
أسلوب أحمد المعداوي - المجاطي بين المعيار اللساني و الفني
د. الوارث الحسن
يتحدد أسلوب المجاطي في دراسته لظاهرة الشعر الحديث من خلال مجموعة من الوسائل التعبيرية والفنية التي تضافرت فيها المعايير الآتية :
1-المعيار اللساني : ويتمظهر في أسلوب المجاطي من خلال عدة مستويات، يمكن تجميعها فيما يلي:
أ-الدقة: وتتمثل في حسن اختيار المجاطي لمفاهيمه ومصطلحاته، بعد التعريف بها وتخليصها من العموميات، قصد الاشتغال بها على ما يستشهد به من نصوص وما يورده من آراء نقدية. ففي سياق رده على نازك الملائكة بخصوص اعتبارها الشعر الحديث ظاهرة عروضية، كتب المجاطي يقول : «والنتيجة التي نحب أن نخلص إليها، من كل ما تقدم، هي أن الشعر الحديث ليس ظاهرة عروضية، لأن علاقة الشاعر الحديث بالعروض علاقة تحددها عاطفة الشاعر وإحساسه وفكره وخياله أثناء عملية الإبداع، وهي تشبهه بالعلاقة التي تقوم بين هذه العناصر وبين خاصيتي التعبير باللغة أو التعبير بالصورة تعبيرا بنائيا حسيا. ولعل أهم ما يميز هذه العلاقة هو ما تتيحه للشاعر من حرية في التعامل مع القوانين العمومية الصارمة التي استقرت في بطون الكتب وحفرت لها مجاري وقنوات في وجدان الشعراء ونقاد الشعر وجمهور متذوقيه، منذ قرون عديدة». ودقة المجاطي هاهنا هي التي جعلته يستعمل أولا مصطلح الشعر الحديث بدل المفاهيم الأخرى كالشعر الحر أو شعر التفعيلة أو الشعر المنطلق ومكنته ثانيا من تحديد طبيعة العلاقة بين هذا الشعر والعروض الخليلي.
ب-الإطناب : يشكل الإطناب السمة الغالبة على أسلوب الكتاب، ذلك أن المجاطي المتشبع بالكلام العربي الحديث شعره ونثره، راهن عليه منهجيا ومعرفيا من أجل التوسع في شرح وتحليل مضامين الأشعار وخصائصها الفنية والجمالية، حتى تتجسم في أذهان القراء، ويقنعوا بجدواها وفحواها، في ظل التقصير الذي طبع كتابات هذه المرحلة، حينما كانت المعرفة بقضايا الشعر الحديث قليلة، وخاضعة للجدل والمماحكات اللفظية. هكذا لم يأل المجاطي جهدا في التوسع والإسهاب عند الحديث عن التيارات الشعرية التي أثثت المشهد الشعري العربي في القرن الماضي، ومن مظاهر ذلك اجتراره الكلام بتكراره للفظة (معنى ذلك)، في العديد من المناسبات، ومنها قوله : «ولقد آن لنا أن ننظر في تلك التجربة بصفتها تجربة شعرية لا تتضح قيمتها إلا بمعرفة الوسائل الفنية التي تمدها بقيم جمالية لا غنى عنها في أي حديث يدور حول حركة شعرية تجديدية، كحركة الشعر الحديث. معنى ذلك أن جِدَّةَ التجربة وقيمتها تتوقفان على جِدَّةِ وسائل التعبير عنها، وعلى ما تزخر به تلك الوسائل من دلالة فنية، مصدرها التوافق بين التجربة نفسها وبين وسائل التعبير. ومعنا ذلك، في آخر الأمر، أن التجربة الجديدة، لا تعتمد في التعبير عنها على جماليات القصيدة العربية القديمة، لأنها تجربة توحد بين الذاتي والموضوعي كما سبق أن رأينا ...».
ج-البساطة : يتسم أسلوب المجاطي بالبساطة التي لا تخل بفصاحة اللغة والسهولة التي لا تسقط في الإسفاف. فقد حرص على تقصي مناحي الأفكار وتقليبها على وجوه عدة بلفظ دقيق وتعبير سهل وواضح. فإذا تأملنا قول المجاطي : «إن الغربة والضياع والكآبة والتمزق من المعاني المستفيضة في الشعر الحديث، وقد لفتت استفاضتها بعض الدارسين، فراحوا يبحثون عن أسباب هذه الظاهرة بإرجاعها إلى عدة عوامل»، نجد جملا تقريرية وتراكيب واضحة بعيدة عن أي تعقيد لغوي أو تكلف ممل، وهذا راجع إلى الطابع الموضوعي للدراسة الذي يستلزم توضيح الفكرة أكثر من العناية بجمال الصياغة.
