للاطلاع على محتويات الإعلان أنقر هنا  
صحيفة دولية تهتم باللغة العربية في جميع القارّات
تصدر برعاية المجلس الدولي للغة العربية

  موقع الجمعية الدولية لأقسام العربية           الموقع الجديد الخاص بالمؤتمر الدولي للغة العربية           الباحث العربي: قاموس عربي عربي           راسلنا         
الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة

اللغة العربية لغة الإنسانية

  

 

                         ( اللغة العربية لغة الإنسانية )

 

مقدمته : الأستاذة الدكتورة إيمان السيد الجمل

أستاذ الأدب العربي والنقد

الدولة : مصر

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

 

      يطل علينا الثامنُ عشرُ في مثل هذا الشهر،  ديسمبر من كل عام ؛ لنحتفي معًا باللغة العربية  . راجيةً.. كلَّ الرجاء.. أن يكون المقبلُ من الأعوام حافلًا بكل ما من شأنه دعمِ لغتنا العربية الشريفة ، في واحدة من أرحبة المجلس الدولي للغة العربية ؛ لنظل ننعم في أفياء فنونه ومعارفه نستظل بها ونحيا معًا محافظين على هويتنا العربية بكل مقوماتها وطرزها متواصلين بها مع الإنسانية كلها .

 

الأعزاء القرَّاء

 

إننا حين نتحدث عن اللغة العربية فنحن نتحدث عن لغةِ الإنسانية والإنسان . ولعل تاريخَ العلومِ خيرُ شاهدٍ ودليلٍ على ذلك . وإن المهتمين بالبحث في هذا المجال البالغ الأهمية يدركون بصورة جلية أن البحث في تاريخ اللغة العربية هو بحث في لغة تواصلت مع الإنسان في كل الحضارات.  وأن ما قدمه العلماء من أصحاب تلك الحضارات والأدباءُ والفنانون من المعارف  للإنسانية ظلت في تواصل وتطور مستمر حتى غيرت وجه العالم القديم ثم فترت بعد القرن الثالث الميلادي فلم تقدم مبتكرات جديدة حتى اطلع العرب والمسلمون على تلك المعارف جميعِها وهضموها هضمًا كاملًا في فترة لا تزيد عن مائة وخمسين عامًا . وهي فترة وجيزة أمام ما قُدِّم إنتاجُه بصورة وفيرة تزيد أضعاف ما تلقفته العربية من سائر معارف جميع الأمم الأخرى . وقد كانت تلك ميزةٌ لم تَسبق إليها أيُّ لغة من لغات العالم قاطبة.  وقد قُدِّمت كلُّها  إلى الإنسانية وتم هذا في جميع المجالات باللغة العربية فلم تتركْ مجالًا يُهِم الإنسان ويحقق نفعه ويقيم حضارتَه ويعبر عنه بغير أن تخوض فيه وتحمِلَه إليه في صورة منهجية قائمة على البحث النظري والتجريبي فكانت بحق هي اللغة التي لها الفضل وبغير منازع فيما تابعته سائر العلوم الحديثة  .

 

       في غير شك أن التواصل الحضاريّ الذي حققته اللغة العربية قديمًا عن طريق الرحلات التجارية برًّا وبحرًا من جزيرة العرب إلى آفاق العالم المجاورة أو البعيدة قد هيَّأ أرضًا خصبة لهذا التلاقح والتمازج الذي لا ينكَر أثره . وتتوالى الحقب والعصور لتكون حركة الترجمة ومنذ العصر الأمويّ لتسجل للخلفاء المسلمين مآثرَ تخط بماء من ذهب على صفحات الحضارة الإنسانية ، نقلًا لسائر العلوم والفنون حتى قُدر للغة العربية أن تشارك بجدارة وبتفوق كتابة هذا السجل الحافل بكل ما هو مدهش ومعجِب ، وتنتقل بعد هذا الهضم السريع والاستيعاب الكامل لعلوم وفنون الأمم الأخرى إلى مرحلة الإنتاج الفكريِّ حتى صار لها الريادة وحتى أصبحت تلك الأمم تسعى إليها تواصلًا معها لتنهل من ينابيعها الصافية وأنهارها الجارية وسماواتها الغدوقة ، وتقوم على أسس منتجِها الفكريّ والروحيّ  تلك الحضارةُ التي نشهدُ آثارَها اليوم .

