عمرعبدالله
أصدرت الإدارة الكردية الذاتية في شمال شرق سوريا قراراً ينص على تعليم المواد الدراسية الأساسية باللغة الكردية. يشعر العديد من السكان المحليين بالرضا تجاه القرار معتبرين اللغة الكردية صلة الوصل التي تربطهم بتراثهم العرقي، في حين يبدي آخرون قلقهم حول ما إذا كان القرار مناسباً في خضم الفوضى السياسية التي تعيشها المنطقة.
منذ ثلاثة أشهر تقريباً، بدأت المدارس الموجودة في منطقة الحكم الذاتي الكردي في مدينة الحسكة شمال سوريا بتدريس المواد الأساسية باللغة الكردية بدلاً من العربية.
في اغسطس/ آب 2015، أصدرت حكومة الإدارة الذاتية المشكّلة حديثاً قراراً يقضي بتدريس المواد الدراسية باللغة الكردية. يسمح القرار للعرب واليزيديين والمسيحيين السريان بتعلم بعض المواد بما فيها مادة التربية الدينية بلغتهم الأم، ولكنه يفرض عليهم تعلم التربية الإجتماعية والتاريخ باللغة الكردية.
أسعد القرار الغالبية من السكان الأكراد لما يشكله من صلة وصل مع تراثهم العرقي ولرغبتهم في دراسة لغتهم الأم، ولكن بعض العائلات أبدت قلقها حول ما إذا كان القرار مناسباً في خضم الفوضى التي تعيشها المنطقة.
تحضيراً لبدء العام الدراسي، قامت هيئة التربية والتعليم التابعة للإدارة الذاتية بطباعة أكثر من 40,000 كتاب باللغة الكردية، بحسب ناشطين مقربين من القيادة الكردية، ودربت نحو 2600 مدرس ومدرسة على مدى ستة أشهر.
بعد سنة على بداية الثورة، انسحبت قوات النظام السوري من شمال شرق البلاد، واتحد الحزبان الكرديان الرئيسيان لتأسيس الهيئة الكردية العليا التي شكلت وحدات حماية الشعب للدفاع عن المنطقة ذات الغالبية الكردية. الجدير بالذكر، أن كردستان سوريا أو كردستان الغربية قد أعلنت استقلالها في كانون الأول من عام 2013، ولم تتوقف عن التوسع في شمال شرق سوريا منذ ذلك الحين.
في حين أن العديد من السكان سعداء بالعيش تحت كنف الدولة الكردية، لكنهم ليسوا جميعاً من مناصري القرار الجديد، وقد لجأ البعض إلى نقل أولادهم إلى المدارس الخاصة بالرغم من تكلفتها العالية.
روكسان البالغة من العمر 27 عاماً، تعمل مدرسة لطلاب المرحلة الإبتدائية، قالت: “لست ضد تدريس اللغة الكردية في المدارس، لكن حتى الآن لا مستقبل لمن يتعلم باللغة الكردية، الجامعات والمراحل الدراسية الأخرى كلها باللغة العربية”. أضافت روكسان: “إن الذين يتعلمون المواد الأساسية باللغة الكردية سيصعب عليهم التفوق في الجامعة أو حتى الحصول على قبول جامعي، كان من الأفضل لو اكتفت الإدارة الذاتية بتدريس اللغة الكردية كلغة ثانية، معظم الأهالي متخوفون من الفكرة، لأنهم غير واثقين من استمرارية النظام التعليمي باللغة الكردية إلى مابعد مرحلة التعليم الأساسي”.
بعد أسبوعين من صدور قرار التعليم باللغة الكردية، أصدرت مديرية التربية التابعة للنظام السوري تعميماً يقضي بإغلاق كافة المدارس التي طبقت قرار الإدارة الذاتية الكردية، وبوقف عمل المعلمين الذين لا يزال معظمهم موظفون لدى وزارة التربية التابعة للنظام، ما أدى إلى إيقاف تعليم الصفوف الأولى في حوالي ثلاثين مدرسة إبتدائية في القامشلي، تلى ذلك إيقاف عدد آخر من المدارس في مدينة الحسكة.
