تحولات المضامين الفكرية في الخطاب الشعري المعاصر

 شهدت مضامين الخطاب الشعري في القصيدة الطويلة المعاصرة-شعر التفعيلة خاصة- مجموعة بارزة من التحولات التي اتسمت في كثير من جوانبها بطابع فكري جاء منسجما مع التأثيرات التي انبثق عنها ذلك الخطاب ، ومتسلسلة مع التحولات التي مرت بها الأمة العربية ، فبدأ الخطاب الشعري في القصيدة الطويلة المعاصرة توجيهيا ذا طابع تقريري يميل إلى الوعظ المباشر وتقديم العبرة ، ثم تحول إلى خطاب نقد شعري انصب في المحاور الاجتماعية والسياسية والحضارية ، وبلغ هذا الخطاب النقدي ذروته في المحور السياسي، إلى أن تحول بفعل مجموعة من المتغيرات إلى خطاب ثورة ورفض ، يحرّض ويتمرد على الواقع والقيم والاتجاهات ، ويخص الأنظمة الحاكمة بكثير من نتاجاته ، ثم تحول إلى خطاب تأملي ذي طابع فلسفي مغرق بالذاتية أو الموضوعية المتشظية ليفتح بهذا التحول الباب أمام السؤال عن التحول القادم لهذا الخطاب الذي تقترح الدراسة أن يكون خطاب بعث وتجديد فكري يوازي البعث والتجديد الذي تحتاجه الأمة في نواحيها كافة .

استهلال

حظي الخطاب (Discours ) وتحليله وأدواته وإستراتيجياته باهتمام كبير في الدراسة النقدية الحديثة،وهذا ما أوجد كما هائلا من المصطلحات والمفاهيم والتعريفات والنظريات التي تداخلت وتشابكت إلى حدّ كبير نرى أن تفصيلها وبيان جزئياتها مطلب يختلف كثيرا عن غاية البحث ، وسنكتفي بالإشارة إلى أبرز المفاصل التي نقدر أنها تسهم في بيان التحولات الفكرية لمضامين الخطاب الشعري في القصيدة الطويلة المعتمدة على وحدة التفعيلة والمُسلَّم –نسبيا لدى الدارسين- بابتدائها في منتصف القرن الماضي.
وجاء اختيارنا للقصيدة التفعيلة الطويلة لتكون مادة البحث لمسوغات عديدة ، منها أننا لا بد -في أي بحث - أن نقف وقفة واضحة على حدود البحث المكانية أو الزمانية، ولاعتقادنا أن القصيدة الطويلة تتيح للشاعر المعاصر مساحة كافية للتعبير عن تجربته الشعرية بصورة وافية وبكل تفاصيلها، وتتيح للمتلقي فرصة إضافية تساعده في تحليل الخطاب الشعري الذي تنتظمه القصيدة ، ولأن الطول في القصيدة المعاصرة لم يعد مظهرا يتصل بالشكل الخارجي دون أن يؤدي وظيفة ما، وهو ما دفع كثيرا من الشعراء إلى التحول نحو هذا الإطار من أطر القصيدة المعاصرة كما ذهب هربرت ريد الذي يقول :" إن أكثر الشعراء يطمح لنظم قصائد طويلة ، ويمكننا أن نقول تقريبا إن الاختلاف بين شاعر مفلق و شُعرور إنما هو القدرة على نظم قصيدة طويلة نظما ناضجا ، ولست قادرا على التفكير بأي شاعر يجازف المرء بتسميته (عظيما) في الوقت الذي يتألف فيه عمله الشعري من مقطعات قصار ليس غير ، وطبيعيّ،على الرغم من ذلك أن يكون ثمة شعراء صغار كثيرون ممن توافرت لهم موهبة فذة لنظم المقطعات القصار، لهم عدد من القصائد الطوال الخاوية التي تعزّ قراءتها الأمر الذي يحط من منزلتهم "([1]) ،فحين "يكون التصوّر معقدا جدا إلى حدّ يستدعي من العقل أن يتلقاه في سلسلة مفككة مرتِّبا هذه السلسلة أخيرا في وحدة شاملة ،تحدد القصيدة آنذاك بأنها طويلة " ([2]) ، وتميل الدراسة إلى ما ذهب إليه عز الدين إسماعيل من أنه خلال الخمسة عشرة سنة الأولى من بدايات القصيدة العربية المعاصرة "تم استكشاف عدة أطر للقصيدة ، كان آخرها إطار القصيدة الطويلة ،وكان هذا التطور نفسه في إطار القصيدة الجديدة مصاحبا لبروز النزعة الدرامية و غلبتها على الشعر المعاصر " ([3]) ، وهذا يشير من وجهة النظر النقدية إلى أن " مفهوم القصيدة قد تغير، فلم تعد عملا إضافيا للإنسان يزجي به أوقات فراغه أو يمارس فيه هواياته ،وإنما صارت عملا صميميا شاقا ، يحتشد له الشاعر بكل كيانه،صارت القصيدة تشكيلا جديدا للوجود الإنساني ، و مزيجا مركبا معقدا من آفاق هذا الوجود المختلفة أو –لنقل في إيجاز-إنها صارت بنية درامية "([4])،وهذا التركيب والتعقيد الذي تشهده الحياة يتطلب تعبيرا مركبا ومعقدا يحتاج بدوره إلى امتداد كافٍ لاحتوائه نرى أنه يصلح للتعبير عنه في القصيدة الطويلة.
أما مفهوم القصيدة الطويلة في هذه الدراسة فإننا نعني به ذلك المصطلح الذي نجده لدى الباحث خليل الموسى مختزلا فيه أقوال أبرز النقاد العرب الذين بحثوا في القصيدة الطويلة أمثال عز الدين إسماعيل وغالي شكري وسواهما إذ يقول الموسى:" القصيدة الطويلة: عمل شعري ضخم مركب معقد، ذو معمارية درامية، وبناء عضوي يقوم على أساس الصراع بين عناصر فكرية متجاذبة في حوار داخلي، وتداخل أفقي شاقولي وظيفي، وقد تستخدم أسلوب القصوالحوار المسرحي للتعبير عن الحياة. والشاعر فيها وريث الحضارات الإنسانية بلا استثناء،فصوته يتداخل ضمن سيمفونية من الأصوات المختلفة، إلى أن تصير القصيدة قطعة من الحياة في تطورها النفسي والفكري والاجتماعي.ثم هي تجربة تعبر عن رؤيا،باختصار:القصيدة الطويلة هي التي تعرف كيف توائم بين غنائيتها وعمقها." ([5]).
أما في ما يتصل بالنصوص الشعرية والشعراء الذين سيأتي ذكرهم فإن الأساس الذي انتهجته الدراسة هو اعتماد النص الشعري الطويل دون النظر إلى الشعراء أو الحدود المكانية لهم ذلك أن الدراسة تنظر في نمط شعري –القصيدة الطويلة - لا في أعمال شاعر بعينه .


ضفاف