       

         وما ينبغي لنا الآن النظرُ إلى اللغة العربية على أنها حروفٌ أبجديةٌ تنتظمُ في جمل علينا تعلُّمُها  وإتقانُ تركيبِها لتكونَ سبيلًا إلى اجتياز امتحانٍ أو امتهانِ مهنةٍ نتكسب بها . إن أهميةَ اللغة ِالعربية يجب أن تكونَ حاضرةً في أذهاننا بصورة تليق بها باعتبارِها منذ القديم لغةَ القرآن ولغةَ الحضارة على مر العصور . فهي كنزُ المعرفةِ ورافدُها ، لا لأبنائها فحسب إنما لكل الشعوب المتواصلة عبرها ، فهي لغة الإنسانية سواءً هي في ذلك أكانت في مرحلة النقل عن الحضارات القديمة أم فيما صارت إليه باعتبارها مصدرًا للعلوم والآداب والفنون يُنقل عنها إلى اللغات الأخرى .

 

        وإذا كانت اللغةُ دالًا على شخص المتكلم بها فهي دالٌ على هوية الأمم تحمل تاريخَهم وثقافاتِهم وعلومَهم ، لذلك يقاس تحضرُ الأممِ ونفعُها الإنساني بقدرتها على الحفاظ على لغتها، وقوةِ هذه اللغة ، ومدي تأثيرِها وتواصلِها أخذًا وعطاءًا ، فكما وجدنا ألفاظًا في القرآن الكريم من لغات غيرِ عربية دلت على الامتزاج والتواصلِ العربي مع جيرانهم القريبن والبعيدين ، فقد استطاعوا حين انفتحوا على العالم بالدين الجديد ، وبما كان للغة من قدسية واحترام ، ثم بما كان لها من قيادة عصور التحضر في القرون الوسطى استطاعوا أن يؤَثِّروا في تلك الأمم سواءً في آسيا أم أفريقيا أم أوروبا .  فنجد الألفاظَ العربية ذاتَ حجم غيرِ قليل في معجم لغات تلك الشعوبِ ، وعلى ألسنتِهم ، وفي معاملاتهم ، وقًضائهم ،ونظم جيوشهم ، وسائرِ ألوان حيواتِهم ، كما نجدها في مقرراتهم الدراسية في المدارس والجامعات ، فقد انتقلت إليهم  واستقبلوها وسعوا إليها ، بل إنها طغت في بعض الأحيان على لغاتهم الأصلية وعلى أقل تقدير أصبحت حروفها هي حروف كتاباتهم ، كان لها ذلك يوم كانت تحمل تلك القوةَ الحضارية المحملةَ بالعلم والمعرفة .

       

      وإذا أردنا سوق النماذج والأمثلة في مقام هذا المفهوم ، فإنه قد يحول بيننا وبين ذلك الوقت المسموح به في هذا اللقاء الشيق الماتع ، لذا سنكتفي في عجالة سريعة إلى الاستشهاد بمظهر من الشرق لأصحاب واحدة من أكبر حضاراته ، الإمبراطورية الفارسية . التي تعتبر المثالَ الحق لإنسانية اللغة العربية في أبهى الصور .

