للاطلاع على محتويات الإعلان أنقر هنا  
صحيفة دولية تهتم باللغة العربية في جميع القارّات
تصدر برعاية المجلس الدولي للغة العربية

  موقع الجمعية الدولية لأقسام العربية           الموقع الجديد الخاص بالمؤتمر الدولي للغة العربية           الباحث العربي: قاموس عربي عربي           راسلنا         
الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة

اللغة العربية و التواصل الحضاري

 اللغة العربية و التواصل الحضاري

           اللغة العربية و التواصل الحضاري عنوان يتمحور حول عراقة لغتنا العربية ؛ ليمخر عباب بحرها ، و يسبر الغور في عمقها التاريخي و الأدبي و العلمي و الثقافي ، بحثًا عن لآلئ سموها ،و دراري  تفوقها على سائر اللغات ،بما يختزنه موروثها من قيم إنسانية وحضارية قادرة على استيعاب معطيات العصر ،ومواكبة مخرجات عالم الانفجار المعرفي ، فماذا نعني بالتواصل الحضاري ؟

 التواصل الحضاري نافذة تطل على العالم الواسع للإحاطة بعلوم الأمم الأخرى، و استيعاب سماتها الاجتماعية ،و منجزاتها الثقافية والحضارية، وهذا التبادل الثقافي بين الشعوب تعددت صور اتصاله تحاورًا وتعارفًا وتلاقحًا ،وتبلورت آليات تواصله، فقد يكون تواصلًا أفقيًا بين ثقافات متزامنة ،أو أقاليم ثقافية معينة ،وقد يكون تواصلًا رأسيًا بين الأجيال المتعاقبة لثقافة ما.

        و في مخاض العالمية انبثقت من أروقة العلم و الفكر و الأدب لغتنا العربية، بحلتها الحضارية ،متمازجة مع حضارات الأمم الأخرى ، و علوم العصر السائدة في القرن السادس الميلادي .و لما حدث التطور الهائل تدفقت أمومتها؛ لتضم بين خافقيها ما استحدث من علوم عصرية ، وتغذيه بعصارة  إبداعها، حتى أضاءت جنبات العالم ، و أسست لحضارة إنسانية عالمية عصرية.

 ويكفي عربيتنا شرفًا ريادتها لفكرة التواصل العالمي، التي حمل نبراسها الدين الخاتم ؛باعتباره رسالة عالمية، ترفرف في سماء الإنسانية، مفعمة بالرحمة و المحبة و السلام لجميع أصحاب الثقافات و الأعراق و الأديان المختلفة ،فقد قال جلَّ شأنه:(وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ) آية 107 من سورة الأنبياء ، وفي سورة الحجرات آية 13 قال تعالى :( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) ،و هذا التوجيه الرباني يؤطر العلاقة الإنسانية بإطار  تذوب فيه الاختلافات في بوتقة التعارف و التآلف و التبادل الفكري و التعايش السلمي.

و لا شك أن اللغة العربية لم تكن بمنأى عن هذا التواصل  الذي تنسجم معه مقولة الأمم المتحدة :( تعد اللغات هي الوسيلة المثلى للتفاهم المتبادل والتسامح ،ويعتبر احترام كافة اللغات العامل الأساسي لضمان العيش المشترك في سلام للمجتمعات وكافة أفرادها دون استثناء) ، وقد قال  أحد المستشرقين : (لولا الحضارة  العربية والإسلامية، لتأخرت الحضارة العالمية عدة قرون).

         و تشكل العلاقات الثقافية بين الشعوب جسرًا  قويًا للتبادل والتأثير والتأثر بين اللغات في العالم، و على مر التاريخ نرى صور التداخل بين اللغة العربية  و اللغات الأخرى ، فقد اتصلت بالأمم المجاورة ، فأثرتْ وتأثرتْ، ويذكر  بعض اللغويين المحدثين أن اللغة العربية امتازت بحيوية نفاذة متأججة ،بحيث لم تنازل لغة أيام الفتوحات الإسلامية إلا ظفرت بها ، فعلى سبيل المثال نجدها ظفرت في العراق باللغتين الآرامية والسريانية، وفي الشّام ظفرت باللغتين السريانية واليونانية، وفي مصر ظفرت باللغتين القبطية واليونانية، وفي المغرب ظفرت  باللغتين البربرية واللاتينية، وفي الأندلس  ظفرت باللغة الإسبانية، و قد أبهرت  أهل هذه البلدان بمرونتها ،و روعة فصاحتها ،و عمق دلالتها، فسرعان ما جرت على  ألسنتهم ، وأصبحت وسيلتهم للتعبير شعرًا ونثرًا و فكرًا وعلمًا.

