تحليل شامل لعوامل التغيرات الاجتماعية والاقتصادية واللغوية والثقافية

أ.د.نعمة ناصر الشعراني


المقدمة
التغير سمة مميزة من سمات البشر وكما قال أحد المفكرين: الشباب ليس في سواد الشعر وإنما في الحيوية والمرونة أي القدرة على التغير.
وطالما أن التغير عملية مستمرة فلماذا لا تجيّرها لمصلحتك بدل أن تكون عبئاً عليك؟ لماذا لا نقوم بتوجيهها بأنفسنا بدل أن نترك ذلك لشخص آخر؟ التغير الذي نعنيه هنا هو التغير الإيجابي وهو سلسلة من الأعمال التي تقودنا إلى مستوى أفضل في شأن أو في سائر شؤون حياتنا. سوف نجول في ملخص هذا البحث كيف نتغير خطوة بخطوة ونسأل من الله العون والتوفيق.
بدايةً لماذا الحديث عن التغير؟
التغير فكرة مركزية في ثقافتنا الإسلامية، فنحن ننظر إليه كوسيلة لنيل المزيد من رضوان الله عزّ وجلّ، والذي هو وظيفتنا الكبرى في هذه الحياة، وكم نقابل من الأشخاص من يود التقرب إلى الله... يرغب في الإقلاع عن المعصية... يود أن يتحول إلى شخص فاعل في الحياة، بناء معطاء لمجتمعه، لكن الحيرة تشلّه: من أين أبدأ وكيف أواصل؟ وكيف أخرج أفضل ما عندي؟ إلى غير ذلك من الأسئلة التي أتمنى أن يزال عنها الغبش...
نتحدث أيضاً عن تغيير أنفسنا لأنها الخطوة الأولى والأهم في سبيل تحسين أوضاع مجتمعاتنا وحالي أمتنا كما ورد في قول الله العزيز الكريم:
ﭿ ﮬ    ﮭ  ﮮ   ﮯ  ﮰ  ﮱ      ﯓ  ﯔ  ﯕ  ﯖ ﭾ الرعد: ١١
والآن من أين نبدأ بالتغير... الخطوة الأولى على طريق التغير هو الاعتراف بوجود مشكلة والشعور بالحاجة إلى التغير.
عندما نمتلك الشعور بالحاجة إلى التغير، سوف يكون لزاماً أن نطرح السؤال التالي: أين أنا في مجال التدهور الحاصل في بلدي؟
يحتاج التغير للتكيف مع واقعنا للتخلص من عاداتنا البالية، للتحرر من أعباء الماضي، ما هو سلبي، هو وحده الكفيل بالإستفادة من حاضرنا والتخطيط الزاهر لمستقبلنا وأول ما يمكن فعله نشر التوعية بين الناس بكل الطرق والوسائل لمعرفة حقوقهم وواجباتهم وكيفية التعامل مع أنفسهم مع الناس مع خالقهم...
 
التغير الاجتماعي:
مدخل:
التغير هو التحول من حالة إلى أخرى، والتحول الذي يطرأ على التنظيم، أو البناء الاجتماعي في الوظائف والقيم والأدوار الاجتماعية، خلال فترة زمنية وقد يكون هذا التغير إيجابياً أو سلبياً. والتغير الاجتماعي ظاهرة عامة مستمرة تحدث من خلالها اختلافات وتعديلات في العلاقات الإنسانية أو القيم الاجتماعية أو الأدوار والمراكز والأفراد وقد قال الفيلسوف اليوناني هرقليطس" إن التغير قانون الوجود، وإن الاستقرار موت وعدم "فقد شبه فكرة التغير بجريان الماء بالنهر فعندما يبقى نقيا أما عندما لا يتحرك فإنه يأسن أي يخرب وتنتشر رائحته النتنة.
أشكال التغير الاجتماعي:
أولا: التغير في القيم الاجتماعية.
القيم هي التي تمنح الشرعية لفعل ما فيكون مقبولا في المجتمع أو مرفوضاً يشنأ صاحبه، وهي بهذا تيسر التغير الاجتماعي أو تعوقه، وترشده أو تحرفه. القيم هي مبادئ ومعايير مسلمة بين جميع أفراد المجتمع أو غالبيتهم، فهي بهذا تمثل مرجعية للسلوك. أما مصدرها فربما كان الشريعة المنزلة، أو اجتهادات العلماء أو ما تواضع عليه المجتمع، أو سوى ذلك مما استقر في المجتمع، نتيجة حوادث معينة عبر تاريخه الطويل.
‌أ-    من أجل سياسة وقائية:
في تاريخ كل مجتمع تنشأ في حال الرخاء والغنى قيم. وفي حال العوز والفقر تنشأ قيم، وفي حال الخوف تنشأ قيم، وفي حال الأمن تنشأ قيم، وهذه القيم ليست جمعيها في مستوى واحد، فبعضها أساسي في ثقافة المجتمع وبعهضا هامشي، وغايتها جميعا ضبط السلوك داخل المجتمع وتيسير التفاعل بين أفراده، والمجتمع لا يتسامح في التعدي على قيمه ولا سيما القيم الأساسية. ويتخذ في سبيل حمايتها عددا من الإجراءات، قد يكون منها معاقبة المخالف عقابا بدنيا، أو عقابا معنويا كالإهمال والاحتقار، فتشكل الاضطرابات - الناجمة عن الإهمال وعدم الأمان وفقدان احترام الذات –
1-    واقعاً مغلقاً على مستوى الأمة.
2-    تغذي العنف والانقسامات  داخل المجتمع. والمخاوف تثير الأعمال اللاعقلانية.
3-    تزيد من حدة مناخ التوتر واليأس والخلق الذي لايمكن أن يتبدد إلا بوجود مؤسسات ملتزمة تعمل مع الجماعة، وفي غياب هذه المؤسسات أو عدم فاعليتها، تنشأ حالة يعمل فيها كل فرد من أجل مصلحته الخاصة بمعزل عن مصلحة الآخرين مما يزيد من قوة العنف الكامن في النفوس.
‌ب-    الإهمال وعدم الأمان.
إن ابتكار الأدوات القادرة على تشجيع المبادرات الخلاقة لدى الأفراد الذي يعانون من ظروف مؤلمة، يجب أن يرتكز إلى قيم الفرد الخاصة وإلى القيم الثقافية التي تم من قبل تجريدها عن قيمتها، ولا يمكن تصور هذه الأدوات إلا في إطار المشاركة، ومن ضمن الجماعة؛ فالحلول الأكثر ملاءمة للمشاكل تولد داخل الجماعة التي تبلورها بنفسها، في ظل احترام تنوع الأفراد، وتجاربهم بمعزل عن سلم قيمي يفرض نفسه مسبقا، هذا الأسلوب يتطلب أشخاصاً من أصحاب الخبرة، ومسافة نقدية من النماذج السائدة لتفسير الألم. ومن أشكال التدخل اللازم لمعالجته والتي غالبا ما تكون تبسيطية واختزالية: كالنموذج الطبي مثلا الذي يشجع على اعتماد العلاج الكيميائي، أو النموذج الاجتماعي الذي يفرض من الخارج مبادرات تربوية تارة وقمعية تارة أخرى.
