
لغتنا متوازنة لاتظلم أحدا من الجنسين
أ. دوان موسى الزبيدي
لغتنا متوازنة لاتظلم أحدا من الجنسين
صفات أصيلة في النساء لاتلحقها تاء التأنيث
كثر الحديث عن ذكورية اللغة العربية ، وعن تزيّد اللغويين في تذكيرها،وهي أنثى - في الحقيقة- لغتنا متوازنة ومن خصائصها الدقة في الوصف، لا هي بالذكورية المطلقة ، ولا هي بالأنثوية المطلقة...
في مقال للدكتور عبد الملك مرتاض ذكر فيه أنّ النحاة العرب سَعَوْا إلى المبالغة في تذكير العربيّة التي هي أصلاً مؤنّثة في نظامها النحويّ، فزعموا، مثلاً، أنّ تاء «عاقرة» ليست للتأنيث، ولكنّها للمبالغة! فحتّى المرأة جرّدوها من حقّها الأنثويّ، بجعْل تائها الصريحة الخالصة لإثبات أنوثتها وتعيينها، مجرّد علامة للمبالغة، لا لتخصيص هذا التأنيث.
ويؤكد أن المرأة تتساوَى مع الرجلِ، في نظام اللغة العربيّة، إذا زال الوهم من الدلالة لدى المخاطَبِ فيقال: حاملٌ (للمرأة والرجل) لِتَساوِي القَدْرِ والمكانِ في الدلالة بينهما، وإن كان حَمْل المرأة مختلفاً عن حمْل الرجُل، وهذه مغالَطة بِنَوِيّة أخرى! فكأنّ اللغة هنا تمرُق من أنوثتها اللطيفة فتترجّل تشبّهاً بالذّكَر، وهو على كلّ حال، في العربيّة، قليل، لا يكاد يجاوز خمسة أبنيةٍ... كما يفقِد الرجلُ الاستئثارَ بـ«حقّه اللغويّ» فيتفرّد بالدلالة على حضوره، تمييزاً له عن المرأة، في طائفة من أبْنية المبالغة مثل فَعُول، وفعِيل ﴿إنّ رحمةَ الله قريبٌ من المحسنين﴾، ومِفْعَال... فيتساوَى معها، حَذْوَ النعلِ بالنّعل، كما يتساوى معها في كثير من أبنية المبالغة مثل لُعَبة، وضُحَكة، فلا ندري أيّاً منهما يدلّ على المذكّر والمؤنّث، إلاّ بسياق الكلام، ولكنّ الرجل هنا ينضوي تحت (برنس) المرأة لوجود هذه الهاء...؛ لكن يعلم الدكتور أننا عندما نقول: (امْرَأَة طَالِق) وَلاَ تَقُول: (امْرَأَة طَالِقَة)إِلاَّ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ؛ إِذَا كَانَتِ الصِّفَةُ حَادِثَةً أَيْ: ذَات زَمَنٍ مُحَدَّدٍ؛ فَإِنَّهَا تُؤَنَّثُ فَيُقَالُ: امْرَأَةٌ حَائِضَةٌ وَطَامِثَةٌ وَحَامِلَةٌ؛ إِذَا كَانَ الحَمْلُ أَوِ الحَيْضُ حَادِثَيْنِ الآنَ، وَيَذْكُرُ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا} [الحج2] أَنَّ المُرْضِعَةَ فِي حَالِ الإِرْضَاعِ مُلِقِّمَةً ثَدْيَهَا طِفْلَهَا؛ أَمَّا المرْضِعُ هِيَ الَّتِي مِنْ شَأْنِهَا أَنْ تُرَضّعَ؛ وَإِنْ لَمْ تُبَاشِرِ الإِرْضَاعَ الآنَ أي: فِي حَالِ وَصْفِهَا بِهِ، وعليه فإن للأنثى خصوصية، ولغتنا قدّرت هذه الخصوصية لا للتفريق بل للدقة في الوصف ،وَهُنَاكَ صِفَاتٌ أَصِيلَةٌ مِنْ صِفَاتِ النِّسَاءِ لاَ تَلْحَقُهَا عَلاَمَةُ التَّأْنِيثِ مِثْلُ:
حَامِل وَجَالِع (إِذَا طَرَحَتْ قِنَاعَهَا)
مُغِيل أو مُغْيِل (تُرَضِّعُ وَلَدَهَا وَهِيَ حَامِل وَوَلَدُهَا مُغْيَل)