        ولعل ازدهار حركة الترجمة في العصر الأموي وراء الثروة  العلمية في هذه الحقبة، التي بلغت شأوًا بعيدًا ، و من أبرز دلائل التواصل الحضاري مع الأمم الأخرى تدوين العلوم و تعريبها ، ما أسهم في إرساء  أسس التراث العلمي للعلوم العلمية و الكيمياء و الطب و النجوم ،  كما أن اتساع الدولة و دخول شعوب جديدة في الإسلام، أتاح  التعرف على حضاراتها ،والاستفادة من معارفها في تطوير الحضارة الإسلامية ، حيث ترجمت الكثير من الكتب من اللغة الإغريقية إلى العربية، وهذا الازدهار في حركة التعريب جعل اللغة العربية لغةً رسميةً تمتد من المشرق إلى المغرب.

        و من سمات المشهد الثقافي في العصر العباسي انكباب المسلمين على الترجمة ،مستمدين آراءهم و علومهم من الثقافة اليونانية ، و قد نقل حنين بن إسحاق بعض كتب أبقراط وجالينوس في الطب ، كما نقل ابن المقفع كتاب (كليلة و دمنة) ، و ترجم كتاب (السند و الهند) و كتاب إقليدس في الهندسة إلى العربية ، وقد تم إرسال البعوث إلى القسطنطينية ؛لإحضار المصنفات الفريدة في الفلسفة و الهندسة و الطب.

        و في العصر الحديث ازدهرت الترجمة في العالم العربي مع نشأة الدولة الحديثة في مصر على يد محمد علي باشا ، في إطار سياسته للنهوض بالتعليم، وإرسال البعثات العلمية إلى دول أوروبا ،وإنشاء مدرسة الألسن المتخصصة في تدريس اللغات الأوروبية، التي نجحت في تخريج المترجمين المتخصصين، وبلغ عدد الكتب المترجمة على يد خريجي المدرسة ألفي كتاب في مختلف المعارف ، و تولت هيئة محرري علماء الأزهر مهمة مراجعة ما تم ترجمته.

         و من المبادرات العربية  النوعية الداعمة للتواصل الثقافي والاتصال المعرفي بين حضارات العالم، جائزة الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود العالمية للترجمة ، وهي جائزة تقديرية تمنح سنويًّا للأعمال المترجمة من اللغة العربية وإليها ، وجائزة سيف غباش للترجمة الأدبية من العربية إلى الإنجليزية ،وجائزة الشيخ حمد للترجمة ،التي تسعى لتأصيل ثقافة الحوار، وتنمية التفاهم الدولي، وتشجيع عمليات المثاقفة الناضجة بين اللغة العربية ولغات العالم، عبر الترجمة والتعريب.         وتتلخص أهداف الترجمة في الوطن العربي في التأكيد على وحدة اللغة العربية، و وفائها في التعبير عن حاجات العصر، والاستمرار في  تطوير حركة الترجمة ؛لتبلغ ذروة النضج والاكتمال من حيث سلامة اللغة، ودقة المعنى ،ومطابقة الكتاب المترجم للأصل.

        ختامًا من المسلَّم به أنّه لا يمكن لأي مجتمع أن ينهض ،ويتقدم  إلا بلغته ، فلنقبل بشغف على لغتنا الأم، ولنبرز  قدرتها العجيبة على استيعاب العُلوم ، ولندرك الحقيقة الجوهرية ، و هي أن الانفتاح على العالم لن  يحقق لنا تناغمًا اجتماعيًا ، وارتقاءً معرفيًا دون الاعتزاز بلغة الخلود و العراقة و الأصالة.

مشرفة اللغة العربية بمكتب التعليم بمحافظة القطيف بالمملكة العربية السعودية

الأستاذة كفاح بنت حسن المطر

 

 

جميع الحقوق محفوظة © 2022
المجلس الدولي للغة العربية