النزعة الإنسانية والتأملية في الشعر العربي القديم

د. رزاق محمود الحكيم

    حفلت الحياة العربيــــة القديمة بمواقف جـــــادة ، وموضوعية لدى الشعراء الحكماء ، الذين استطاعوا عن طريق الحكمة والتأمل تصحيح  بعض المسارات الخاطئـة للعرب في زمن الجاهلية ، حيث ساد منطق القوة ، والعدوانية والظلم ، فرأى هؤلاء الشعراء أن مــن واجبهم أن يبصروا الناس بمساوىء الظلم والغرور ، ويعرفوهم حقيقة الإنسان ،  وصفاته ، وعلاقته بغيره من أبناء قومه ، والأقوام المجاورة لهم . قال زهير بن أبي سلمى : ( طويل )
         ومن هاب أسباب المنايا ينلنه      وإن يرق أسباب السماء بسلم        ومن يك ذا فضل فيبخل بفضله      على قومه يستغن عنه ويُذمم
    كان زهير داعية للسلام ، ومصلحــاً اجتماعياً ، ضمّن شعره نظرات تأملية في الحياة والموت والإنسان ، وفي صفـــــات الناس وأحوالهم . وإلى جانب زهير  عرفت الجزيرة العربية شعراء حكماء ، كانوا موضع الاستشارة والنصيحة والتدبر ، ومعرفـــة الرأي السديد ، وهؤلاء يمثلون الكفة الأخرى،كفة العقل والاتزان ، في مقابل الحمق والجهل والسفه التي طبعت سلوكات العرب قبل الإسلام ، وتسببت في إشاعة الفوضى والحروب والمنازعات . قال الأفوه الأودي :  ( بسيط )
     والبيت لايُبتنى إلا له عمـــــد        ولاعمـــــاد إذا لم تُرس أوتاد  
     لايصلح الناس فوضى لاسُراة لهم      ولاسُراة إذا جهالهم سادوا        فالشاعر هنا يضع الأمور في موضعها الصحيح الذي ينبغي أن تكون فيه ، فكمــا أن البيت لايقوى على البناء إلا بالعمـــــاد والأوتاد والركائز القوية فكذلك نظام الأسرة والمجتمع ، لاتستقر فيه الأمور إلا بالنـــاس العقلاء من ذوي الحكمــــة والمروءة ، والشمائل الكريمة ، فهؤلاء الشعراء قد جربوا  الحياة ، وخبروا أحوال الناس وصفاتهم ، وهــم يقدمون خلاصة  تلك التجارب في هذه الأبيات قال المثقّب العبدي :            لاتقولن إذا مالـم تُــــــرد           أن تتم الوعد في شيء " نعم "       حسن قول نعم من بعد لا           وقبيح قـــــول لا بعد نعــــــم      وإذاً فإن إصلاح سلوك الفــرد يبدأ من هنا ، من نفس الإنسان التي  تنشأ على الفضائل ، وتتربى على الصراحة والصدق والمسؤولية . قال السموأل : ( طويل )
     إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه     فكـل رداء يرتديـــــه جميل      وقد تجسدت النزعة الإنســـانية في شعر الصعاليك أيضــــاً ، أولئك الشعراء الذين رفضوا الظلــم ، وثاروا على القيــــم البالية ، واستنكروا استبداد الأقوياء بالضعفاء ، والأغنياء بالفقراء ، ورسخوا قيم الحريــــة والعدل والمساواة . قال الشنفرى : ( طويل )
 وفي الأرض منأىً للكريم عن الأذى      وفيها لمن رام القلى متعزل    وإن مُدت الأيدي إلى الزاد لم أكـن      بأعجلهم إذ أجشع القوم أعجل      وتبدو النزعة الإنســـانية عند عروة بن الورد الذي كرّس أدبه لتفقد  الضعفاء والمحتاجين ، وآثرهم على نفسه بالطعام والشراب والمؤونة وهو يمثل توجهاً فريداً في النزعة الإنسانية والإصلاحية ، وقد تمكن هو وزملاؤه الشعراء الصعاليك الفرســـان من نشر هذه الأفكار . قال     ( طويل )    
  أقسم جسمي في جسوم كثيرة     وأحسو قراح الماء والمـــاء بار د   أتهزأ مني إن سمنت وأن ترى     بجسمي شحوب الحق والحق جاهد      أما شعراء الدعوة الإسلامية كحسان بن ثابت ، وكعب بن مالك ، وكعب بن زهير ، والنابغة الجعدي ، وغيرهم فكانوا يستلهمون النزعات الإنسانية والتأملية ، من الموروث الأدبي للعرب قبل الإسلام ، ومن قيم الإسلام الحميدة ، من القرآن الكريم ، وأحاديث الرسول ( ص ) ، وكلها تحث على الأخوة والتسامح ، والعلـــم والعمل ، والعدل والحرية . قال النابغة الجعدي : ( منسرح )
