مستقبل اللغة العربيّة وتحدياتها في المغرب

إبراهيم الحجري

شهد المركب الثقافي مولاي رشيد بالدار البيضاء المغربية ندوة علمية تحت شعار "اللغة العربية وتحدياتها"، الأحد الفائت، نظمتها التنسيقية الجهوية للدار البيضاء المنضوية تحت لواء الائتلاف الوطني من أجل اللغة العربية بمناسبة تأسيس فرعها، بمشاركة مجموعة من المتخصصين في اللسانيات، والسياسيين، وبعض المشتغلين في حقل التعريب.

وقد تداولت هذه النّدوة التّحديات المحدقة باللّغة العربيّة بالمغرب، في ظل التّكالب الفرنكفونيّ الذي يعبّئ كافّة مكوناته من أجل الدفع بفرنسة التعليم بالمغرب، واستبعاد اللّغة العربيّة وتعويضها بالدارجة في السنوات الخمس الأولى للتّمدرس.

إنقاذ اللغة العربية

أكد الدكتور مصطفى بنان رئيس التنسيقية الجهوية للائتلاف الوطني من أجل اللغة العربية بجهة الدار البيضاء الكبرى لـ "الشارقة 24" أنّ "الغاية من نشأة هذه التنسيقية هو الدفاع عن اللغة العربية بالمملكة، وحمايتها من الهجوم الفرنكفوني الكاسح الذي يُشنّ عليها مؤخراً عبر منابر إعلامية ولوبيات سياسية واقتصادية وثقافية، مراهنين على استنهاض همم الضمائر الحية للشعب المغربي الذي التف حول هذه اللغة منذ أن عمّر الإسلام هذا البلد".

وأضاف بنان أنّ "قرار استبعاد اللغة العربيّة من التعليم المغربيّ قرار يُطبخ له في غياب إرادة مكوّنات الشعب المغربي، من لدن خصوم الهوية الثقافة المغربية، أذناب القوى الاستعمارية التي ترغب في استمرار هيمنتها الثقافية واللغوية على البلدان التي احتلتها واستنزفت خيراتها طيلة عقود من الزمن".

مشروع واعد لتعريب درس الطب

تطرق الدكتور محمد عزيز بوصفيحة في مداخلته حول "اللغة العربية وتدريس الطب بالمغرب" إلى تجربته في التدريس الجامعي، ومشروعه الشخصي الذي أطلقه منذ سنوات، بمعية طلابه الذين يؤطرهم ويشرف على رسائلهم. ويتعلق هذا المشروع بترجمة مفردات تدريس الطبّ إلى اللغة العربية، وتقديم مجموعة من الدلائل والقواميس المبسطة التي تساعد الطالب المغربي على تمثل المعجم الطبّي واستيعابه، موضّحاً أن عملهم العلميّ الهادف استند إلى قاموس عربي تبنته منظمة الصحة العالمية، وتقوم بتجديده سنوياً، وقد تحققت بفضل هذا العمل تراكمات مهمة توّجت بطبع مجلة الصحة المغربية، التي تقرّب المتخصّصين والطلاب من أهم المنجزات في مجال الطب بلغة عربية سلسة.

التعريب حلم ممكن

وأكد بوصفيحة أن لغة الطب لغة مفهومية ومصطلحية يسهل نقلها بسلاسة إلى اللغة العربية في زمن قياسي، مضيفاً أن نسبة 70 بالمئة من الطلاب يفهمون الدروس باللغة العربية، وليس هناك من داعٍ للتخوّف من مسألة الترجمة.

ويدعم بوصفيحة منطق دفاعه عن ضرورة تدريس العلوم باللغة العربية بدراسة إحصائية دولية، تقول أن الطلاب الذين يدرسون بلغتهم الأصلية يكونون متفوقين كثيراً على الذين يدرسون بلغات غير لغاتهم، وأن العربية ليست استثناء بهذا الخصوص.

فشل السياسات التعليمية

ويخلص الدكتور بوصفيحة في نهاية مداخلته، إلى أنّ تدنّي مستوى التعليم لا يعود إلى اللغة، بل إلى السياسة المتبعة من الدولة التي تتمسك بفرنسة تدريس العلوم في الجامعات. وبالتالي، إذا أردنا تعليماً ناجحاً، يجب اللّجوء إلى التعريب كخيار استراتيجي قوي يحل مشاكل كبرى، ولمّح بوصفيحة إلى أهمية تكاثف الجهود والصبر والرهان على الزمن، فقد تكون هناك مرحلة انتقالية في مدة لا تتجاوز أربع سنوات، لكن الأمور ستأخذ مجراها العادي، وتتحسن النتائج بالتدريج.

وأكد الباحث نفسه، في نهاية كلمته على ضرورة المشاركة الشعبية في اتخاذ قرار اختيار لغة تدريس أبنائهم، وأنّ كلمة الشعب مؤثرة في الاختيارات، لذلك ينصح بالتعبئة واستنهاض همم الغيورين على العربية، لتخفيف الضغط على الحكومة التي ترغب في إقرار اللغة العربية؛ لغة للتعليم تماشياً مع مقررات الدستور، لكنها تتحرج من إعلان ذلك تحت ضغط اللوبي الفرنكفوني.