إن ترقّي الفرد بالاعتماد على قدرته الشخصية يشكل عامل تحول اجتماعي، ويجب أن يتمكن من الابتعاد عن النموذج الأبوي المتمثل بنموذج الدولة-العناية، أو الدولة القادرة  على كل شيء؛ هذا النموذج الذي يزيد من الإتكالية ويخنق الطاقة على الابتكار، فلا ينبغي انتظار توظيف المبالغ المالية بل الاستفادة فعليا من الرأسمال الاجتماعي-الثقافي الذي يملكه الفرد المعاني من العزل لكي تسمح له بأن يخرج من واقع الضحية إلى صنع مصيره، وبذلك يصبح شريكاً في مسؤولية إعادة بناء المجتمع وقادراً على التمييز والاختيار محققا بذلك استقلاليته.
إن إيجاد أمكنة تتيح تأسيس وتعميق الروابط العاطفية والاجتماعية، ويولد فيها - من خلال شراكة الحياة - الانتماء الثقافي أمر ضروري للفرد الفاعل، إذاً يجب التخلي عن النموذج الفردي الذي يجعل كل الحلول مناطة بشخص واحد، يأتي من الخارج، أو بالسياسة. بل لا بد من إطلاق حركات يتعارك فيها الجميع مما يسمح للجماعة بأن تتطور في مجملها ككتلة واحدة فتغتني.
‌ج-    فقدان إحترام الذات.
كما أن فقدان احترام الذات هو حالة من الحرمان يعاني منها الفرد من جراء عدم معرفته لذاته. إذاً من المهم إيجاد تطوير أماكن لترميم الهوية حيث يمكن التكلم بحرية، وترميم احترام الذات - لدى الأشخاص الذين يعانون من العزل - يشكل حجر الزاوية في مكافحة النفس في القرن الحادي والعشرين.
وأختم حديثنا بطرفة رويت لي أثناء جلسة علاج أحد  الأباء الذي كان يرغب في تهدئة ابنه الثائر ضد الفوضى والتشويش الذي يغرق فيه العالم، مزق خارطة العالم وحولها إلى قطع صغيرة ثم طلب من ابنه أن يعيد تكوينها على طريقتها لاقتناعه بأنه لن يقدر على ذلك، وبعد نصف ساعة تشكلت الخريطة وعندما رأى الابن دهشة والده شرح له أنه لاحظ رسما لرجل على ظهر الخريطة قبل أن يمزقها فكان همه الوحيد أن يصلح الرجل وعن طريق إصلاح الرجل يصلح العالم كله.
(القيم إلى أين؟ جيروم بندي، زهيدة وجان جبور، ص 352-353، (دار النهار).
القيم والواقع الاجتماعي:
فالقيم إذاً مرتبطة بمنظومة من المفاهيم وأنماط من السلوك، وببعض مؤسسات المجتمع، وفي بعض الأحيان يعد المجتمع بعض الشخصيات العامة رموزاً ممثلة لبعض القيم، فمثلا رجال السياسة وبعض المؤسسات السياسية يمثلون قيما سياسية معينة، وبعض علماء الشريعة وبعض المؤسسات الدينية تمثل بعض القيم الدينية. وربما كانت الرموز أماكن أو أشياء أو سلوك وهيئات، ومن أمثلة ذلك الرموز الدينية التي أصدرت قراراً في فرنسا بمنع أرتدائها في المدارس العامة التي تشرف عليها الدول. فالقيم إذن ليست منفصلة عن الواقع، وإنما هي ماثلة في الأذهان ظاهرة في الأعيان، فهي ماثلة في الذهن بمعناها وما يرتبط بها من مفاهيم وظاهرة  في المجتمع من خلال رموز وشخصيات ومؤسسات وسلوك يجسدها في المجتمع. ولو انفصل الوجود المادي للقيم عن وجودها الذهني لما كان للقيم قيمة، ولا انتفى تأثيرها من المجتمع، وهذا يشمل قيم الحق وقيم الباطل فأي قيمة لا بد أن يكون لها وجود ذهني ووجود مادي في المجتمع، ومن عظّم القيم في وجودها الذهني وهوّن من وجودها المادي فهو في الحقيقة يسعى لهدمها، وبعض معارضي القيم يسلكون هذا السبيل فيعظمونها مجردة في الذهن، لأنهم لا يستطيعون إنكارها خوفا من سطوة المجتمع، ولكنهم ينتقصون ما يمثلها من سلوك، وينتقصون ما يمثلها من مؤسسات وهيئات. (الشخصية والبناء الإجتماعي – جبرت وميلز – ص 200)
ثانياً: التغير في الأدوار والمراكز الاجتماعية.
تؤثر القيم الاجتماعية في مضمون الأدوار الاجتماعية كالانتقال من النمط الإقطاعي للمجتمع إلى النمط التجاري أو الصناعي ويصاحب ذلك تغيرا في القيم التي ترتبط بأخلاقيات هاتين الطبقتين في النظرة إلى العمل وقيمه والقائمين عليه.
ثالثاً: التغير في الحراك الاجتماعي.
 يرتبط التغير الاجتماعي بالحراك الاجتماعي ويقصد به تحرك الأفراد والجماعات من مركز اجتماعي إلى مركز اجتماعي آخر في نفس المجتمع أو في غيره، ويؤدي ذلك إلى لعب أدوار جديدة تترجم بسلوكيات متوقعة للفرد داخل الجماعة، هذه السلوكيات مرتبطة بالمركز الاجتماعي للفرد. والمركز الاجتماعي يشغله الفرد بحكم سنه أو جنسه أو تحصيله العلمي الذي يؤثر أيضا على دخله ونمط معيشته، والاحترام الذي يناله في المجتمع كالمعلم، والمحامي والطبيب والمهندس وغيرهم وقد يكون المركز الاجتماعي موروثاً. (المرجع نفسه)
عوامل التغير الاجتماعي.
أولا: العامل الديموغرافي، (السكان) ويقصد به الآثار المرتبة عن الوضع السكاني في اختلاف حجمه أي عدد سكان منطقة ما وكثافته، ومعدلات المواليد والوفيات بالزيادة أو النقصان وهجرته الداخلية والخارجية، وفقد تسبب هذه العوالم تفككاً في الحياة الاجتماعية وقد تسبب حركان اجتماعيا في مجتمعات أخرى.
