|

الأسبوع الفرنكوفوني 2015 في الدوحة
هاجر بوغانمي
يبدو أنه لا مفر اليوم من الإقرار بأن الفرانكوفونية أثبتت عبر مسيرة ترتبط زمنيا ببداية ظهور المصطلح في أواخر القرن التاسع عشر، قدرتها على أن تصبح قوة جيوستراتيجية ناعمة، وصمام أمان في مواجهة الأحادية التي بشرت بها العولمة، وإقرار التعددية لضمان الحفاظ على خصوصيات الثقافات المحلية، ليس فقط عبر الذراع الثقافية، بل كذلك عبر الذراع الاقتصادية لضمان البعدين الثقافي والسياسي معا في إطار العلاقات بين الدول الناطقة جزئيا أو كليا باللغة الفرنسية.
وانطلاقا من حرصها على الانفتاح على الثقافات المختلفة، وتبني مقولات حوار الحضارات والأديان بهدف تعزيز مكانتها في العالم، استطاعت دولة قطر أن تلفت إليها أنظار العالم بعد إعلان انضمامها للمنظمة، وتأكيد تأييدها لبرامجها ومبادراتها، فحقّ لها أن تكون استثناء في منطقة الخليج العربي. وهاهي اليوم تجدد اللقاء مع أصدقائها الفرنكوفونيين في أسبوع حافل بالفعاليات والبرامج الفنية والثقافية والديبلوماسية، وسط أجواء يسودها الرضا بنجاح التجربة في توسيع مساحة الاستثمارات الخارجية، والإفادة من الفرنكوفونية في جانبيها الاقتصادي والثقافي. إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه هو: ما جدوى الانضمام إلى الفرنكفونية في إثراء الحياة الثقافية القطرية؟ وهل يستدعي الانضمام الانفتاح أكثر على اللغة الفرنسية؟ وما تأثير ذلك على اللغة العربية كلغة رسمية في الدولة؟ هذه الأسئلة طرحناها على عدد من الباحثين والأكادميين، فكان التالي:
قال الدكتور جلال الورغي باحث تونسي مقيم في لندن: تمثل خطوة قطر بالانضمام إلى منظمة الفرنكفونية خطوة أخرى تحمل أكثر من دلالة.
أولا تمثل هذه الخطوة تعزيزا آخراً للدبلوماسية النشطة لدولة قطر، ما فتئت أن تتعزز خلال العقدين الماضيين بشكل ملحوظ، معتمدة على فلسفة تنويع العلاقات والنشاطات الدبلوماسية والخروج بها من أفقها التقليدي القائم عادة على التبادل الدبلوماسي فقط، إلى إثراء هذه العلاقات عبر تنويعها لتتجاوز الأفق التبادلي إلى أفق ثقافي وتعليمي واقتصادي، وقد حققت قطر نجاحات ملحوظة في هذا الصدد في أكثر من فضاء حضاري وجغرافي وعلى مستويات متعددة أيضا.
ثانيا تأتي هذه الخطوة في سياق تثبيت معلم آخر من الدبلوماسية القطرية والقائم على التوسيع، ونعني به مزيد الانفتاح على فضاءات ومستويات من الدبلوماسية مبتكرة وجديدة، من خلال الانفتاح على المنظمات فوق الوطنية، على غرار منظمة الفرنكفونية، ويعكس هذا رغبة واردة في الحضور الفاعل والنشط لدولة قطر في هذه المحافل الدولية الكبرى والمؤثرة.
وبقدر ما تمثل الفرنسية كلغة الرافعة والمخزون الثقافي والمعرفي لهذه المنظمة الدولية، فإن العضوية فيها ليست رهينة بتعزيز أو تثبيت هذه اللغة لدى أي دولة ترغب في أن تكون عضوا في هذه المنظمة.
ورغم أن هناك حضورا لبعض المؤسسات العلمية والأكاديمية الفرنسية كالسربون حضور في قطر، فإن التبادل العلمي، والطلابي سيعزز من التفوق العلمي وتنوعه للطلاب القطريين. ولا شك في أن تعلم والانفتاح على لغة جديدة هو بالضرورة انفتاح على معارف جديدة، وحضارة جديدة، وتجربة إنسانية وحضارية وثقافية جديدة مختلفة ومتنوعة.