حوسبة تراث اللغة العربية

ألح الدكتور محمد بوزبع في مداخلته على أهمية حوسبة التراث اللغوي العربي، باعتباره خطوة أولى ضمن مشروع كبير متناسق، معتبراً أن المحتوى الرقمي للغة العربية لا يمثل سوى 3 بالمائة من مجموع التراث العربي، وطالب بتضافر الجهود لتخزين كل المحتويات اللغوية العربية رقمياً.

وشرح بوزبع تفاصيل المشروع الرقمي الذي يشتغل في إطاره ضمن مجموعة بحث تضم طلبة وأساتذة، ويصطلح عليه بـ"هندسة اللغة العربية"، ويهتم هذا التخصص ببرمجة عالية لرقمنة المجالات التي تخدم اللغة العربية مثل الترجمة، والتصحيح اللغوي، الهندسة الحاسوبية للغة، اللسانيات، الرياضيات الحاسوبية، برامج نحوية وتركيبة وصرفية، محركات البحث المتطورة، برامج تجيب عن الأسئلة، برنامج الخليل للتحليل الصرفي.

وأكّد بوزبع أنّ هذا المشروع بدأ يتوسع ليشمل فعاليات من المغرب والعالم العربي، وحتّى من أوروبا وأميركا، بحكم الرّصانة العلمية التي يشتغل وفقها الفريق المشرف.

  نوايا مبيتة لإبعاد الفصحى

استفتح الدكتور المقري الإدريسي أبو زيد البرلماني، والسياسي واللساني المعروف، بفضح النوايا السيئة لما أسماه بـ"الدولة العميقة" التي تتحايل على إبعاد اللغة العربية من التعليم، من خلال ضغطها على المجلس الأعلى للتعليم الذي صوت بنسبة 95 بالمئة لصالح مقترح التدريس بالدارجة في السنوات الخمس الأولى، وإقرار اللغة الفرنسية لتدريس العلوم، معتبراً هذا التهيؤ المبطن لقرارات مجحفة في حق هوية الشعب، غشاً وتدليساً، ونفاقاً، وإعانة لشعب بأكمله اختار اللغة العربية، والدين الإسلامي منذ زمن بعيد.

العربية أحق بتدريس العلوم

وفند المقري في مداخلته، مزاعم الطرح الفرنكفوني الذي يتبجح بكون اللغة الفرنسية لغة علم، بسخريته المعهودة، مشيراً إلى أن اللغة الفرنسية لم تولد هي والعلم في يوم واحد، موضحاً أنّ اللغة العربية، حينما كانت اللغات اللاتينية يما فيها الفرنسية لا تغني ولا تسمن من جوع، كانت تصول وتجول في العلوم والاختراعات، حتّى أن أوروبا بأكملها لم تعرف تراثها اليونانيّ إلا عن طريق الفلاسفة العرب شرّاح أرسطو. واستدل على ذلك، بكون الدول المتقدمة كلها تدرس بلغاتها الأصلية المعرفة العلمية، ما دام تدريس العلوم لا يحتاج إلى غزارة اللغة عكس الفنون والآداب والفكر والفلسفة والنقد الأدبي.

رسائل إلى من يهمهم الأمر

وختم أبو زيد مداخلته السّجالية بتوجيه رسائل إلى من يهمهم الأمر؛ فقال للدولة العميقة الداعم الرئيس لفرنسة التعليم المغربي وتدريجه "من اللغة الدارجة": كفى تهريباً لقرار السيادة الحقيقية مدة نصف قرن.

وقال للدولة السطحية المتشكلة من الحكومة، وما يواليها من مؤسسات: كفى استسلاماً. يجب التحلي بروح المسؤولية والجرأة، فيما خاطب المؤسسة التشريعية: خذوا حذركم فنحن لا نحقق العتبة الأولية في الديمقراطية. ووجه كلمته للمتخصصين قائلاً: كونوا جبهة موحدة لمقاومة ما أسماه بـ"الذبح المعنوي والحضاري". وقال للشعب: ناضل سلمياً بالحوار والتعبئة ضد تغول الفرانكفونيين الذين يريدون الحفاظ على صورة الاستعمار الفادح لفرنسا.

التكلفة الحضارية

وعبر المقري عن أسفه لكون التعليم المغربي يستنزف ميزانية ضخمة وتكلفة حضارية دون أن يقدم المنتظر منه، رامياً باللوم على من أسماهم بـ"أذناب الاستعمار" الذين يلقون بالأسباب على المدرس والمناهج والبنية التحتية. والحاصل أن مشكلة التعليم بالمغرب مشكلة إرادة سياسية، وتسلط فرانكفوني، وبنية مستغلقة متغلغلة تتحرك ضد إرادة الأمة وإرادة الحكومة.

الشارقة 24