           الحمد لله لاشريك له          من لم يقلها فنفسه ظلمــــا                    المولج الليل في النهـــــار وفي الليل نهاراً يفرّج الظلمــا                   الخافض الرافع السماء على الأرض ولم يبن تحتها دعما
    ونلمس في هذه الأبيات النزعة التأمليــة الفلسفية حين تنبه الشاعر  إلى قدرة الله عزوجل في تسيير هذا الكون الواســـع الفسيح ، وبدائع خلق السماوات والأرض ، واختلاف الليــل والنهار ، وهذه التفـــاتة من الشاعر  إلى الناس ليتأملــــوا ، ويتدبروا في عظمـــة الخالق سبحــانه وتعالى ، وفي هذا المجـــــال قال الشاعـــر حسان بن ثابت يمـــــدح  المسلمين ويشيد بخصالهم الحميدة : ( بسيط )
  قوم إذا حاربوا ضروا عدوهم      أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا   أئمة ذُكرت في الوحي عفتهم      لايطمعون ولايُزري بهم طمــــــــع
    أما في عصر بني أمية ، وفي ظل المنافسات السياسية بين الأحزاب المتصارعة على الخلافــــــة ، فإن الشعراء كانوا يستعينون بكل وسيلة لإبلاغ  خطابهم السياسي والفكـري ، والديني ، متأثرين بالقرآن الكريم يستمدون منه معاني الصبر والجهاد ، والثواب والعقاب ، متحدثين عن الحياة والموت كفكرة فلسفية تأملية ، وقدر محتوم يسير نحوه الإنسان كما ذكروا قضية الخلود يوم القيامة ، وحسن الجزاء والثواب للصالحين والأبرار . قال قطري بن الفجاءة : ( وافر )    
    أقول لها وقد طارت شعاعا          من الأبطــال ويحكِ لن تُراعي       فإنك لو سألتِ بقاء يـــــوم          على الأجل الذي لكِ لم تُطاعي      سبيل الموت غاية كل حــــي         فداعيـــــه لأهـــل الأرض داع     وما للمرء خير من حيـــــــاة          إذا ما عُــــد من سقـــط المتاع   وهذه دعوة صريحة من الشاعر إلى الناس ليتأملوا في معاني الجهاد في سبيل الله ، والحق والعدل والمعروف، ودعوة أيضاً إلى التأمل في الحياة والموت ، ويوازن ويتأمل ويختار ، بين أن يموت عزيزاً دفاعاً عن الحق أو أن يعيش ذليلا ورخيصاً كأي سلعة قديمة لافائدة تُرجى منها .     أمــــا في العصر العباسي فقد تعمقت النزعـــة الفلسفية والتأملية  والإنسانية ، نظراً لتطــــور الفكر العربي ، وازدهــاره ، وانفتاحه على  الثقافات الأجنبيــــة ، فاستفــــاد الشعراء من الموروث الأدبي العربي القديم ، ومن الفكر الإسلامي وعلوم القرآن الكريم ، وظهور الفلسفات والنزعات الفكريــة والفلسفية في هذا العصــــــر . نجد ذلك على وجه الخصوص ، عند المتنبي الذي مزج الحكمة بالعقل  والعاطفة بالوجدان وكان في شعره حكيماً أكثر منه شاعراً . قال في الزمان والإنسان ، وهو موقــف اعتباري وفلسفي ، وفيه دعوة إلى التأمـــــل والتدبر في الحياة : ( خفيف )
      صحب الناس قبلنــا ذا الزمانا          وعناهم من شأنه ماعنــــــانا       وتولوا بغصــــــة كلهـــــم منه وإن ســـر بعضهـــــــــــــم  أحيانا       ربمــــــا تحسن الصنيع لياليـــــــه ، ولكـــن تكــــــدّر الإحســــانا       ولوأن الحيـــــــاة تبقى لحي          لعددنا أضلنـا الشجعـــــــــانا       كل مـــــالم يكن من الصعب في الأنفس سهـــــل إذا هــــو كانا       أما أبو العلاء المعري الذي تأثــر بفلسفة المتنبي ، وانشغل بقضايا عصره ، وتفشي ظاهرة العبث ، واللهو ، فإنه أراد أن يدعو إلى التأمـل والتدبر  في هذا الزمان الفاني ، المتغير والمتبدل ، قال : ( خفيف )           عللاني فإن بيض الأماني          فنيت والزمان ليس بفان                  كم أردنا ذاك الزمان بمدح          فشغلنا بذم هذا الزمان                وهكذا تبدو النزعة الفلسفية والتأملية والإنسانية عند هؤلاء الشعراء دعوة إلى التأمل والتدبر ، وفهم حقيقة الحياة والإنسان .