 

     من المعلوم أن بلادَ فارس متجاورةٌ طولًا بما يربو على ألف كيلو متر مربع مع الحد الشرقي والشمالي للجزيرة العربية فهي تخومها  وقد أدت علاقة التجاور إلى العديد من مظاهر الصلات الطيبة منذ العهد الإخميني في القرن السادس قبل الميلاد إلى العهد الساساني قبل الإسلام  نتيجة التبادل التجاري والدفاع الحربي والالتقاء العقائدي  الذي تَمَثل أثره في التواصل اللغوي وقد ظهر ذلك في وجود ألفاظ فارسية في القرآن الكريم نحو : البستان ، الإستبرق الحرير الغليظ المنسوج من خيوط الذهب  استبره (ويلبسون ثيابا خضرا من سندس وإستبرق ) ، أساور ( يحلون فيها من أساور من ذهب ) سجيل الحجرمن الطين ( ترميهم بحجارة من سجيل )زمهرير شدة البرد ( متكئين فيها على الأرائك لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا ) زم تعني برد هرير فاعل موجب ، الدينار ( ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك ) دَنّار ، جناح بمعنى الإثم أو الذنب ( ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم )الطور بمعنى الجبل  ( وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور ) السجل ( يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب )، اليم ،( أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم ) قسورة ،( كأنهم حمر مستنفرة فرَّت من قسورة) ، أباريق( بأكواب وأباريق وكأس من معين ) آب  ماء و  ريز سكب ، أرائك (هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكئون )الفرش الجميل ،  ، ومنها ما جاء على ألسنة الشعراء الجاهليين نحو: الجمان  وهي الدرة مصوغة من الفضة وجاءت في معلقة لبيد بن ربيعة

وتضيء في وجه الظلام منيرة      كجمانة البحري سُلَّ نظامها

كما وقع في شعر الأعشى وامرئ القيس ألفاظ فارسية

 ومنها ما هو على الألسن إلى يومنا هذا ونستعمله نحو : مهرجان مهر +كان   محبة- نور الشمس ، بخت حظ، بهلوان المؤدي  ، تنبل كسلان، طازج – تازه، خيار ، كفتة ، أراصيا البرقوق الأسود المجفف  ألوسياه ، خوشاف –خوش اب حلو وماء، فستق ، شيشة ، بلور ، نموذج _ نمودن، تخت، لوح الخشب، دفتر – الكراسة ، كيس ،  بستان _ بوستان ، شطرنج_ شطرنكـ، خندق _ كندكـ ، الديوان ، الوزير ، كنار، كمر، جش جص جبس، كردان ،كاكي ،بيادة ، كليم ،كار صنعة ، خردة، كهنة، ، بند نطاق ، برنامج خطة ، لجام ، بس يكفي، يا بمعنى أو. وغير ذلك بما لا يتسع له المقام . فذلك من أكبر الدلائل على أثر هذا التجاور الإنساني .

 

  ثم بعد الإسلام وتلك الرسائل المتبادلة التي كان لابد لها من مترجمين من الناحيتين ومنذ عهد الرسول الكريم فكان مترجمُه زيد بن ثابت الذي تعلم اللغة الساسانية الفهلوية وقبلُه بعضٌ من أبناء اليمن والبحرين وعمان والعراق بطبيعة الحال .

 

   وبطبيعة الحال كل ذلك كان من شأنه أن يصل اللغتين من الناحية الأدبية فقبل الإسلام روى القصاصون قصة یزدجِرد الملك الساسانيّ الذي عاش في القرن الخامس الميلادي فقد بعث ابنه بھرام جور إلى مملكة الحیرة فأخذ عن العرب لغتهم وأشعارھم ویذكر ذلك العلامة  شمس الدین الرازي في " المعجم في معاییر أشعار العجم" غير أن علماء الفرس استھجنوا نظمه الشعر فأرجعوه عنه، وقد عرف العرب شيئًا من أخبار الفرس وقصص أبطالھم كقصة رستم بن زال البطل الأسطوري الفارسي وعدوِّه أسفندیار وھي من أروع قصص الأدب الفارسي التي تغنى بها الفردوسي في أطول ملحمة أدبية في الشاهنامة  .  وكذلك ما وقع من ألفاظ فارسية في شعر العرب أمثال الأعشى فقد دخل بلاد الفرس ومدح ملوكَ ساسان ، فتذوق الفرسُ الشعرَ العربي وعرفوه قبل الإسلام . كل ذلك كان توطئةً لوجود العديد من الألفاظ العربية  في اللغة الفارسية