صلاح البالغ من العمر 50 عاماً، قضى وقتاً طويلاً من حياته كمدرس للمرحلة الإبتدائية في القامشلي. بالرغم من أنه يجيد تحدث اللغة الكردية التي اكتسبها من أهله وأصدقائه، إلا أنه لا يملك القدرة على قراءتها أو كتابتها. تضارب القرارات الأخيرة بين دمشق والقيادة الكردية في الحسكة، أفقد صلاح عمله. “لدينا في المستودع الآن منهاج عربي للوزارة وآخر كردي للهيئة، لا نعلم أي منهاج يجب علينا أن ندرس”. أخبرنا صلاح أن الكنيسة لم تستجب للقرار وبقيت مدارس السريان تعلم منهاج الوزارة، وكذلك المدارس التي يرتادها الطلبة العرب لم يختلف شيء بالنسبة إليها. تابع قائلاً: “فقط المدارس الواقعة في الأحياء والقرى الكردية من تأثر بقرار النظام السوري”.
كالعديد من الأمهات، رفضت شيلان إرسال أطفالها إلى المدرسة بعد قرار إستبدال اللغة العربية بالكردية في بداية العام الماضي. قالت : “إبني الكبير انتقل إلى الصف الثالث وقد تعلم اللغة العربية والإنكليزية، ثم سيتم قلب المنهاج وبشكل كلي ومفاجئ إلى الكردية، من غير المنطق حدوث ذلك”. أما الطفلين الآخرين سيتعلمون المنهج الكردي في المدارس الكردية بسبب عدم قدرتها المادية على تدريس 3 أطفال في المدارس الخاصة. تابعت شيلان: “أشك بمدى نجاح هذه الخطوة إلا أنه ما باليد حيلة، سأضر إلى تعليمهم اللغة العربية والإنكليزية في المنزل معتمدة على المنهاج القديم”.
بالمقابل، يعتقد العديد من الأهالي أن قرار الإدارة الذاتية بإدخال اللغة الكردية إلى المدارس، من شأنه الحفاظ على الإرث الكردي، إضافة إلى حقهم في استخدام لغتهم الأم.
شيار، 31 عاماً، وهو أحد المدرسين الذين أعدتهم الإدارة الذاتية لتدريس اللغة الكردية، قال: “تدريس اللغة الكردية هو حق لنا، لقد ناضلنا من أجل ذلك سنوات طويلة ومنعنا منذ الإستقلال من التعلم بلغتنا الأم، ما فعلناه هو حق إنساني للكرد، ولن نتراجع عنه”.
قيادي في حزب يكيتي الكردي في سوريا، طلب عدم الكشف عن إسمه لدواع أمنية، قال إن “تعلم اللغة الكردية كان بمثابة حلم لكل كردي”، بحسب القيادي الذي اعتبر خطوة التدريس باللغة الكردية قراراً إيجابياً، إلا أن المنهج الكردي بحاجة الكثير من التحسين، حيث قال: “يجب وضع مناهج دراسية من قبل مختصين بالإضافة إلى أنه يجب توفير كادر تدريسي متمرس، لكن ما نشاهده هو عكس ذلك تماماً. المناهج تم وضعها لتناسب أفكار وإيديولوجية حزب معين يسيطر على مفاصل المجتمع الكردي، والكادر التدريسي عبارة عن مجموعة من المواليين لحزب الاتحاد الديمقراطي “PYD” ممن تعلموا الكردية لمدة لا تتجاوز عدة أشهر، بالتالي هي خطوة خاطئة وهي إحدى وسائل التضيق على الشعب ودفعه للهجرة”.
منير البالغ من العمر 33 عاماً، عربي من مدينة القامشلي، أب لطفلين ويعمل طبيب بيطري، أبدى قلقه حول نتائج تغيير المناهج، مضيفاً أنه “يجب أن لا ننسى ما كان يتعرض له الأكراد من تمييز عنصري لعقود، لذلك يجب على الأكراد اليوم أن لا يمارسوا العنصرية نفسها على الآخرين”. أكمل قائلاً: “صحيح أننا لم نمنع من التعلم بالعربية، لكن لا ندري ما ستكون الخطوة المقبلة من قبل الإدارة الذاتية، قد تكون فصل المدارس العربية عن الكردية ما يعني زيادة الشرخ بين العرب والأكراد. أنهى منير حديثه معنا متسائلاً: “ماذا سيحل لطلاب المرحلة المتوسطة والثانوية؟ هل سيعودون للغة العربية؟ عندما تتمكن السلطات من الإجابة على هذا السؤال، يمكن للناس أن تؤيد القرار”.
all4syria