2-المعيار الفني : ويتجلى عند المجاطي من خلال جملة من الخصائص الفنية والجمالية، ومنها :
أ-اللغة الواصفة : وتتمثل في تقديم المجاطي للمفاهيم بطريقة فنية، تقترب من التصوير الفني والتحليل الشاعري، وتعتمد على تنوع السجلات المعجمية والنقدية وتعدد المرجعيات التناصية. وهو ما يحقق للقارئ الضمني والفعلي المتعة الموضوعية، فإذا قال أدونيس :
البطَلُ السَّاهر مثلَ موجة
ينامْ
وأرضنا صبيّةٌ
كانت بلا رأس ولا وسَادة تنامْ
والفكرَة الفرّاسَة الحمراءُ
كانتْ جُثة تَنَام
قال المجاطي : «فنوم الأرض موت، ونوم الفكرة موت، أما موت الشاعر، فهو أشبه بنوم الموجة في شاطئ البحر، وللمتأمل بعد ذلك أن يسأل نفسه إن كانت الأمواج تنام حقا.
هذا النوع من الوعي بالتميز في علاقة الشاعر بالواقع الحضاري المنهار، هو الذي جعل معاني الحياة والموت في شعره تسير في اتجاهين متكاملين، ينطلق الاتجاه الأول من الحيرة والتساؤل والبحث عن وسيلة للبعث، وينطلق الاتجاه الآخر من اكتشاف مفهوم التحول، بصفته وسيلة لدفع الواقع العربي نحو البعث والتجدد».
ب-الاتساق : لقد حرص المجاطي على توفير مجموعة من الأسس والوسائل التي تضمن لكلامه، التماسك والترابط. ومنها :
*-الروابط : سواء منها اللفظية أو المعنوية، كالربط الإحالي، بواسطة الظمائر، أو أسماء الإشارة أو الأسماء الموصولة. والربط بواسطة الوصل، كالربط التماثلي (الواو، أو، الفاء، كما، أيضا، ...) والربط العكسي (وإنما، لا، لكن، ...) والربط السببي (إن، لذا، من، هنا، إذا، لأن، ...) والربط المنطقي (ولعل، غير، ولئن، ...) هذا فضلا عن الربط بواسطة التكرار والترادف (الشعر، الحديث، التيار الوجداني، الذات، القصيدة، الوزن، ...) والتضاد (المحافظون / المجددون، الفئة المحافظة / الفئة المجددة، الشكل القديم / الشكل الجديد، الحياة / الموت، الذات الفردية / الشعور الجماعي، الوازع الذاتي / الوازع الاجتماعي أو القومي، السعادة المطلقة / السعادة المطلقة ...) وكذا التوكيد (إن تجربة الشعر الحديث تجربة ممتازة .../ والحق أن نزعة الانطواء والهروب ... كانت صفة بارزة في شعرهم / غير أنه لابد من القول بأن مصطلح السهولة هنا يتجاوز معنى اليسر ... / لقد أخذ هذا النوع من القرب بلغة الشعر من لغة الحديث عند أبي ماضي .../ إن التقاء الثقافة الواسعة بالتجربة الخصبة ...).
*-الإحالة : تكشف الإحالة بنوعيها المقامية والنصية عن حرص المجاطي أيما حرص على تماسك فصول الكتاب ومكوناته باستخدام المخيلات النصية التي تذكر القارئ بما سبق، وتطلعه على ما سيأتي، ومن ذلك مثلا قوله : «وسنتحدث في الفصول القادمة عن أثر هذا الوجدان الجماعي، في تطوير المضامين الشعرية ...» «أما المضمون فلأنه انحدر، كما لاحظنا في القسم الأول من هذا الكتاب» «كما سنوضح ذلك في الفصول الآتية التي نتناول فيها بالدرس حركة الشعر الحديث».
*-الشرح والتحليل : والذي يدل على طموح المجاطي الزائد في إيراد شروح توضيحية، وتقليب المفاهيم والمعاني الشعرية على كافة الوجوه المحتملة، تفي بالغرض وتعين القارئ من الناشئة على فهمها. وكمثال على ذلك، شرحه للمقطع التالي :
وأسمى اللهيبْ
مَطَرًا
وأسمى
وجهكِ المغلقَ الدفين
كوكبا
بقوله : «هكذا بكل سهولة، بكلِّ يسر تنقلب الأشياء، إلى ضدها، فيصبح اللهيب مطرا، ووجد البلاد المغلق الدفين كوكبا، دون أن يتغير شيء من حقيقة اللهيب، ولا من حقيقة وجه البلاد، بدليل، أن فعل التسمية ولا أقول التحول، منسوب إلى ياء المتكلم، التي لا تلزمنا بتصديق ما يراه الشاعر صوابا، ولو خالف منطق الواقع ومنطق العقل».