 

      لقد شكل الدين الإسلامي أهم الأسباب لتكون اللغةُ العربية لغةً إنسانية ويعتبر حب الدين هو الدافع الحقيقي لإقبال الفرس على تعلم اللغة العربية فهي لغة القرآن المحملِّ باللغة الآسرة المقدسةِ،  العاليةِ في تراكيبها ، الثريةِ باشتقاقاتها ، حتى صارت في حكيهم وكتاباتهم معبرة عن وجدانهم وأفكارهم في كل مجال في الحياة الاجتماعية العامة وفي الحياة الفكرية والعلمية . ودليل ذلك أن نسبة اللغة العربية في المنطوق والمكتوب اللغوي الفارسيّ بعد الإسلام قد وصلت إلى النصف . وإن مصلحاتِ العلوم اللغوية: كالأدب والبلاغة والنحو والصرف ، والدينية: كالفقه والسنة والتفسير ، والعلمية، كالطب والفلك والحساب ، كلِّها خيرُ شاهد على ذلك. إلى جانب أنها أضحت لغةَ السياسة وتسيير أمور الحكم من مراسلات وأحكام .

 

      نضيف إلى ذلك سببًا مهمًا جدا ، وهو التغيير الذي أحدثه الإسلام في النظام الاجتماعي الذي كان قائمًا على الطبقية التي تُحَرِّمُ التعليمَ على سائر الناس سوى الطبقة العليا .جاء الدين الجديد بالحث على التعلم وطلب العلم والمساواة بين الناس فأقبل الفرس من جميع الطبقات على التعلم وسعوا إلى طلب العلم بكل شغف وجد.  وكان أساتذتهم هم العرب الذين وفدوا عليهم داعين ومعلمين . . فانتشروا في المدائن الفارسیة ، ومنهم مسلم بن الحجاج صاحب صحیح الحدیث من بني قشیر الذین سكن بعضھم نیسابور، ومنهم عبد الكریم بن ھَوازن القشیري النیسابوري صاحب «الرسالة القشیریة» في تراجم وسير المتصوفة ، فأضحت اللغة العربية لغة إنسانية تقوم بكل احتياجات الإنسان وتعبر عنه اجتماعيًا وأدبيًا وعلميًا وسياسيًا وتاريخيًا.

    

        ويزداد التأثر والتأثير كلما كانت المواقفُ أشدَّ احتياجًا إلى ذلك . فمع تلك المبادلات التجارية ورسائل الدعوة إلى الدين الإسلامي يهتم عمر بن الخطاب _ رضي الله تعالى عنه _ بالأخذ عن الفرس نظمِ الدولة والجيش والبريد، ويأتي العصر الأموي وما زلنا لم نتخط القرن الأول الهجري لنجد معاوية بن أبي سفيان وخالد بن يزيد بن أبي سفيان يتوجهون للاستفادة  أكثر من النظم السياسية والعلوم خاصة علم الكيمياء الذي أولع به خالد بن يزيد ،فيكون بدايةَ العهدِ بالترجمة المعرفية التي وصلت إلى ذروتها في العصر العباسي مع دخول الكثيرِ من علماء الفرس وأدبائهم إلإسلام ،أمثال: أبو نواس وبشار بن برد وأبَّان اللاحقي ومن الكتاب ابن المقفع ومشاركتهم الفاعلة في نقل العلوم وتبرز أسماء الزمخشري والنيسابوري  ونرى البيروني وابن سينا اللذين تركا للبشرية مؤلفات ضخمة بالغة الأهمية باللغة العربية ولم تطأ قدماهما أرض العرب . وسيبويه عالمَ النحو الأشهر وعبدَ القاهر الجرجاني النحوي وواضعَ أصول علم البلاغة العربية، وأولَ من دوَّن علم المعاني . والثعالبي صاحبَ يتيمة الدهر الذي وضع الطبقات لشعراء الفرس والعرب.  وفي كل مجال وحقل من حقول المعرفة العلمية

