامل اللغوي عن ذلك السياسي. فأن يتكلم العرب لغة واحدة لا يعني أنهم أمة واحدة وجب حصارها بإطار قانوني ودستوري واحد يجعل منها دولة واحدة.

وقد جرى التنبيه أن اللغة الفرنسية مستخدمة في فرنسا وبلجيكا والسنغال ومقاطعة الكيبيك في كندا…إلخ، لكن ذلك ليس شرطا لكي تصبح هذه المناطق، حتى تلك التي تتمتع بتواصل جغرافي، أمة واحدة أو دولة واحدة.

والأمر نفسه ينسحب على اللغة الإنكليزية والإسبانية الشائعتين داخل بلدان مترامية الأطراف كثيرا ما تكون التناقضات في ما بينها أكثر من اتفاقها واتساق حكاياتها التاريخية. والثابت أن الهزيمة التي منيت بها فكرة الوحدة العربية كهدف سام تنشده البلدان التي رسمت حدودها الجغرافية والسياسية والقانونية اتفاقات سايكس-بيكو الشهيرة، كشفت أن الإخفاق لا يعود فقط إلى غياب الأدوات وترهل السبل، بل إلى خواء الفكرة نفسها وهزال أن تكون هدفا حضاريا إنسانيا، خصوصا أنها تتأسس على افتراض يراد به استعادة أمجاد لم تكن تمت للعروبة بنسخاتها الحديثة بأي صلة.


تحرر اللغة

يكتشف العرب هذه الأيام أن مشاريعهم السياسية همّشت اللغة وجعلتها تائهة تعيش لوحدها دون رعاية حقيقية تذود عنها. ويكتشف العرب من جديد أن غياب لغتهم عن شروط الحداثة بمعناها الثقافي والتقني أعاد العربية لغة دين وتديّن تروج خاصة لدى العاملين في شؤون الفقه كما أولئك المروجين للسياسة من خلال الدين.

ويكتشف العرب أن مستوى إجادة هذه اللغة قد تراجع بشكل مخز حتى لدى البلدان التي كانت تحكمها فكرة العروبة والقومية، ليس بسبب ما يطلق عليه جزافا بالغزو الثقافي، بل بسبب غياب الضوابط وغياب الضرورة لها كمحدد لشرعية الحكم والحاكم هنا وهناك.

والمفارقة أن الدول التي لا تتكلم لغات أجنبية هي الدول التي تدنت داخلها مستويات اللغة ووهنت جودتها، على أن اللافت أن الإعلام العربي، بصفته أداة شائعة للتعبير عن تيارات الحكم والأفكار داخل العالم العربي، أعاد استرجاع وظيفة اللغة العربية كسبيل ناجع للترويج للثقافة والهوية بمعناها الحقيقي البعيد عن مشاريع السياسة بأبعادها الأيديولوجية.

كما أن البلدان الأجنبية نفسها، ومن خلال إطلاقها لمشاريع إعلامية ناطقة بالعربية، تؤكد حيوية اللغة العربية ومحوريتها في مخاطبة هذه المنطقة وتسويق القيم والآراء والأجندات لهذه العاصمة أو تلك. وعلى هذا تعود اللغة العربية لتأخذ مساحات رحبة داخل المشهد الدولي العام متخلّصة من أغلال ربطها بالحكم وأدواته القهرية في فرض سلطانه.
 
ثروة إنسانية حضارية

تدافع وجوه كردية في سوريا والعراق عن وجهات نظرها المتباينة والمتعددة إلى اللغة العربية. ورغم تصاعد الورش القومية للأكراد في هذين البلدين، إلا أن لجوء الأكراد إلى العربية إقرار بأنها الأداة الناجعة للتخاطب مع المنطقة وإقرار آخر بأن اللغة العربية لم تعد نقيضا للخصوصية الثقافية التي لطالما ناضل من أجلها الأكراد. وقد ينسحب المثال الكردي على ذلك لدى الأمازيغ الذين تتعايش لغتهم مع اللغة العربية، فيما يمعن مثقفوهم في إنتاج أرقى وأجمل إبداعاتهم باللغة العربية مع تمسّك معلن، يأخذ أحيانا تعبيرات مفرطة، بهويتهم الأمازيغية في بلدان شمال أفريقيا.

ويلفت مراقبون إلى أن اللغة العربية تبرأت من علاقتها بالإرهاب كحاضنة وحيدة لوسائل التعبير، ذلك أن الإرهاب بالرواية التي قدمها تنظيم الدولة الإسلامية كثيرا ما عبّر عن نفسه وعن سفاحيه وجرائمه باللغة الإنكليزية والفرنسية والإسبانية، بما يعني أن الإرهاب أضحى معولما ويتطلب لغات معولمة لا توفرها اللغة العربية.

وبالمقابل تروج اللغة العربية هذه الأيام بصفتها تعبيرا حقيقيا عن لغة انفتاح واعتدال ووسطية من جهة، وبصفتها أيضا أداة تواصل لا تحتكرها جماعة أو قومية بالمعنى الشوفيني الذي أريد إلصاقه بها يوما كلغة لدين بعينه ولقومية بعينها.

وإذا ما نشط المسيحيون العرب في القرن الماضي ودفعوا باتجاه الدفاع عن اللغة العربية وتدعيم قواعدها والسهر على شيوعها، ذلك أنها لغة الهوية التي ينتمون إليها ويفخرون بها، لا لغة يُراد لها أن تكون مقصورة على مفردات التعبير الإسلامي وحده.

وإذا ما فتحت كبريات الجامعات الدولية العريقة كليات متخصصة في أصول اللغة العربية وآدابها، فذلك أنها ثروة إنسانية حضارية وجب تحريرها من غلال العقائد الشوفينية التي تلامس العنصرية.

وحري أن ترتقي العربية في دينامياتها لتحصين خصوصية الناطقين بها بالبعديْن الهوياتي والثقافي، بحيث تعود للانخراط بحيوية لتتلاقح مع خصوصيات الأمم الأخرى بما يروّج منافذ التواصل والانفتاح ويقضي نهائيا على عقائد الانغلاق التي تدعو إليها الأحزاب الفاشية والشعبوية كما الجماعات الدينية المتعصبة.

فاللغة في أصلها فعل تواصل مع الآخر وحين يتوقف هذا الأصل عن ممارسة تلك الوظيفة فمصيره العدم. وحين تسقط لغة فإن ناسها يندفعون بحكم غريزة البقاء لتبني لغة بديلة.

العَرب