ثانيا: العالم الأيدولوجي (الفكري) تعد الأيدولوجيا حركة فكرة هادفة تؤثر على سلوكات وعلاقات وأنماط حياة البشر، ولها دور كبير في التغير الاجتماعي، كمان أن للظروف دورا في تشكيل ايديولوجيات الناس فالأيديولوجية الاشتراكية مثلا تكونت بسبب تحكم الرأسمالية في قوى الإنتاج واضطهاد العمال، والأمر الذي جعل الطبقة العمالية تتمسك بالنظام الاشتراكي أملاً في الخلاص من النظام الرأسمالي ولتحقيق العدالة والمساواة.
ثالثاً: العامل التكنولوجي (التقني) إن الإبتكارات العملية تأثيراً مباشراً على الحياة الاجتماعية وعلى سلوك الأفراد وعلاقاتهم الاجتماعية، فالتقدم التكنولوجي في المجالات الطبية ساعد في تخفيض معدلات الوفيات.
رابعاً: العالم الأيكولوجي (البيئي) إن الظروف المناخية والبيئية التي يعيش بها مجتمع ما تتطلب إقامة أشكال اجتماعية تختلف حسب بيئتهم.
خامساً: العامل الإقتصادي: أن طبيعة النشاط الاقتصادي للسكان يؤثر على العلاقات الاجتماعية وأن أسلوب الإنتاج هو الذي حدد الطابع العام للعمليات الاجتماعية والسياسة والروحية في حياة الأفراد.
سادساً: العامل السياسي: أن للأحداث السياسية كانهيار الاتحاد السوفياتي عام 1990 وما يحدث حالياً في سوريا أو أية حروب أو ثورات ومن هجرات قسرية أثراً اقتصادياً على أفراد المجتمع وهذا بدوره يؤثر اجتماعياً على أفراد المجتمعات.
سابعاً: العامل الثقافي: تنتشر بعض السمات الثقافية من منطقة إلى أخرى، فانتشار فكرة الحرية والديموقراطية في مجتمعات كثيرة يساعد على تغير شامل في حياة المجتمعات ولنظمتها السياسية والاقتصادية والتعليمية. (المرجع نفسه)
الأًصالة والمعاصرة في ظل التغير الاجتماعي.
يتميز الوقت الحاضر بتسارع التطورات العلمية والتكنولوجية التي لا يمكن لأحد أن يعيش بمعزل عنها، ولكن ثقافة ومعتقدات وخصائص كل مجتمع تحدد أشكال تفاعله مع هذه التطورات وعلى أفراد المجتمع أن يتمسكوا بثقافتهم ومعتقداتهم، ويتفاعلوا مع تطورات العصر فالأصالة والمعاصرة عنصران متكاملان وضروريان في مجتمعنا فيكون في الأصالة الثبات والرسوخ والعراقة في القيم العربية والإسلامية وفي المعاصرة فهم لروح العصر ومواكبة مستجداته، والاستجابة لضروراته والدعوة إلى فهم الحاضر والتطلع إلى المستقبل.
لا معنى للديمقراطية عند شعب لا يرى نفسه جديرا بتولي أمره ويتقبل راضياً الوصاية عليه، وأن كان العصر الحديث لا يتسع لمثل هذا الافتراض  اليوم فكيف يأن يرى على شاشات التلفزيون عمليات الاقتراع كي يستيقظ فيه حس الطموح ووعي التقدم وشهوة الإصلاح السياسي.
 
التغير الاقتصادي
يشمل الإصلاح الاقتصادي كافة التشريعات والسياسات والإجراءات التي تسهم في تحرير الإقتصاد الوطني، والتسيير الكفء له وفقا لآليات السوق، بما يمكنه من الإنتعاش والإزدهار، وبما يسهل تكامله مع الاقتصاديات الإقليمية، وإندماجه في الإقتصاد العالمي.
وغني عن البيان، فإن هذا المفهوم للإصلاح الإقتصادي، ينطوي على حسم لكثير من الجدال والمناقشات حول هويه النظام الإقتصادي، وحول كثير من التفاصيل، مثل دور الدولة، والعلاقة بينه وبين دور السوق، والبعد الاجتماعي للتنمية...الخ
وقد إتفقت آراء المتخصصين في هذا المجال على أن الأداء الحالي للإقتصاديات العربية لا يتواكب مع التحديات الواجب التصدي لها، ولا يرقى إلى الإمكانيات المادية والبشرية وطاقاتها الكامنة. ويفرض قصور أداء الإقتصاديات العربية في المرحلة الراهنة، وما تستوجبه متطلبات المستقبل، إجراء إصلاح إقتصادي جذري يغير من الأوضاع القائمة. إن الإبطاء في تنفيذ الإصلاح الاقتصادي له تكلفة باهظة وأعباء هائلة، ولن يزيدها مرور الوقت إلا سوءا. ويمكننا رصد ما يلي من مؤشرات عن الواقع الاقتصادي العربي:
‌أ-    إنخفاض معدلات النمو في الدخل القومي.
‌ب-    تراجع نصيب الدول العربية في التجارة الدولية.
‌ج-    تراجع نصيب المنطقة من تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية.
‌د-    ارتفاع حدة البطالة بمعدلات أعلى من متوسطات الدول النامية.
‌ه-    تزايد حدة الفقر في عدد من الدول العربية.
‌و-    للمطالبة بعالم عربي شاب وناهض، لا بد أن تكون عمالة الشباب وجودة التعليم والخدمات الإجتماعية والبرامج المساندة للمشروعات الصغيرة، من العناصر الأساسية في مفهوم الإصلاح وبرامجه، مع تحديد واضح للأولويات، وتأكيد أهمية الإطار المؤسسي اللازم لتحقيق الإصلاح الإقتصادي.
الإصلاح الهيكلي:
‌أ-    وضع معايير وقواعد للارتقاء بنوعية المنتجات الوطنية.
‌ب-    تشجيع برامج الخصخصة بما في ذلك القطاع المصرفي، وفقا للضوابط القانونية التي تحقق المصلحة العامة.
‌ج-    إعلان الدول العربية عن خطط واضحة وبرامج زمنية محددة للإصلاح المؤسسي والهيكلي.
‌د-    إرساء قواعد الحكم الجيد للنشاط الاقتصادي مع تأكيد الشفافية والمحاسبة وتنفيذ أحكام القضاء.
‌ه-    مراعاة الحفاظ على البيئة في كافة الأنشطة الاقتصادية.
‌و-    كما نطالب بإيجاد آليات مناسبة لتدريب العاملين في الجهات المختلفة التي تباشر النشاط الاقتصادي.
وبالنسبة إلى الأبعاد الإقليمية، يخصّ بالذكر:
‌أ-    تطوير القطاعات المالية العربية بشكل عام، وأجهزتها المصرفية بشكل خاص، وتشجيع إقامة كيانات مصرفية كبيرة، وتحديث أسواق المال العربية، والعمل على ربطها معا.
‌ب-    تطوير الأبنية الأساسية لتكنولوجيا المعلومات والربط بينها في العالم العربي.