 والأدبية والفنية  بما لا يمكن تغافُلُه . ويتولى الفرس الوَزارات ومقاليدَها ويضعون الشروط للكتبة : علم بالسياسة والتاريخ والأدب وبالضرورة الحتمية معرفةُ اللغة العربية وآدابها إلى جانب الفارسية ولغات أخرى تكون الأردية والرومانية إحداها .

 

        ومن أهم الآثار في الأدب العربي التي انتقلت إليه من الأدب الفارسي الرسائل أو الكتب التي تبحث في الفلسفة الأدبیة ككتاب مسكویة الفيلسوف المؤرخ الفارسي (أدب العرب والفرس) وترجم البلاذُرى البغدادي المؤرخ صاحب فتوح البِلدان ترجم كتاب النصائح الذي يحتوي حكمَ ونصائحَ لأردشیر مؤسسِ الإمبراطورية الساسانية وأولِ ملوكِها الذي عاش في القرن الثاني الميلادي180م.  كما نقل ابن المقفع روزبه بن داذويه الفارسي نقل إلى العربیة كتاب آيين نامة وھو یحوي رسومَ وآدابَ الملوكِ الفرس وأخبارَهم وأسماءهم . كما نقل سیرةَ أنوشيروان كسرى الأول حفيدِ يزدجِرد  . وألف كتاب الأدب الكبیر القائم على فرائد الحكم الفارسية وفيه حديثٌ عن أخلاق وآداب السلطان والحكم وحديثٌ عن أخلاقيات الصداقة الحقة .

 

        وقد استحسنت لغة الأدب العربي في  مثيلتها الفارسية الأخيلةَ العميقةَ المركبة واستعمال البديع والأساليب الخاصة بالمنطق والتحليل والتقسيم والاستفهام ، وعن الموضوعات فقد وسَّع الشعراء العرب في بعض موضوعاتهم بما وجدوه عند الفرس مباحًا في غير تحفظ وبصورة خاصة فن الغزل ، من حيث الإفصاح والمجاهرة ومن حيث نوع الغزل فخاضوا في الغزل بالمذكر وتبع ذلك مجالس اللهو ووصف الخمر. وما كان ذلك ليكون بغير التغير المجتمعي والثقافي الذي حملته اللغة وتأثرت به  .

 

     ورأس من تأثر بذلك من الشعراء  أبو نواس وأبو العتاهية اللذان عادا في شيخوختيهما  عن تلك الموضوعات ومنهم من استبدل بكل قصيدة في مثلها بقصيدة في الزهد والتقوى .كما انتقلت الحكم والأفكار الفارسية إلى شعرهما ومعهما بشاربن برد ومن الكتاب  ابن قتيبة والجاحظ . 

 

 

      أماعن مجال هذا التجاور الإنساني اللغوي في العصر الحديث  فيتمثل في أوضح الصور في تلك الترجمات والمعارضات والاقتباسات والنهج على المنوال موضوعًا وأسلوبًا وشكلًا .