ومُسْقِط (أَلْقَتْ وَلَدَهَا بِغَيْرِ تَمَامٍ سِقْطًا)
وَمُسَلَّبٌ (مَاتَ وَلَدُهَا)
وَمِذْكَار (إِذَا أَنْجَبَتْ وَلَدًا ذَكَرًا)
مُغِيبٌ (إِذَا غَابَ عَنْهَا زَوْجُهَا)
مُتْمِم (تَمَّتْ أَيَّامُ حَمْلِهَا)
طَالِق وَثَيِّب (دَخَلَ بِهَا زَوْجُهَا)
وَحَائِض وَمُرْضِع وَنَاهِد (إِذَا نَهدَ ثَدْيُهَا وَأَشْرَف)
وَمُعْصِر (إِذَا اسْتَوَتْ نُهُودُهَا)
وَكَاعِب (إِذَا بَدَا ثَدْيُهَا)
وَعَارِكَ وَدَارِس وَطَامِث وَفَارِك (مُبْغِضَةٌ زَوْجَهَا)
وَعَاقِر (لاَ تَلِد
عَانِس (طَالَ مُكْثُهَا فِي مَنْزِل أَبِيهَا)
قَاعِد (انقْطَعَ حَيْضُهَا أوْ لاَ تَشْتَهِي الزَّوْجَ)
وَحَائِل (لَمْ تُلَقَّح)
وَحَيزُبُون (المرْأَةُ العَجُوزُ المسِنَّةُ) صفة مهملة
وَمِقْلات (لاَ يَعِيشُ لَهَا وَلَد)
ولَفُوت (لَهَا وَلَدٌ مِنْ زَوْجٍ سَابِق)
وهَلُوك (بغيٌّ أوْ مُتَسَاقِطَةٌ عَلَى الرِّجَالِ)
وَخَوْد (حسَنَةٌ الخلُقِ ونَاعِمَة)
وَبَعْض الأَوْزَانِ مِثْل وَزْنِ (فَعُول) غَيُور وَصَبُور وَلَعُوب
وَوَزْن (فَعْل) مثل عَدْل
وَوَزْن (مِفْعَال) مِثْل مِنْجَاب (تَلِدُ النُّجَبَاءَ) وَمِحْمَاق (تَلِدُ الحَمْقَى) وَمِعْطَال (لاَ تَلْبَسُ الحُلِيَّ) ومِعْطَاء وَمِقْوَال.
وَثَمَّةَ صِفَاتٌ أُخْرَى:
ثَاكِل (فَقَدتْ وَلَدَهَا)
وَجَاسِر (جَسِيمَةٌ وَشُجَاعَةٌ)
وَهَابِل (كَثِيرَةُ اللَّحْمِ وَالشَّحْمِ)
وَجَامِع وَسَافِر (إِذَا أَلْقَتْ نِقَابَهَا فَأَسْفَرَتِ الوَجْه)
وَفروك (مُْبْغِضَةٌ زَوْجَهَا)
وَطَامِح
وَحَاسِر (حَسَرَتْ عَنْهَا ثيابَهَا أَيْ: مَكْشُوفَةُ الذّرَاعَيْنِ وَالوَجْهِ وَالجَمْعُ: حُسَّرٌ وَحَوَاسِر
وَفَاقِد وَخَادِم وَعَاشِق وَبِكْر
وَوَاضِع (وَضَعَتْ خِمَارَهَا)
وَمحْشِن (يَبَسَ وَلَدُهَا فِي بَطْنِهَا)
فَهَذَا فِي الصِّفَاتِ الثَّابِتَةِ ..
وَكَذَلِكَ: قَتِيل وَجَرِيح
وَرِيح خَرِيق (البَارِدَة الشَّدِيدَة الهُبُوب)
وَكَف خَضِيب (مُتَغَيِّرُ اللَّوْنِ بِالحِنَّاءِ) وَعَيْن كَحِيل..
وَمِنْ هَذَا البَابِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ} [القمر19] رِيحٌ صَرْصَر، وَلَمْ يَقُلْ: رِيحٌ صَرْصَرَةٌ كَمَا قَالَ فِي وَصْفِ الرِّيحِ: {وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ} [الحاقة6] رِيحٌ عَاتِيَةٌ، فَكَلِمَةُ عَاتِيَة صِفَة لِمُؤَنَّثٍ؛ لأَنَّهَا الشَّدِيدَةُ الصَّوْتِ أَوِ الشَّدِيدَةُ البَرْدِ؛ وَلأَنَّ لَفْظَةَ (صَرْصَر) وَصْفٌ مَخْصُوصٌ لِلرِّيحِ لاَ يُوصَفُ بِهَا غَيْرُهَا، بِخِلاَفِ عَاتِيَة فَإِنَّ غَيْرَ الرِّيحِ مِنَ الأَسْمَاءِ المؤَنَّثَةِ يُوصَفُ بِهِ. كل هذا يدل على أن تاء التأنيث -إن ألحقت وإن لم تلحق - لاتحط من قدر المرأة ، ولا ترفع بقدر ما البنية تحدد الوصف، وتزيد في دقته..فلغتنا متوازنة ودقيقة ،وحافظت على هذه الخاصية منذ عصور خلت..
|
|
|