‌ج-    تفعيل الاتفاقات العربية بوضع أهداف قابلة للتحقيق، مثل: النقل والمواصلات والكهرباء والطاقة وتكنولوجيا الاتصالات والمعلومات، مع إيجاد جهاز للمتابعة في مجلس الوحدة الاقتصادية العربية لرفع النتائج المحققة إلى القمة العربية، دوريا، مع إعلان ما يصدر من نتائج وتقارير.
‌د-    الاتفاق على إطار ملزم لتحرير التجارة في الخدمات بين الدول العربية.
(مجلس الأعمال العربي – منتدى البحوث – نت)
ولكي تزداد فاعلية العالم العربي على نطاق الاقتصاد العالمى يُقترح:
الاستفادة من فرص التعليم والتدريب والعمل في الأسواق المختلفة، فإنني أقترح تأسيس إدارة متخصصة على درجة عالية من الكفاءة في إطار الجامعة العربية لمتابعة قضايا التجارة الدولية، وتمكين الدول العربية من الانخراط الفعال في منظمة التجارة العالمية.


ولدفع عجلة الاستثمار يفضّل:
‌أ-    التصدي الحاسم للمشكلات المعوقة للاستثمار وإزالتها أمام الاستثمار العربي والأجنبي.
‌ب-    تأسيس آلية فاعلة لتسوية المنازعات الاقتصادية بين المستثمرين.
‌ج-    معاملة الاستثمار العربي بما يعامل به الاستثمار الوطني في كل البلدان العربية.
‌د-    تشجيع الابتكار والعمل على جذب الاستثمارات اللازمة للبحث والتطوير واقامة المشروعات في القطاعات الخدمية والإنتاجية ذات القيمة المضافة العالية، وتوفير الحماية الكافية لحقوق الملكية الفكرية.
كما أننا نؤكد على أهمية معالجة الفقر بأبعاده المتعددة من التهميش الاجتماعي والسياسي وضعف المشاركة وقلة فرص الارتقاء، الأمر الذي يحول دون الاعتماد على النمو الاقتصادي وحده لحل مشكلة الفقر، والإعلان رسميا عن برنامج زمني تنفيذي لمكافحة الفقر بما يتواءم مع الغايات التي حددتها الأمم المتحدة للألفية الثالثة. (وثيقة الإسكندرية 2004 – المنظمة العربية لحقوق الإنسان)
ولأهمية قضية العدالة، وبصفة خاصة للشباب وللمرأة العربية، يشجع:
‌أ-    تطوير برامج تمويل المشروعات الصغيرة والمتناهية في الصغر بما يسهم في علاج مشكلة البطالة مع إعطاء الفرصة كاملة للإناث في الحصول على التمويل.
‌ب-    تمكين المرأة من المساهمة الكاملة في قوة العمل الوطنية، وذلك بالاعتماد على ما لديها من خبرات ومؤهلات.
‌ج-    مراجعة السياسات الاقتصادية المتبعة من منظور تحقيق التشغيل الكامل لما يقدر بحوالي ٥ مليون من الداخلين الجدد لأسواق العمل العربية سنويا، مع التركيز على سبل علاج لبطالة الشباب . ولن يتحقق ذلك إلا بسياسات تستهدف رفع معدلات النمو الاقتصادي الحقيقي بما لا يقل عن ٦% إلى ٧% سنويا في المتوسط في السنوات العشر القادمة. ويستلزم ذلك سياسات متكاملة لزيادة الاستثمارات ورفع كفاءات وتعبئة المدخرات المحلية والأجنبية وحسن توجيهها.
ويؤكد المجتمعون أن مؤسسات المجتمع المدني العربي، ومؤسسات القطاع الخاص، إذا مكنت من أداء دورها برفع القيود عنها، قادرة على الإسهام في الإصلاح الاقتصادي.
سعياً إلى تنفيذ هذه المقترحات، وللاستجابة إلى تحديات الاقتصاديات العربية على المستوى القطري والإقليمي، وبغرض الخروج باقتراحات محددة يمكن طرحها على الحكومات العربية. يجب تبني سلسلة من المؤتمرات العامة والندوات المتخصصة، لمناقشة هذه الموضوعات بالعمق الذي يتناسب وأهميتها ودقتها وضرورة وضعها في إطار عملي، منها:
‌أ-    القطاعات المالية العربية والقيود على الاستثمار.
‌ب-    النظام الجمركي الموحد والتجارة البينية.
‌ج-    القدرة التنافسية العربية والمعايير القياسية، وإنشاء مجالس قومية للقدرة التنافسية العربية وتوحيد المعايير القياسية.
‌د-    الحضانات التكنولوجية.
‌ه-    إدارة الموارد العامة في الوطن العربي.
‌و-    الحكم الجيد للنشاط الاقتصادي.
‌ز-    الإعلام الاقتصادي والارتقاء به.
(منظمة المرأة العربية – وثيقة الإسكندرية 2004 – المنظمة العربية لحقوق الإنسان)

 
التغير الثقافي:
تعريف الثقافة:
الثقافة حسب تعريف (عبد الوهاب الكيالي، الموسوعة السياسية) (مؤرخ ومفكر سياسي عربي فلسطيني من مواليد يافا عام 1939) ذلك الأرث الاجتماعي ومحصلة النشاط المعنوي والمادي للمجتمع، فالشق المعنوي يتكون من حصيلة النتاج الذهني والروحي والفكري والفني والأدبي والقيمي الذي يتجلى في الرموز والأفكار والمفهومات والنظم وسلم القيم والحس الجمالي. في حين يتكون الشق الثاني من مجمل النتاج الاقتصادي والتقني (الدورات والآلات) والبيوت وأماكن العمل والسلاح، أما الإطار الاجتماعي الذي يتعمق من خلاله هذا الأرث المستمر والمتطور من جيل إلى آخر، فنعني به تلك المؤسسات والطقوس وأنماط التنظيم الاجتماعي الآخر.
لكنها (الثقافة) تأخذ معنى آخر عند (محمود الخالدي، الأصول الفكرية للثقافة الإسلامية) (عالم دين من الأردن درس في جامعة اليرموك) حيث يعدّها ذلك الكل المكون من مجمل العادات والتقاليد والدين والسلوك والفنون والأدب. وانسجاما مع هذا التعريف فمكونات الثقافة العربية الإسلامية على سبيل المثال لا الحصر هي القرآن الكريم والسنة النبوية لذلك فهي أقرب إلى التماثل والتشابه منها إلى الاختلاف في كل أجزاء الوطن العربي. فاللغة العربية، تبرز مع الدين الإسلامي أهم موحد للعرب، فتشد أواصرهم وتفاعلهم وتزيد من وحدتهم.
أهداف الغزو الثقافي الغربي للوطن العربي.