 

     نجد على سبيل المثال الإعجابَ الشديدَ الذي حظيت به مجموعة قصص "  كليلة ودمنة  " التي تمت ترجمتها من الأردية إلى الفارسية ثم إلى العربية وضاعت كلها وبقيت النسخة المكتوبة باللغة العربية وقد توفر لها في العصر العباسي اهتمام كبير. فممن عارضها سهل بن هارون بكتابين ( ثعلة وعفراء ) و( النمر والثعلب ).  وتأثر بنهجها وموضوعاتها في العصر الحديث محمد عثمان جلال ، من أشهرَ واضعي أسسِ القصة الحديثة في مصر وصاحب ( العيون اليواقظ في الأمثال والمواعظ ) كما تأثر بها أحمد شوقي  في مواضعَ من الشوقيات حتى إنها انتقلت من شكل القصة النثرية إلى شكل القصة الشعرية . وهي حكايات رمزية على ألسنة الحيوانات والطيور ذاتُ هدف تربوي تعليمي في صورة محببة إلى النفس لا تخلو من الطرافة على أوزان  عروضية خفيفة وبلغة فصحى بسيطة . وإن كان شوقي شديدَ التأثر بخرافات لافونتين فإن حكايات كليلة ودمنة الهندية وحي بن يقظان لابن سينا والسهرورديّ الفارسيَّيْن ولابن طفيل الأندلسيّ همُ الأصلُ الذي تأثر به الأدب الفرنسي بل الأوروبيُّ كلُّه.

 

 

       كما نرى رباعيات غياثِ الدين أبي الفتوح عمر بن إبراهيم الخيام النيسابوريّ عالمِ الرياضيات والفلك  التي لاقت إقبالًا وإعجابًا مدهشيْن يلفتان النظر إلى قيمتها . فترجمها إلى اللغة العربية أحمد رامي ترجمة ذاتَ حس مرهف عال ، تفوقت في قيمتها على الترجمة الأولى لها الذي قام بها الشاعر والكاتب الإنجليزيّ إدوارد فيتز جيرالد وما قدمه من آل البستاني اللبنانيين وديع البستاني وهو من رواد مترجميها إلى العربية . وقد بلغت ترجمة الرباعيات خمسين ترجمةً ،  لما حوته من نزعة إلى التأمل في الوجود وأسبابه وحكمته على خطى ما نجد آثارَه عند فيلسوف الشعر العربيّ أبى العلاء المعريّ. كما نجد فيها الدعوةَ إلى عقل الشهوات والندم وحسن الظن بالله مرة  ، وإلى التمتع بمباهجِ الحياة وأخذ الحظ منها مرة أخرى. وممن تأثروا بها  جبران خليل جبران،  ومما زاد من نوال هذه الرباعيات حظًا أوفرًا أن تغنت أم كلثوم بشيء منها فضمنت لها الانتشار والبقاء .

 

       والجدير ذكره أن  الأدب يعد صورة جلية لهذا التجاور الإنساني للغة العربية ، فقد أفاض الأدب العربي على الفارسي بما يحمله من ثقافة  وموضوعات وبنية شكلية للقصيدة وأخيلة نابعة من بيئة الشاعرالعربي وتراكيب جملته الشعرية  وقد أفادوا على وجه الخصوص من المتنبي وقبسوا من معانيه وصوره وله عندهم تقدير كبير .

 

      وعن الأجناس الأدبية التي كان للغة العربية أثرٌ فيها ، فهي القصیدة الغنائیة والمقامة والرسائل ، وقد بلغ التأثرُ بها درجةَ التقليد فيما عدا جنس الملحمة الذي تميز بها الشعر الفارسي . ومن الألوان الأدبية التي أخذها الفرس عن العرب فنُ المفاخرة أو المناظرة، والشاعر الفارسي أسديّ الطوسيّ الخُراسانيّ أولُ من نظم المناظرات شعرًا . وھو من أھل القرن الخامس الھجري . وله خمسُ مناظرات: مناظرة السماء والأرض ومناظرة الرمح والقوس ، ومناظرة اللیل والنھار ، ومناظرة المجوس والمسلم . ومناظرة بين العربي والفارسي . وهو نتاج للحركة العقلية التي قادتها المعتزلة والفرق التي تأثر أسلوبها بالمحاججة والمنطق المنقول عن كتب الإغريق واليونان .

