|

لماذا أضحت اللّغات الأخرى أكثر توهجًا وحضورًا من العربية ؟
أ. عاصم حمدان
* في مناسبة اليوم العالمي للغة العربية الذي حدّدته منظمة اليونسكو، حيث يوافق 18 ديسمبر من كلّ عام. سوف ينصبُّ حديثي بداية عن احتفاء الغربيين بلغاتهم الأم، متذكّرًا في هذا السِّياق، إنّني كنت أركب القطار بين مدينتي لندن وأدنبرة – العاصمة الأسكتلندية -، كان ذلك في نهاية السبعينيات الميلادية، وبعد خروج بريطانيا فيما عُرف في أدبيات الفكر البريطاني بشتاء الغضب أو الاستياء (Winter Of Discontent)، وهو المصطلح الذي استعاره الكاتب المعروف محمّد حسنين هيكل، وأدخله ضمن أدبيات الفكر العربي.
* كانت تجلس غير بعيد منّي في إحدى مقاعد القطار سيدة مع أبنائها، ويبدو أنّ أحدهم أخطأ في نطق كلمة باللّغة الإنجليزية، فرأيت الاستياء يتجسّد على وجه تلك السيدة، ولم تكتف بتنبيه ابنها لذلك الخطأ؛ بل أمسكت بيده وضربته، ولكن في غير قسوة.
وعندما قضيت وقتًا في تلك الديار، وجدت أنّ وسائل الإعلام جميعها تحرص على بثّ برامجها بلغة إنجليزية راقية وواضحة في نفس الوقت، ومع أنّ بعض المقاطعات مثل اسكتلندا لها لهجتها الخاصّة كما أنّ التّعليم بجميع مستوياته يتمّ باللغة الإنجليزية الفصحى، مع وجود محطّات أخرى تبثّ برامج خاصّة باللهجات الأسكتلندية والإيرلندية، وكنت بين الحين والآخر أنصت للحوار الذي يدور تحت قبّة البرلمان، ولم يكن عندئذ يسمح ببثّ الحوار حيًّا من داخل المجلس، ولكن يُكتفى بنقل أصوات المتحدثين وتداخلاتهم، وعلمت فيما بعد أنّ أسماء محدودة بين البرلمانيين تتحدث ارتجالًا، ومن دون أن يكون أمامها نصٌّ مكتوب، بل يتآزر عند ذلك الضّرب من الخطباء العقل والقلب في صياغة الكلام، فيأتي حديثهم مؤثّـرًا، وتشعر إذا كان الموضوع المطروح للنّقاش هامًا، كأحداث حرب الفوكلاندز، وكأنّ الخطيب ينتحب. وصدر أخيرًا كتاب يتحدّث عن قدرات ذلك العدد المحدود من الخطباء وهو: «الخطباء البارعون»، ضمّ صورًا حيّة لحوالى أحد عشر خطيبًا. ولقد كان العرب في عصر إزدهار الحضارة العربية والإسلامية من أكثر الأمم احتفاء بالخطابة، ممّا جعل الجاحظ يعتبر اللغة العربية في مقدمة اللغات بلاغة، بل ذهب إلى القول بأنّ «فضيلة الشعر مقصورة على العرب وعلى من تكلّم بلسان العرب». [انظر: النقد في العصر الوسيط، د. حسن محمد شرف، ط1، 1984م، ص 161]. وكثير من آراء الجاحظ في بلاغة اللغة العربية مبثوث في ثنايا كتبه مثل «الحيوان»، و»البيان والتبيين»، وهو يذهب إلى تقديم الصّنعة الأدبية بمعنى حسن إجادة العبارة وتألّقها بلاغيًا إلى الحدّ الذي جعل مقولته المشهورة» فإنّما الشّعر صناعة وضرب من النّسيج وحسن التّصوير» تتخطّفها أيدي النقّاد في العصر الحديث، والتدليل من خلالها على قدرة الجاحظ النقديّة.
* لقد ألقت عصور الانحطاط الفكري بظلالها على العربية، وشاع السَّجع المتكلّف وفنون من الصّنعة المتكلّفة التي جنت على نصاعة اللغة ووهجها، ولا يزال أثر ذلك موجودًا عند البعض ممّا تحتاج معه لغتنا إلى من ينفض عنها أردية التكلّف والسّطحية العقيمة التي يتساوى فيها كثير من التقليديين والمجدّدين.
المدينة
|
|
|
|