إن من أوائل أهداف الغزو الثقافي للوطن العربي السعي لمسخ الشخصية العربية بصورة عامة، والإسلامية بصورة خاصة، وقبر منابع الأصالة والإبداع فيها وتحريف مقومات أمتنا الحضارية وإثارة العجز في نفوس أبناء الوطن، وبهذا يتوقف النمو الحضاري. إذ يشعر المرء  بعدم قدرته على مسايرة حضارات العالم ولما كانت اللغة العربية هي لغة الحضارة والإبداع العربي، كان لا بد للغزو الثقافي الغربي من أن يستهدف اللغة العربية ويشجع لغة المستعمر إضافة إلى اللهجات العامة في البلاد العربية لتمزيق وهدم الوحدة الفكرية في العالم العربي وفصم الصلات بين أجزائه ويذهب فرانسيس فوكاياما إلى حتمية سيادة الحضارة الأميركية وهيمنتها على كل المجالات ويرى أن الحضارة الأميركية قد وصلت إلى أعلى مستوى من الرقي والتقدم الذي يمكن أن يبلغه الإنسان، في أي زمان ومكان، وأن الإنسان الغربي صانع هذه الحضارة هو أعلى سلالة بشرية يمكن أن تخرج إلى الوجود وأنه (خاتم البشرية).
ويعد مثل هذا التفكير ارتداداً حضارياً وفكرياً إلى مرحلة استعباد الشعوب غير الأوروبية، لأنه ينطوي على تفكير يفيض، ويتميز بالغطرسة والاستكبار واحتقار حضارات الشعوب وتحقير ثقافاتها وموروثاتها.
كيفية التغير الثقافي:
إنّ نقطة البداية في التغير: هي تحديد جوانب السلوك والأداء المتوقع، ودفعها داخل أرجاء التنظيم، بناء على تشخيص دقيق للوضع الحالي للإطار الثقافي، ومن خلال تحليل سلوكيات الأعضاء والطرق التسييرية،وعلى ضوء النتائج المتوصل إليها يجري التفكير في أنسب الطرق لإحداث تغيير يساعد تجديد نظام القيم السائدة وإحلالها بقيم وثقافة ووقائية تكون معدة لتتلاءم مع التحولات المستمرة.
ليس هناك حل سريع ولا سر يكشف عنه لتحرك مؤسسة من ثقافتها الحالية الجامدة  والتي تتسم بالانسحاب والإهمال والإدمان على السلبية والتسيب والالتزام وتعدد مضيعات الوقت. إلى ثقافة تركز على التميز والإنجاز والنتائج والتجانس، والجماعية والتفتح على الخارج والداخل، واليقظة والتركيز على الأهداف القصيرة والطويلة، والمشاركة والابتكار، الاهتمام بالعاملين كآدميين وتنمية معارفهم ومهارتهم وترسيخ صفات شخصية مدعمة للتغيير.
إن تحقيق هذه الأشياء ليس أمراً سهلاً، فالإقلاع عن العادات السيئة، وتغييرنظم ونمط الإدارة وفلسفة قيم الإدارة العليا والدوافع والاتجاهات والافتراضات أمر صعب. غير أن المؤسسات التي تدرك أهمية التغير وتستعد له بالفكر الجديد ستحافظ على بقائها وازدهارها ، أما التي لا تفعل ذلك فسوف يكون مصيرها الإفلاس والانسحاب حتى لا نقول الاضمحلال والاختفاء، كما حدث للكائنات الحية المنقرضة.
وإن الأوضاع الجديدة تتطلب وجود منظومة من القيم والمعتقدات والاتجاهات والسلوكيات تتلاءم معها، تبررها وتدعمها الدعم المكاني والزماني المطلوب لواقع قائم بالفعل، فلا بد أن تكون هذه القيم منسجمة ومتجانسة مع الواقع والأوضاع الحالية:
‌أ-    قيم تقوم على التفكير العقلاني البعيد عن الغيبيات، وتنظمه في عصر تسيطر عليه روح المنافسة والرغبة في تحقيق التقدم والنجاح.
‌ب-    قيم إيجابية فاعلة أكثر: المبالغة في التحسين مع الاعتراف بمسؤولياتنا عن الأوضاع الراهنة.
‌ج-    تعديل ذهنية وقيم المسؤولين على كافة الأجهزة والمستويات بما يوفر اتجاهات إيجابية تقدر الإنتاجية والكفاءة والتمييز.
‌د-    بيئة تؤكد على أن البقاء لمن يعمل أفضل وليس من يتحايل أكثر.
‌ه-    جيل يؤمن بضرورة التغير وبالمبادئ التي يريدون ترسيخها داخل المؤسسة، جيل يملك التخيل والتفكير الاستراتيجي والابتكار والمبادرة، جيل له الاستقلالية والروح المنظم والاعتماد على النفس، الحاجة العالية للإنجاز، الميل إلى المخاطر متحر الفكر، ولا بد أن تنعكس هذه القيم على إدانة وعلى سياسة المؤسسات التي يعمل بها كمدير أو منظم.
الخطوات العملية لإحداث التغير الثقافي:
1-    لا سبيل للبقاء والاستمرار في ظل التحولات المحلية والدولية إلا بتغيير سلوكاتنا واتجاهتنا وقيمنا وافتراضاتنا اتجاه العمل، الوقت النظام، السلطة، المؤسسة، القادة، أنفسنا، الاخرين، وبالإقلاع عن الخلط بين العلاقات الإنسانية والشخصية وهدف مصالح المؤسسة، مع التأكيد على أهمية التقويم المستمر.
2-    قيام الإدارة بدراسة وفهم الثقافة السائدة، قصد التعرف على الجوانب الإيجابية والسلبية والعمل على استثمار ما هو إيجابي والتخلص من كل ما هو سلبي.
3-    إسهام القيادات الإدارية بأنماط السلوك الإيجابي المرغوب والمطلوب باعتبارهم القوة والمثل في المؤسسة، وايتعلموا شيا مهما هو كيفية حب العاملين وتقييمهم والنظر إليهم كمورد وليس كتكلفة.
4-    العمل بجد على التخلص من الاعتقادات الخاطئة، وممارسات الإدارة بالأزمات وأخلالها بمبادئ إدارة الأزمات.
5-    تنشيط وتفعيل الندوات والملتقيات قصد التعرف برصيد ومعارف وتجارب المؤسسات الرائدة.
6-    وضع نظام فعال استحقاق يستجيب للحاجات غير المشبعة وينمي الحاجة إلى الإنجاز والتمييز.
7-    تثمين وتفعيل نظم الاختيار والتعيين والتدريب والترقية وتقييم الأداء والحوافز باعتبارها الركائز الأساسية لزرع الانضباط والنظام والمسؤولية وتنمية روح الالتزام والولاء وترويضهم على الإبداع والابتكار وإبداء الرأي والرقبة الذاتية والعمل الجماعي، نقل الأعضاء الذين يقاومون  التغير والذين تتسم اتجاهاتهم بالسلبية أو إحلالهم بأفراد راغبين في التغير ولهم الاستعداد للتكيف. وضع آليات تحول دون سيطرة غير الأكفاء على الأكفاء.