 

       أما عن موضوعات الشعر فقد أثرت اللغة العر بية في الفارسية من حيث الأغراض . فانتقلت إليهم سائرُ الأغراض العربية من : مدح وفخر وهجاء وغزل ورثاء ووصف إلخ . وقد التزم الشعراء الفرس نهج القصيدة العربية من حيث الوقوف على الأطلال ولكنها أطلالهم وقصورهم ومفاخرهم التي بادالكثير منها مع الغزو المغولي.

 

       

       وبالنظر في شكل القصيدة الفارسية فمن الملاحظ أنها اتخذت أشكالًا متعددة هي ذاتها في العربية ، فمن ذلك المقطوعات الشعرية وهي قصيدة لا تتعدى الاثني عشرَ بيتًا متحدة الوزن والقافية ، والمقناوي أو ما يعرف عند العرب بالمزدوجات أو المثنويات وهي قصيدة مقسمة إلى بيتين مختلفة القافية بين الأبيات متحدة بين الأشطر . ونظم عليه أبو القاسم الفردوسي في الشاهنامة وهي ملحمة شعرية تبلغ ستين ألف بيت تضم تاريخ الفرس منذ العهود القديمة إلى الفتح الإسلامي للإمبراطورية الفارسية منتصف القرن السابع الميلاديّ وقد نُقلت إلى اللغة العربية على يد الفتح بن عليّ البنداريّ في القرن السابع الهجري.  وتعد الشاهنامة من أعظمِ الأثار الأدبية التاريخية التي تم  نقلُها إلى اللغة العربية . وكذلك نظم المزدوج أو المثنوي أبَّان بن عبد الحميد في ترجمته لكليلة ودمنة ، وكذلك ما شاع منه في الشعر التعليمي وذلك لسهولته . ومنه ما نظمه جلالُ الدين الروميّ بالفارسية  في القرن السابع الهجري في ديوانه ( المثنوي المعنوي) وما حواه من علم الكلام :( الالهيات النبوات والجبر والاختيار والإنسان إلخ، وما حواه من مقاصد التصوف: ( الروحانيات ،القلب، الأخلاق ،التوحيد الروحي، وحدة الوجود، وحدة الشهود ،الفناء، والعشق إلخ) كل ذلك في رؤية متكاملة بُغيتها نصحُ النفس والغير وترسيخُ الإيمان وبعثُه في المجتمع ، بما يحقق المقاصد الإنسانية الحياتية في صورة قصصية.  وقد ألف على غِرَاره والذي يعتبر النسخةَ العربيةَ له شكلًا ومضموًنا  الديوانَ المثنوي المعروف بـ (المثنوي العربي ) وهو ضمن رسائل النور لبديع الزمان النورسي الذي عاش في القرن الثالث عشر الهجري .

 

     أماعن الجنس الأدبي الآخر فقد أفاد النثر الفارسي  من القصص العربية                                وفنون المقامة التي ليس لها سابقٌ عند الفرس . ومن ذلك ما كتبه القاضي حميد الدين البلخي من مقامات أخذها نسجًا وطريقة وأهدافًا عن أستاذيه من العرب بديعِ الزمان الهمذاني العربي الأصول والحريري الموصلي الذي كتب الزمخشريُّ مقاماتِه الزينية الخمسين على غرارها . وكذلك فعل  في العصور اللاحقة التنوخي وابن الوردي والسيوطي والألُوسي واليازجي في دلالة على أثر الهمذاني والحريري في صناعة المقامات ليس في الأدب الفارسي ولا العصور القديمة فحسب.

    

ومن مشاهير الشعراء الفرس  المتأثرين باللغة العربية حافظُ  الشيرازي الذي كان حافظًا للقرآن الكريم وعارفًا باللغة العربية وبتراث آل البيت وفي مقدمته " نهج البلاغة " لعلي بن أبي طالب رضى الله عنه. فقد أثر ذلك في شعره بأن غذى صوره الفنية بالقصص القرآني كما تأثر بالتراث الشعري العربي، وإن لم يكن يحمل المعاني الصوفية. ولايكاد يخلو بيتٌ إيرانيٌ من كتابين: القرآن الكريم وديوان حافظ الشيرازي.