فاللغة كما هو معلوم تفكر، ومن يتعلم لغة جديدة يعني بالضرورة أنه يفكر بهذه اللغة، بما يعنيه من توسيع الأفق المعرفي للمتعلم والمنفتح على هذه اللغة.
وتذهب الدكتورة إيمان مصطفوي عميد كلية الآداب والعلوم بجامعة قطر إلى أن: انضمام قطر لمنظمة الفرانكوفونية في عام ٢٠١٢ خطوة هامة في طريق تعزيز مكانة اللغة الفرنسية في قطر على الرغم من أن الفرنسية كان لها وضع خاص منذ سنوات طويلة مقارنة باللغات الأجنبية في البلاد (باستثناء الإنجليزية بالطبع).
فالفرنسية كانت لسنوات طويلة أحد مساري الفرع الأدبي في الثانوية القطرية وهي اللغة الأجنبية الوحيدة التي كانت تدرس بشكل مستمر تقريبا في جامعة قطر وهي اللغة التالية بعد الانجليزية من حيث نسبة إقبال المواطنين على تعلمها.
إن انضمام قطر للمنظمة يشكل دافعا قويا لزيادة استضافة الفعاليات الثقافية الفرنسية والتي تتميز بالثراء والغنى الحضاري ولا يضيرنا أبدا كدولة عربية مسلمة أن ننفتح على ثقافات متعددة وخاصة الثقافة الفرنسية بما تشمله من مبادئ السلام والتعاون، وبما تحويه من تاريخ ثري بالأفكار والفلسفات والآداب والعلوم.
وستظل اللغة العربية تتمتع بمكانتها وسيادتها كلغة البلاد الرسمية ولغة المواطنين الأولى، لا يضيرها تواجد لغات أجنبية بجانبها ما دامت الصفة الأجنبية (وما يستدعيه ذلك) تلزم هذه اللغات.
والجدير بالذكر أننا سنبدأ في جامعة قطر بتقديم تخصص فرعي في اللغة الفرنسية بدءاً من الخريف القادم.
أما الدكتور عبدالقادر فيدوح ـ أستاذ النقد والدراسات البلاغية بجامعة قطر ـ فيقول: إذا ما تناولنا الموضوع من منظور كونية الاتصال وعولمة الثقافة، فإن العالم اليوم تحت مجهر ظاهرة التواصل الرقمي الذي فرض نفسه على العالم برمته؛ بكل السبل، ولعل اللغة أهم هذه السبل، وبما أن اللغة الفرنسية إحدى أهم لغات العالم فإنها تسعى لتحقيق عولمتها، وفي المقابل ما الذي يضر في الانتفاع بمثل هذه اللغة، إذ ما كانت تؤدي غرضا نفعيا، سواء من الناحية الثقافية، أو من ناحية الشراكة في مشاريع اقتصادية، ومن هنا نعتقد أن الأمم اليوم أصبحت في أمس الحاجة إلى تعزيز مكانتها مع الآخر، وتحصين هويتها بمعرفة كيف يفكر الآخر، وهذا يعني أن التقارب من ثقافة الآخر، بات ضروريا، وفي ظل هذا التصور فإنه لا مانع في تقديري من أن تقترب قطر من حدود ثقافة الآخر وخلق وعي ثقافي مضاف قد يكون لها منافع اقتصادية، ومن ثم ينبغي تجاوز ما قد يقال إن ليس لقطر، فائدة في هذا الانضمام، إذا كان الأمر يتجاوز الحدود الضيقة لاكتساب لغة بكونها لغة تواصل، بل هي تتعدى ذلك إلى محاولة التأكيد على إثبات الحضور في مجالات شتى، والإطلالة على العالم بثقافاته المتعددة؛ لفوائد كثيرة.
وحول مدى أهمية الانفتاح على اللغة الفرنسية قال: أتصور أن الأمر يتجاوز الإفادة من اللغة، إلى الانتفاع باستثمار التواصل في مجال الاقتصاد الجديد بوصفه عصب المعرفة والابتكار capital-savoir الذي يسعى إلى ارتفاع المنتوج الداخلي العام لكل مواطن، وهو ما تحاول قطر أن تنمي من قدراته، وتحافظ عليه، ولكن، كيف يتم ذلك إذا لم يكن لدولة ما مثل قطر طموح مبني على التواصل مع الآخر، وهي لا تعرف لغته بالشكل الذي يؤهلها لتسهيل مهمتها من دون وسيط.