8-    المضي في تحرير ثقافة المرأة وتطويرها بما يحقق مساواتها العادلة بالرجل في العالم والعمل تأكيد الفاعلية المشاركة الاجتماعية.
9-    تأسيس منتدى إصلاحي عربي (مثلاً في تونس) ليكون فضاء مفتوحاً للمبادرات والحوارات الفكرية والمشاريع العربية.
10-    إقامة جسر لكل أشكال الحوار والتعاون مع مؤسسات المجتمع  المدني العالمي ويتم ذلك خلال عقد ندوات وحوارات مشتركة عربية وعالمية من خلال موضوعات التنمية بشكل عام وإبراز دور الشباب والمرأة في التنمية بوجه خاص، يضاف إلى ذلك رصد وتقييم مشاريع الإصلاح السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وذلك بالاعتماد على مجموعة متكاملة من المؤشرات الكمية والكيفية.
11-    عقد مؤتمرات عربية داخل كل بلد لمناقشة الفكر الإصلاحي وعرض التجارب الناجحة في هذا المجال على المستويين العربي والعالمي.
12-    تبدأ (تونس مثلاً) تعلن عن استضافتها للمؤتمر القادم عن الإصلاح في مصر مثلا....
13-    عقد ندوات عربية إقليمية تناقش موضوعات في محالات الإصلاح.
14-    تشكيل لجنة متابعة تجتمع كل ستة أشهر لمراجعة ما تم نفيذه ودعم متابعة الحوار.
15-    تنشيط التبادل الثقافي القومي عن طريق الاجراءات التالية:
‌أ-    إعفاء الإنتاج الثقافي العربي من القيود الرقابية، والعوائق الجمركية على امتداد الأقطار العربية، ورفع مستوى البرامج التنافسية مع البرامج الأجنبية.
‌ب-    تنمية المشروعات (النشر الالكتروني)  خاصة بالنسبة إلى الصحف، والمجلات والكتب، للتغلب على مشكلات التوزيع وعرقلة تدفق المطبوعات العربية.
‌ج-    تنشيط مؤسسات الترجمة الحكومية والأهلية وتنسيق اختياراتها في مسارين متزامنين: أولهما الترجمة من العربية لكل اللغات الحية، وثانيهما: من اللغات الحية إلى اللغة العربية.
(وثيقة الاسكندرية 2004).
 
التغير اللغوي:
لقد كانت المنطقة العربية‏,‏ الممتدة من المحيط الأطلسي في الغرب إلى الخليج العربي في الشرق‏,‏ مهداً لحضارة‏,‏ رائعة في الماضي‏.‏ في أوج هذه الحضارة‏.‏ أي بين القرن التاسع والحادي عشر الميلاديين‏,‏ كانت الحضارة العربية الإسلامية تقود العالم في إنتاج المعرفة, معيار التقدم الإنساني في عصرنا الحالي, وكانت اللغة العربية هي لغة العلم بلا منازع.
إلا أن اللغة العربية تواجه الآن - إزاء النقلة النوعية الحادة، لمجتمع المعرفة - تحدياً مزدوجاً, فقد فرضت عليها معظم التحديات التي تشترك فيها مع معظم لغات العالم الأخرى, في ذات الوقت الذي تعاني فيه أزمة حادة: تنظيراً وتعجيماً وتعليماً وتوظيفاً وتوثيقاً. وقد أظهرت الإنترنت, سواء علي صعيد البحث أو البث, مدى حدة هذه الأزمة الطاحنة, التي ترسخت حتي كادت تصبح عاهة حضارية شوهاء تلطخ جبين أمتنا العربية, وهو ماحدا بتقرير التنمية الإنسانية العربية الثاني بأن يخلص إلى أن انتشال العربية من أزمتها الراهنة يعد شرطا أساسيا للحوق المجتمعات العربية بركب مجتمع المعرفة, ونضيف أن الإصلاح اللغوي المطلوب لابد أن يتم بأقصي سرعة ممكنة حتي لا تتسع الفجوة اللغوية التي تفصل بين العربية ولغات العالم المتقدم, وربما اعتبر هذا الشرط نوعا من التعجيز لولا قناعة راسخة بأن تكنولوجيا المعلومات, بما توفره من وسائل عديدة في المجال اللغوي, تتيح فرصا عديدة لانتشال العربية من أزمتها الراهنة.
ويحذر المفكر العراقي علي القاسمي, في كتابه القيم (اللغة العربية وخطر الانقراض, 2007) من أن اللغات تضعف وتموت, وأن اللغة العربية مرشحة لهذا المصير البائس لو استمر إهمالنا لها.
يقول علماء اللسانيات إنه يوجد في الوقت الحاضر ما بين 5000 و6000 لغة، طبقا لنوعية التصنيف واحتساب اللهجات أو عدمه. وتشير الإحصائيات المتوافرة إلى أن ما بين 250 و300 لغة تنقرض سنويا بفعل سرعة التواصل والميل إلى استعمال اللغات العالمية الأكثر فاعلية. وهذا ما يسميه بعضهم بالغزو الثقافي أو اللغوي. وبعملية حسابية بسيطة, يتبين لنا أن القرن الميلادي الحالي يمكن أن يشهد اندثار حوالي ثلاثة آلاف لغة, أي نصف لغات العالم.


العرب أهملوا اللغة العربية:
وتتجه منظمة الأمم المتحدة في نيويورك إلى إلغاء العربية من بين اللغات العالمية الرسمية في المنظمة وهي: الإنجليزية, الاسبانية، الفرنسية، الروسية, الصينية, العربية, وذلك لثلاثة أسباب:
‌أ-    عدم استعمال ممثلي الدول العربية اللغة العربية في الأمم المتحدة, فهم يستعملون الإنجليزية أو الفرنسية, وهذا يكشف ضعف إدراكات الصفوة الدبلوماسية العربية الممثلة لبلدانها.
‌ب-    عدم وجود مترجمين عرب أكفاء يجيدون اللغة العربية.
‌ج-    وعدم وفاء معظم الدول العربية بالتزاماتها المتعلقة بدفع نفقات استعمال العربية في المنظمة.
وقد ذُكر أن اليابان استسلمت في الحرب العالمية الثانية تحت وطأة القنابل الذرية الأمريكية, ففرض الأمريكيون شروطهم المجحفة علي اليابان المستسلمة, مثل تغيير الدستور, حل الجيش, نزع السلاح إلخ... وقد قبلت اليابان جميع تلك الشروط باستثناء شرط واحد هو التخلي عن لغتها القومية في التعليم, فكانت اللغة اليابانية منطلقا لنهضتها العلمية والصناعية الجديدة.
