
التصوف عند الأمير عبد القادر الجزائري
د. رزاق محمود الحكيم
التصوف ظاهــرة سلوكية قديمـــة عند الإنسان ، نشـأت كــرد فعل لظلم الأقوياء للضعفاء ، وشعور الضعفاء بالحرمــان والاضطهاد ، أما الأديان السماوية فقـــد سمت بالنفس الإنســــانية من العالم السفلي المادي ، إلى العالم العلوي والروحي والمثالي ، وحينئــذ تبلورت فكرة الزهد والقناعة والرضا ، والعزوف عن اللهو والعبث ، والبذخ والترف . وقد رأى كبير فلاسفة اليونان أفلاطون: " أن النفس هبطت من عالم مثالي لتشقى فترة في عالم الحس ، ثم تعود إلى عالمها الكامل " . بينما رأى ابن خلدون أن أصـــل التصوف : " العكوف على العبــــادة ، والانقطاع إلى الله ، والإعراض عن زخرف الدنيا وزينتها ، والزهد فيما يقبل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه،والانفراد عن الخلق في الخلوة للعبـــــــادة ". ومهما يكن من أمر فإن مدلول الصوفية في الإســــلام لايعني الانقطاع التام عن الحيـــاة العملية ، وحرمان النفس من نعيم الدنيا الذي خلقه الله سبحامه وتعــــــالى للإنسان ، وبعبارة أوضح فإن الإسلام يرفض الرهبانية التي عرفت عند كثيـــــر من الشعوب القديمة كاليونان والهنود والفرس ، وعند بعض المعتقدات والديانات ، كالبوذيـة واليهودية والنصرانية ، كما يرفض المادية المطلقة كمذهب ونظام ، بـل يوازن بين هذه وتلك دون زيادة أو نقصان، على أنه ينبغي التفريق بين مفهوم الصوفية في الإســــلام ، وبين الشعوذة وطرائقها ، لما تنطوي عليه من بدع وأوهام لاتمت إلى الإسلام الحنيف بصلة .
وعلى ضوء هذا المفهوم المعتدل للتصــــوف الذي يوازن بين العلم والعبادة ، وبين العمل ومجاهـــ،دة النفس ، كـان تصوف الأمير عبد القادر بن محي الدين الجزائري ، الذي نشـــأ نشأة دينية ، وتعلم في مدرسة الزاوية التي أنشأها والده ، وتفقه على أيدي الشيوخ ، ودرس العلوم الشرعية ، وقد أثرت هذه النشـــأة الدينية في ميوله إلى الزهد والتقوى ، والعبادة والتصوف .
وحين أتيحت له فرصة السفـــــر إلى المشرق لأداء فريضة الحج ، اطلع هنــــاك على الطرق الصــــوفية ، وفي دمشـــق تأثر بالطريقة النقشبندية ، وأساليبها في التصوف ، كما سافـــر إلى بغداد واطلع على الطريقة القــــــادرية في التصوف ، وحين تعرضت الجزائــــر للاحتلال الفرنسي عام 1830 ، تولى الأمير عبد القادر قيادة المقاومة الوطنيــــة وتنظيم الجهاد ، وأسس الدولة الجزائرية ، واستطاع الاستمرار في نهج الكفاح ورعاية شؤون الأمة ستة عشر عامــــاً ، ومع قلة العتاد والسلاح والمؤونة ، وضغوط الدول المجـــاورة للجزائر ضعفت مقاومته واضطر إلى التسليم ، وتعد فترة الأسـر التي قضاها في فرنسا من أهم فترات الخلوة والتأمل ، والصبر والدعاء ، وبعد رحيله إلى دمشق تفرغ للنشاط الأدبي والتأليف ، وهي مرحلـة النضج الروحي والصوفي ، وقد تعمقت أكثر حين ذهب إلى البقـاع المقدسة مكة والمدينـــــة ، واعتكف وتفرد للعبادة والخلوة عاماً ونصف ( 1863 – 1864 ) .
وللصوفية مقامات معروفة وهي : ( التوبة والورع ، والزهد ، والفقر والصبـــر ، والتوكل ، والرضا ) . أمــــا مجاهدة النفس فهي من أسمى الغايات عنـــد الصوفيين ، إذ لاوجـود سوى للعقل ، وهــــذا النمط من المجاهدة يسمى عندهم بالسفر الروحي . ونجــد لهذا السلوك حضوراً في شعر الأمير عبد القادر . قال : ففارق وجود النفس تظفر بالمنى وزايل ضلال العقل إذ أنه حبس
وإذا كان هذا حال المتصوف مع نفسه ، فإن حاله مع خالقه عزوجل حالة الشوق والمحبــــة الشديدة ، ومقاساة نـــار البعد لرؤية الحبيب ، والتقرب منه ، وفي مقام الحب الإلهي قال الأمير عبد القادر : عن الحب مالي كلما رمت سلوانا أرى حشو أحشائي من الحب نيرانا ومن مجاهدات الأميـــر الصوفية الأخرى موقفــــه من النبي ( ص ) وتوسلاته إليه ، إنه يعتبر الرضا النبوي شرف وغاية عظيمة ، يسعى إلى تحقيقها ، والظفر بها ، ولذا يتوسل قائلا : ياسيدي يارسول الله ياسندي ويا رجائي وياحصني ويامددي ومن شيوخ الأميـــر عبد القادر الذين أثــــروا في مسارات تصوفه : الشيخ محي الدين بن عربي ، والشيخ محمد الفاسي ، والشيخ خالد النقشبندي . ترك الأمير عبد القادر عدداً من المؤلفات منها :
1 – المقراض الحاد 2 _ المواقف في التصوف 3 _ ذكرى العاقل وتنبيه الغافل . إضافة إلى ديوانه الشعري .
هذه إطلالة سريعة على سيرة الأمير عبد القادر الجزائري ، الشاعر والفارس ، والأديب والكاتب ، والمتصوف ، وهي سيرة حميــدة حافلة بالنشـــاط الوطني والإصلاحي ، والإنتـــــاج الأدبي والعلمي ، والديني والصوفي .
|
|
|