وفي هذه الحال أعتقد أن لا خوف على الهوية الثقافية ما دامت لوائح المنظمة الدولية للفرانكوفونية OIF تحترم خصوصية الثقافة المحلية، وقبل ذلك فإن الثقافة القطرية محصنة في جميع مؤسساتها.. أعتقد أن سياسة "رؤية قطر 2030" توضح هذه المسألة بدقة، حيث تنص على أن التراث الثقافي يعد أهم ركيزة من ركائز تعزيز القيم والهوية العربية الإسلامية، وإذا أضفنا إلى ذلك اهتمام قطر بحوار الحضارات على قاعدة التعامل المشترك الإنساني، أدركنا أن وحدة اللغة، والمبادئ الثقافية هو ما يعزز دور قطر في المحافل الدولية ومن ثم لا أعتقد أن اللغة الفرنسية ستنافس اللغة العربية في بيتها، وقطر تدرك ذلك جيدا، كما تدرك أن اهتمامها بهويتها ولغتها خط لا يقبل المساومة.
من جانبة قال الدكتور جمال عبدالله باحث في مركز الجزيرة للدراسات: هذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها تنظيم أسبوع ثقافي فرانكوفوني في العاصمة القطرية الدوحة، فقد تم تنظيم الأسبوع الفرانكوفوني العام الماضي أيضًا، ولكن ما يميز هذه المناسبة هذا العام كثافة الفعاليات التي صاحبتها، والإعداد الجيد لها من حيث التسويق والترويج وكذلك المشاركة. حيث إن عدد الدول التي شاركت فيها ارتفع من أربع دول في العام الماضي إلى أكثر من عشر دول هذه السنة.
وتابع: يمكن أن يُعزى نجاح هذه الفعالية، إلى رغبة القيادة القطرية وعلى رأسها سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني بتعزيز جسور حوار الحضارات مع الأمم والشعوب الأخرى ومنها تلك الناطقة باللغة الفرنسية. عليه فقد حرصت وزارة الثقافة القطرية ممثلةً بالوزير الدكتور حمد بن عبدالعزيز الكواري، الذي يُعد من أوائل المواطنين القطريين الفرانكفونيين، لا سيما أنه كان سفيرًا للدولة في باريس، على إنجاح فعاليات الأسبوع الثقافي الفرانكفوني بالدوحة.
كما نعلم، فإنّ اللغة هي مدخل الإنسان إلى قلوب الشعوب الأخرى، عندما نتحدث لغة شعب ما ونتقنها فإننا نستطيع أن نخاطب عقول تلك الشعوب ونعزز الروابط معها، من هنا تحرص دولة قطر على تعليم أبنائها لغات الشعوب الأخرى.
وحول مدى الاهتمام باللغة الفرنسية اليوم قال: أعتقد أنه وبعد انضمام دولة قطر إلى المنظمة الفرانكفونية، سيكون من المهم التركيز على تعلم اللغة الفرنسية بالإضافة إلى اللغة الإنجليزية واللغات الحية الأخرى.
هناك دول ككندا وسيوسرا وبلجيكا تعتمد عدة لغات عمل رسمية في بلادها، والفرنسية هي من تلك اللغات بحكم كونها إحدى اللغات الأكثر تحدثًا في العالم، وهي واحدة من اللغات الرسمية الرسمية للأمم المتحدة وعدد من المنظمات الدولية الأخرى. ولا ينبغي أن نقع في بوتقة الخوف من أن تعلم اللغة الفرنسية سيؤثر على مستوى اللغة العربية "اللغة الرسمية في دولة قطر"، ذلك أن اللغة العربية تبقى هي اللغة الأم، ولغة التعلم الرئيسة في المدارس والجامعات، ولكن يبقى تعلم اللغات الحية ومنها اللغة الفرنسية، خيار مرحب به في الوقت الحالي، وسيكون ضرورة ملحة في المستقبل القريب في ظل العولمة.
أختم حديثي بالقول إن مفتاح قلوب الشعوب هو لغاتهم، فإذا أردنا أن نكون فاعلين ومؤثرين على المستوى الدولي لا بد من أن نتقن اللغات الحية حتى نفهم كيف نحاطب شعوب العالم بلغاتهم.
بوابة الشرق
|
|
|
|