وفي كوريا يتم التعليم, في مختلف مراحله ومتنوع تخصصاته, باللغة الكورية الفصيحة, مع العلم أن اللغة الكورية كانت قد منعت في المدارس الكورية وحلت محلها اليابانية أثناء الاحتلال الياباني لكوريا الذي انتهي في الحرب العالمية الثانية. وتوجد في كوريا حاليا 110 قنوات تليفزيونية كلها خاصة الا قناة حكومية واحدة وجميعها تبث باللغة الكورية الفصحى السليمة (طبقاً للسياسة اللغوية للدولة وتحت مراقبتها).
وأبرز السيد ميهوبي (وزير إعلام الجزائر) في كلمة ألقاها خلال افتتاح يوم دراسي حول اللغة العربية في الصحافة المكتوبة -نظمه المجلس الأعلى للغة العربية- الحاجة الى "اصلاح لغوي في وسائل الاعلام من خلال تكوين ورشات عمل بين المجلس الأعلى للغة العربية والجامعات ووسائل الاعلام" مشيرا الى "ضرورة أن يكون عمل هذه الورشات المنصب على تقويم الأخطاء الشائعة مستمرا وغير منقطع".
وأضاف السيد ميهوبي في نفس السياق "نحن مستعدون لاقامة هذه الورشات مع الصحافة المكتوبة ووسائل الاعلام الاخرى للتحسيس بضرورة الحفاظ على اللغة العربية ووقف النزيف الذي يجتاحها".
واعتبر أن مستوى اللغة العربية في الصحافة يشهد "حالة انحدار بالنظر الى عدم احترام اللغة السليمة في مبناها ومعناها" وساد نتيجة لذلك "تعويم اللغة" التي أصبحت "متساوية مع لغة الشارع". مضيفا في هذا الاطار أن "اللغة الاعلامية المستخدمة حاليا تسعى الى أن تكون بسيطة لأنها تضع في منطقها أنها تنزل الى الناس و ليس القيام بدورها في رفعهم الى مستوى عال".
كما دعا وسائل الاعلام الى الاستثمار في مجال ترقية اللغة العربية في العناوين الناطقة باللغة العربية وذلك عن طريق جلب المدققين اللغويين و نشر كتيبات لتجنب الأخطاء اللغوية الشائعة و هو -كما أضاف- "لا يكلفها كثيرا من المال وانما يجلب لها الاحترام و المصداقية".  
وبعد أن أعطى السيد ميهوبي لمحة عن الصحافة المكتوبة قبل الاستقلال التي كانت -كما قال- "تتميز بأقلام مسؤولة ليس فقط في الفكر بل في حماية اللغة العربية"
وفي سياق متصل قال أن "الجزائر تحصي 80 جريدة يومية" مضيفاً في الوقت نفسه "اذا تركنا العدد يتوسع دون الاهتمام بالمضامين ومستوى الأداء نكون قد اقترفنا الكثير من المآسي في حق اللغة العربية".
وفي فرنسا أيضاً يوجد قانون يعاقب من يخطئ باللغة الفرنسية في الإذاعة أو الرائي أو المدرسة لأنه يفسد لغة الأطفال.
مفكر تونسي يحذر من انقراض الفصحى
حذر المفكر التونسي عبد السلام المسدي من انقراض اللغة العربية الفصحى. وقال "نحن أمة بلا مشروع لغوي وقريبا سنصبح بلا هوية وإذا لم تحدث ثورة جذرية فستلحق لغتنا باللغات الميتة وتؤول بعد ثلاثة أجيال لمراسمية تعبدية طقوسية.
وأضاف أن "العربية تلقى تحديا كبيرا أمام العلم الإنساني فاللغة هي الحامل للمنتج الثقافي؛ وأنصار العولمة يعلمون أن اللغة أم المرجعيات في تشييد المعمار الحضاري وبناء صرحه الثقافي.
انتحار جماعي
ويرى المسدي أن تكريس اللهجة كحامل للرسالة الثقافية وبديل عن اللغة القومية "انتحار جماعي على عتبات قلعة التاريخ".
حق اللغة على الدول العربية:
‌أ-    تعلم العربية: المفروض على الدول العربية التي تستقبل العمالة الاجنبية من غير العرب ان تفرض تعليم اللغة العربية على هؤلاء القادمين للعمل في الدول العربية، وخصوصا ان عددهم بالملايين ويفرضون لغاتهم وعاداتهم على المجتمع، ولو أن الدول العربية التي تستقبل العمالة الاجنبية (وهي دول الخليج العربي وليبيا والجزائر) اشترطت تعلم العربية قبل الحصول على تأشيرة العمل لوجدت الكثير من مدارس اللغة العربية في الدول الأجنبية، وعددهم بالملايين ولكن الحكومات العربية اهملت اللغة وحتى الاسماء التجارية والمؤسسات اصبحت غربية وصرنا نقول (مول) بدل (مركز تجاري) وأمثلة أخرى وأما اللهجات المحلية فهي لاتضر اللغة العربية لو الحكومات العربية فرضت اللغة في تعاملاتها وتسمية المؤسسات باسماء عربية.
‌ب-    اللغة وعاء التكامل العربي: لا توجد فرصة للنهضة في أي دولة عربية وحدها، ولا نهوض إلا في سياق تكامل عربي فعال. ومن هنا الأهمية القصوى للنهوض باللغة لعربية.
‌ج-    مشروع لغوي للنهوض: علاقة الفكر باللغة علاقة معروفة..كذلك علاقتهما معا بوجود أي أمة قبل الحديث عن نهضتها. ربما لولا (القرآن الحكيم) لانقرضت الأمة العربية منذ زمن..فمكوناتها الثقافية والسياسية والتعليمية لم تكن لتحميها، اتجاه منظمة الأمم المتحدة الى إلغاء العربية من بين اللغات العالمية الرسمية. ومقولة رئيس وزراء اليابان عند إعلان الاستسلام (هزمنا في ساحات المدارس قبل ساحات المعارك) حاضرة في الأذهان ولن تغيب.. وتقرير (أمة في خطر) (Nation At Risk) يكشف يقظة السياسة التعليمية الأمريكية للمخاطر اللغوية ووضع الحلول لها قبل وقوعها. (مشروع للنهوض باللغة العربية) يكون هذا المقال القيم نواة له جدير بالمسارعة اليه وبلا انتظار لقمم او مؤتمرات ..
‌د-    جعل التعليم باللغة العربية يحل كثيراً من المشاكل اللغوية: وقال الشاعر حيدر محمود في حديث للجزيرة نت "نحتاج الآن لقرار تعريب العروبة واللغة معا بإعادة المناهج التعليمية كما كانت في الخمسينيات وتدريس عروض الشعر وعلم البلاغة فكثير من شبابنا لا يفرق بين الشعر والنثر.
1)    يحلّ مشكلة غموض المصطلحات العلمية.
2)    يضيّق الهوّة بين الفصحى والعامية.
