اللغة العربية وتحديات الألفية الثالثة

د. رزاق محمود الحكيم

     نتساءل اليـــــوم عن مكانة اللغة العربيـــة في زحمة اللغات الحية ، والحضارات المتجددة ، والعلوم المتطورة والآداب ، فهل وضعنا لغتنا في الموضع السليـم الذي ينبغي أن تكون فيه ؟ وهل عملنـــا على اكتساب أنماط المعارف والثقافات والمناهج العصرية لتجديــد حياتنا ، واستخدمنا لغتنا وسيلة للتفكير والتعبير ، والبحث ، والتعامل والقياس والنظر والتأمل والتطوير ؟ وهل استغنينا عن الأساليب العتيقة التي تضيق عن حمل روح العصر ومظاهر التمدين؟ ولكي نكون عقلانيين لاعاطفيين نقول: إننا نعيش في عالم يحترم العقل ويمجده ، ويبحث عن الممارسة العلمية والتجربـــة والاجتهاد ، ويقرب بين الأجناس البشريـــة والمسافات ، فلا مجال للانتظار والعـــالم يسير من حولنا بسرعــــة ، وإذا أردنا ترقية لغتنــا فلنبدأ بأنفسنا ونتساءل مرة أخرى هل نحن جادون فعلا وراغبون في ترقية اللغة العربية؟ إذاً فعلينا معرفة خصوصيات هذه اللغة وأسرارها ، واستغلال ذلك كله في تطويرها من أجل استيعاب الظواهر العلمية والمنجزات الفكرية والاقتصادية إن اللغــــة العربية هي إحدى اللغــــات السامية القديمة التي لاتزال حية متجددة ، بينمــــا اندثرت أخواتهـــا مثل : البابليـــة والآشورية ، والآرامية ، والكنعانية ، وحتى العبرية التي أخرجت من القبر مؤخراً فقد بذل علمـــــاء اللغة اليهود جهوداً مضنية في ترقيتها ، وجعلها لغة التعليم والإدارة . من أهم خصائص اللغة العربية إنها لغة اشتقاقية تشتمل على تراكيب وصــور عديدة تساعد الباحث والمتكلم على الخطاب والتعبير ، والترجمة والبحـث والدرس والحوار والمتابعــة ، وللأفعال خصوصياتها وكذلك الأسماء والحروف ففي الأفعال صيغ المجرد والمزيد ، وزيادة الفعل المجرد بحرف أو حرفين ، أو ثلاثة أحرف تعني زيادة في حركة الفعل ودلالته فالفعل المجرد " خرج " يدل على حدث مقترن بزمن ، أما أخرج وخرّج واستخرج وتخارج، فإنها تدل  على زيادة الجهـد المبذول في فعل الخروج . وفي الأسمـاء : المصادر ، وأنواع الجمع ، والمثنى ، والتذكيـــر والتأنيث ، واسم الفاعــــــــل واسم المفعول ، واسم التفضيل ، والصفـــة المشبهة ، وغير ذلك . كل هـــــذه التراكيب والاشتقاقات ، والأزمنة ، والنحت والتوليد والترادف ، تمنح اللغة العربيــة قدرة على الحياة والديمومة ، واحتــــــــــواء مظاهر العصر ، كما تساعدها على صياغة المصطلحات العلميــــــــــة والأدبية ، والاقتصادية والصناعية ، وغيرها .
     إن مظاهر الاستخدام اللغوي للغة العربية ينبغي أن يكون شاملا لكل ميادين الحياة النظرية والعلمية والأدبية والعملية والاقتصادية والاجتماعية وغير ذلك ، وإن الاقتصار على ميدان معين دون غيره من شأنه أن يصيب اللغة بالقصور والإعاقة والتخلف والشلل، وحينئذ يقال إن هذه اللغة عاجزة عن استيعـــاب روح العصــــر ، ومظاهر التقـــدم العلمي والتكنولوجي . إن مشكلتنا حقاً هي مشكلة عاطفية ونفسية أكثر مما هي ثقافيةفالنفوس التي تربت على الفرنسية أو الإنجليزيـــة وألفتها منذ الطفولـــة ، أصبحت تشكل جزءاً من شخصيتها وذوقها ، ونظرتها إلى الحياة والناس والمجتمع وهي ليست مستعدة لتتخلى عنها بسهولة ، ولذلك فلامجال أن نسمي هــذه الحالات بصراع الثقافات ، فالثقافات لاتتصارع ، بل تتكامــل وتتحاور ، وتتواصل ، وتنمو وتزدهر . أما تعدد التجارب والممارسات الأدبية والعلمية ، فهي قضايـــا متاحة لكل من يجتهد ، ويفكــــر ويتأمل ، ويجرب ويستنبط ، الخطر الذي يهـدد اللغة العربية في دارهــا وبين أهلها يتمثل في مزاحمة اللهجــات العامية للغة العربيــــة الفصيحة ، واستخدامها كبدائل في بعض وسائل الإعـــلام ، والمسرح والفن . إن ذلك يضـــر بسلامة اللغة العربية ، ويسيْ إلى ثقافة المواطن ، وفهمه وذوقه وإحساسه ، كمـــا يضعف لديه الحس القومي والانتماء الحضاري للأمة الواحدة ، أو المجتمع الواحـد ، بل يضعف لديه القدرة على الفهـــم والاستيعاب ، والتواصــــل مع الآخر ، وهو يتابع متحدثاً عربياً من بلــــد آخر يشرح موضوعاً ، أو يقــــدم حديثاً بلهجته الشعبية المحلية ، وإذاً فخطورة استعمال اللهجـات المحلية تبدو في هذه الخصوصيات المتعددة لها داخل المجتمع الواحد ، فنلاحظ اختلافاً واضحـــاً بين لهجة الشمال، ولهجة الجنوب، والشرق والغرب ، وهذا تحدٍ آخر يواجه لغتنا ، وامتحان لنا ونحن نضع أقدامنا على أعتاب الألفية الثالثة .
     لقد تخلص أجدادنا قديماً من هذه الإشكالية ، إشكالية تعدد اللهجات ، حيث استنجدوا بلغة القرآن الكريم ، التي منحت اللغة العربية قوة ، كما منحتهـــا كثيراً من الأساليب الجديدة والبليغـــــة والفصيحة ، فتوحدت لغة الخطاب والكتابــــة والحوار والبحث . إن دخول اللغة العربيـــة في منافسة اللغات الأخرى في هذه الألفية الجديدة ، يتطلب منا نحن أبناؤها الغيورون عليها أن نطور معجمها اللغوي وأن نخلصها من اللغة القاموسية واساليب التعبيــر والكتابة القديمة ، فهناك حركة تغيير واسعــــة من حولنـــــا : في الاقتصاد والسياسة ، والإعلام ، والعلم والأدب، والفن ، والإدارة ، فينبغبي أن يتبع ذلك تغييـــر وإثراء في المعجـم اللغوي ، في المفردات ، والتراكيب والمصطلحات ، والدلالات المتجددة ، لكي يتــم الربط بين اللغـــة العادية ، واللغة الحضارية الجديدة وبين الموروث اللغوي ، والفكـري القديم، والأفكار والمفاهيم ، والمناهج الحديثة والمعاصرة .