ج-الانسجام : وتتحقق معالمه عند المجاطي انطلاقا من قدرة القارئ على الفهم والتأويل، وما يرتبط بذلك من عمليات التواصل المعرفي والعناصر المقامية، كالحذف والبناء والتعميم والسياق والتشابه التغريض وتوظيف الخبرات، وكذا من خلال ما تختزنه ذاكرته من خلفية معرفية وتنظيمية، مثلما اقترحها الدكتور محمد مفتاح، كالأطر (Frams) والمدونات (Scripts) والخطاطات (Shemata) والسيناريوهات (Sénarios). فالمجاطي يفترض مثلا، معرفة القارئ بإطار الشعر الحديث، وبسيناريو التطور والتجديد وبمدونة الفهم والشرح ... وغيرها من القدرات المعرفية والمنهجية وما تولده من أفق انتظار تساعده على إنجاز قراءة منسجمة للمؤلَّف.
وفضلا عن هذه الوسائل التعبيرية والمعايير الفنية المتكاملة في مؤلَّف المجاطي، نجد أن الكتاب يتسم ببعض السمات الذاتية والموضوعية، ومنها :
+)استخدام المجاطي لبعض المشيرات التلفظية التي تحيل عليه دلالة صريحة أو ضمنية، سواء بالضمير المتكلم المفرد أو الدال على الجماعة.
-فمن أمثلة الضمير المتكلم المفرد، قول المجاطي : «الرأي عندي أن هذه الحركة تمتاز عن غيرها من الحركات التجديدية السابقة عليها بأنها ولدت مع نكبة فلسطين» / «ولاشك عندي في أن تفعيلة الهزج، حين تتواتر على النحو الذي قدمناه، أقدر على تشخيص إيقاع النحيب من تفعيلة الرجز ...» / «ولكن أهم هذه العوامل في نظري، هو العامل المتعلق بتقنية هذا الشعر أي بالوسائل الفنية المسحدثة ...».
-ومن أمثلة الضمير المتكلم الجمع، قوله : «وقبل أن تنقل إلى دراسة هذه الحركة الأخيرة دراسة تفصيلية لابد أن نقف وقفة مناسبة عند كل تيار من تلك التيارات» / «ونحن نعتقد أن لجمود تلك الأشكال القديمة وتحجرها علاقة بغياب عنصر الحرية في سائر العصور الماضية» / «بهذا نصل إلى أن نظام القافية في الشعر الحديث يعتبر جزءا من البناء الموسيقي العام للقصيدة».
ويندرج هذا النوع من الإسناد لتعزيز الميسم الذاتي في خضم الحس الجماعي، عند التعبير عن موقف معين أو إصدار حكم انطباعي أو وصف حالة محددة.
+)الاعتماد على منطق السؤال والجواب، والذي «يستخدمه في الغالب كل من يجلس للتعليم من الأساتذة ومشايخ العلم». وهو ما يوضح ولاشك قدرة المجاطي على الإيضاح والتبيين، ويعكس في المقابل سعة محفوظة العلمي وتراء مخزونه الأدبي، ومن ذلك مثلا، قوله : «ولئن كان ذلك هو شأن التطور في الشعر العربي القديم، وفي المحاولات التي اضطلعت بها التيارات التجديدية الحديثة قبل نهاية الحرب العظمى الأخيرة، فهل يسري ذلك الحكم على حركة الشعر الحديث التي نحن بصدد دراستها في هذا الكتاب ؟».
+)تغليب التأويل الموضوعي على نظيره الذاتي، وحرص المجاطي على خلق مسافة نقدية مع الموضوع، استدفاعا للأحكام الانطباعية والذاتية واستجلابا للاستقصاء والتحري. وإن وظف بعض الصيغ التثمينية (النزعة الهندسية الحادة / للتحقق من حدتها وصرامتها / يفتتون صلابته/ رتوب وإملاء / أدفع للإملال ...)، فهو يجنح عموما إلى التحليل الموضوعي الذي يقوم على الاعتقاد بأن هناك أصولا وقواعد نقدية يمكن تطبيقها لتقييم القطعة الأدبية بما يمكن أن يعقل لدى الآخرين دونما تدخل من جانب الذوق الشخصي.
|
|
|