3)    ينشر التعليم بين الناس، ذلك أن اعتماد اللغات الأجنبية في تعليم المواد العلمية يزيد في صعوبة تعليم هذه المواد. ولعل من أهم أسباب ظاهرة الرسوب في امتحاناتنا: عدم اتقان طلابنا لغة المواد العلمية، فكثيرون ممن يدرسون المادة العلمية لا يستطيعون التعبير عمّا يعرفون منها باللغة الأجنبية.
4)    الصراع القائم بين العربية الفصحى واللغة الأجنبية ضمن جدران المدرسة وبين الفصحى والعامية خارج هذه الجدران جعل ميدان الفصحى ضيقاً، فيصيرّها بالتالي صعبة، نتيجة قلة استعمالها، وما لم يبادر سريعاً إلى جعل الفصحى لغة جميع المواد العلمية، فإن تعليم العلوم بها سيكون غداً أعسر مما هو عليه اليوم، وأقل عسراً مما سيكون بعد غد، وذلك نظراً لتزايد المصطلحات العلمية يوماً بعد يوم وسرعة انتشارها بين الناس.
5)    تدريس العلوم بلغة غير عربية، هو نوع من استمرار الاستعمار الثقافي، وعليه نرى أن تعليمها باللغة العربية، أمر ضروري، ولكن لا بد من أن تسبقه أو تلازمه خطوات أساسية منها:
‌أ-    استخراج العربية الأساسية وتيسير أساليب تعاليمها.
‌ب-    إيجاد المصطلحات العلمية اللازمة وتوحيدها في العالم الغربي كافة.
‌ج-    تأمين العلماء الذين سيكتبون بالعربية في كل علم وبالتالي تأمين المصادر والمراجع اللازمة لكل متخصص. وذلك على غرار الفرنسية الأساسية والإنكليزية الأساسية عن فقه اللغة العربية وخصائصها.
أما عن ندوة "مرصد اللغة العربية وآفاق التعريب" فخلصت في ختام أعمالها إلى العديد من التوصيات جاءت على النحو الآتي:
-    دعوة القادة العرب إلى التوجيه بإصدار القوانين والتشريعات اللازمة لتمكين اللغة العربية وحمايتها.
-     دعوة القادة العرب إلى التوجيه بتوفير المتطلبات التشريعية والموارد المادية لتنفيذ مشروع النهوض باللغة العربية للتوجه نحو مجتمع المعرفة عبر أجهزتها المتخصصة "مركز تنسيق التعريب- المركز العربي للتعريب والترجمة والتأليف والنشر.. إلخ".
-    دعوة الدول العربية إلى دعم الأمن القومي العربي وتعزيز جهود التنمية المستدامة بتعزيز استخدام اللغة العربية على أنها محور الثقافة العربية ومناط القومية وسبيل النهضة العربية.
-    تأكيد توصية مؤتمر التعريب الحادي عشر وقرار المجلس العلمي لمكتب تنسيق التعريب بالرباط، بإنشاء مرصد عربي في ضوء الدراسات المرجعية التي اعتمدتها ندوة مرصد تعريب اللغة العربية وآفاق التعريب وتوفير الإمكانات المالية والبشرية اللازمة له.
اقتراحات لإحياء اللغة الفصحى.
هناك الكثير من أبواب التمكن من اللغة العربية بالفصحى و منها:
أولا: فتح أبواب المساجد بين الصلوات -كما كان قبل مقتل السادات رحمه الله- وذلك للنشاط التعليمي والدعوي وليس السياسي حيث لا ينكر أحد دور حفظ القرآن وتعلم قراءته كما أنزل بالأحكام في نشر الفصحى وزيادة الحصيلة اللغوية منها.
ثانيا: الاهتمام بتعليم اللغة العربية في مراحل التعليم المختلفة وذلك على غرار ما يقدم من مناهج قوية متماسكة في اللغات الأجنبية مثلا هل يوجد منهج للعربية يماثل في إعداده وتنوعه مناهج Test of English as a Foreign Language (TOEFL)؟ تعمل منذ سنوات طوال، على جانب كبير من تنوع المصادر التي تحرص على تعليمها واختبارها من حيث التعبير والفهم الكتابي والشفوي وتكون كتبا مصحوبة بشرائط الكاسيت وبأقراص مدمجة، ولأن الاختبارات متنوعة وأعدادها رهيبة فهي تدفع الممتحن دفعاً للقراءة في شتى المناحي من طب وعلوم وأدب وموسيقى وتاريخ وغيرها وللاستماع للمحطات التليفزيونية التي تتحدث اللغة السليمة وهكذا.
ثالثاً: على الصحف -ووسائل الاعلام- عدم نشر مواد لا تستخدم الفصحى وتصحيح الأخطاء اللغوية الواضحة قبل نشر التعليقات.


لو لم تكن أم اللغات هي المنى         لكسرت اقلامي وعفت مدادي
لغة إذا وقعت على اسماعنا         كانت لنا برداً على الأكباد
ستظل رابطة تؤلف بيننا             فهي الرجاء لناطق بالضاد

حليم دموس – شاعر
 
المراجع والمصادر

الكتب:
1-    فقه اللغة، إميل يعقوب، دار العلم للملايين، 1982.
2-    اللغة العربية وإعداد رجال الأعلام، سمير كبريت، دار النهضة العربية.
3-    المشكلة اللغوية العربية، سمر روحي الفيصل، 2008.
المجلات:
1-    عالم المعرفة، مصطفى ناصيف: اللغة والتفسير والتواصل، العدد 193.
2-    الوطن القطرية، العدد 5252.
الانترنت:
1-    الإصلاح في الوطن العربي: بحث في دلالة المفهوم، الدكتور محمود العريان، دون تاريخ، متوافر على موقع: http://www.mokarabat.com/s879.htm.
2-    تأملات في مسيرة التعريب بالجزائر، ابن باديس ومحمد الابراهيمي، 26/01/2010، http://www.wata.cc
3-    التغير الإيجابي.. من أين نبدأ؟، ياسر عبد الكريم بكار، 26/01/2012، متوافر على موقع: http://www.balagh.com
4-    لماذا نحتاج إلى التغير؟، 24/4/2012، متوافر على موقع: http://alfrasha.maktoob.com
5-    مفكر تونسي يحذر من انقراض الفصحى، محاضرة للمفكر التونسي عبد السلام المسدي، 28/02/2012، متوافر على موقع: http://www.aljazeera.net.
6-    منتدى البحوث، آذار 2004، متوافر على موقع: منتدى الإصلاح العربي، http://www.bibalex.org
7-    المنظمة العربية لحقوق الإنسان، آذار 2004، متوافر على موقع: منتدى الإصلاح العربي، http://www.bibalex.org
8-    منظمة المرأة العربية، آذار 2004، متوافر على موقع: منتدى الإصلاح العربي، http://www.bibalex.org
9-    وثيقة الاسكندرية، آذار 2004، متوافر على موقع: منتدى الإصلاح العربي، http://www.bibalex.org.