 

        ونجد التأثر بالألفاظ  العربية ، والكتابةَ بالحروف العربية واستعمال العروضِ العربي وبحورِه التي لفتت الأنظارَ إليها ، وكذلك القوافي العربية ِ بما تحملُه من موسيقى ونظام خاص استحسنته الذائقة الصوتية الفارسية مع إبدال لبعض حروفها ، واقتباس الموضوعات الشعرية العربية  .

وعن العلوم المتصلة بفن القول فقد أخذ الفرس عن العرب علم البلاغة ومصطلحاته غير منقوص  ومن علم النحو تراكيبَ الجمل والاشتقاقات والصيغ والأقيسة .

   

 

 

 

 

 

 

        وإذا كانت اللغات تحمل ثقافاتِ شعوبِها وتاريخَهم وعاداتِهم ونُظُمَهم وآدابَهم . فهي لغاتٌ تؤثر وتتأثر. تأخذ وتعطي . فهي لغات إنسانية، وهكذا حملت اللغة العربية جميع احتياجات الإنسان في بلاد فارس في جميع أحواله العامة الاجتماعية  والثقافية  والفكرية . لتكون لغةًَ إنسانية. تتجاور تستفيد وتقبل وتؤثر وتعمل . فهكذا نريد للغتنا اليوم.

 

       إنه من المهم جدًّا أن نلتفت  وتلتفتون معي إلى السبيل إلى بقاء اللغة العربية حية متجددة متواصلة ومتصلة بالإنسانية، وهو فيما يغلب على ظنِّي يسير في أكثر من طريق . أولاها : أن ندرك أهمية البحث في تاريخ اللغة العربية وآثارِها ومآثرِها العظيمة  من علوم وآداب وسائرِ الفنون راجين المحافظة عليها كما حافظ عليها الأولون .

وثانيتها : التزام استعمالها في المحافل ومعاهد العلم التي تتعهد الناشئة لتتكون لديهم القدرةُ على التفكير والإبداع باللغة العربية ومن ثم يحملون المشاعل إلى اللغات الأخرى تواصلًا معها .

 وثالثتها : التأليف باللغة العربية الفصحى والانطلاق إلى أرحبة أوسع وأشمل يتواصل فيها  المؤلفون مع العالم عبر التبادل الثقافيّ والاقتصاديّ والسياسيّ .

وعن رابعتها فهي : الترجمة من اللغات الأخرى في كافة المعارف .

أما خامسة هذه الطرق : فهي طريق مهم جدًّا يتمثل في توجيه الإعلام الناطق باللغة العربية الفصحي المحمَّلِ بالثقافة العربية  إلى الإنسان ... في كل مكان من هذه المعمورة على تعدد لغاته الناطق بها .

وعن السادسة : فهي طريق التأليف وإعداد المحتوى الغني بالعلوم والمعارف العربية مستهدفًا بنوك المعلومات الشبكية عبر الفضاءات التقنية ؛ مما يجعل للغة العربية مكانًا وسط هذا الكم الهائل المتدفق  المستمر من المعلومات في كل مجال ؛ حتى يطَّلعَ عليها من هو في مشارق الأرض ومغاربها .

 

و بعد هذا المرور الخاطف على إنسانية اللغة العربية أرجو أن يتبعَ بلقاءاتٍ أخرى نحتفي فيها بلغتنا العربية العذبة الرصينة الأصيلة التي لا نألق بغيرها ولا نمتعُ في غير نطقِها ولا تعذُب أسماعُنا بسواها .  

  

جميع الحقوق محفوظة © 2022
المجلس الدولي للغة العربية