|
|
|
|
محاولات فردية لإنقاذ الطلاب من براثن العربية الركيكة
عام كامل مرَّ على «فضيحة» اللغة العربية في الامتحانات الرسمية للشهادة المتوسطة في لبنان، حين رسب ٤١ ألف طالب وطالبة من أصل ٦١ ألفاً في هذه المادة، فكان تقاذف المسؤوليات بين اللجان الفاحصة ولجان التصحيح والكادر التعليمي.
عامٌ كامل لم تسجّل خلاله أي مبادرة رسمية فعلية يمكن أن تُعتبر حجر الأساس لتغيير واقع الرسوب الكبير في مادة اللغة العربية، باستثناء احتفالات نُظّمت في يوم اللغة العربية والتعميم الذي أصدره وزير التربية والتعليم العالي إلياس أبو صعب بضرورة الاحتفال بعيد الأبجدية يوم ١١ آذار (مارس).
وعلى رغم أنّ هذه الاحتفالات يمكن أن تلفت الانتباه إلى وجود المشكلة، لكنّها لا تحلّها أبداً، فموضوع اللغة العربية بات أزمة حقيقية تجتمع فيها عوامل كثيرة لكنّ نتيجتها واحدة، وقد انعكست في امتحانات العام الماضي، وهذا ما يمكن ترقّبه هذه السنة أيضاً.
واقع التواصل بالعربية
لأنّ إيجاد الحلّ لا يمكن أن ينطلق إلا من التحديد الموضوعي للمشكلة أولاً، كان من الضروري إجراء إحصاء وطني لتحديد الأسباب والعوامل المؤثرة على تعلّم اللغة العربية، لكن أي مبادرة رسمية لم تُسجَّل في هذا الشأن. في المقابل، أعدّت إدارة موقع «تواصل أونلاين» الإلكتروني المتخصّص بتعليم اللغة العربية على شبكة الإنترنت، استمارة للمتعلّمين في المرحلة الأساسية (الحلقة الثالثة) والثانوية، تضمّنت 14 سؤالاً عن واقع تواصل المتعلّمين باللغة العربية. وقد وزّعت ألفي استمارة على ست مدارس، لتأتي النتائج وتبرز حجم الكارثة الحقيقية، فحين سؤال الطلاب عن آخر كتاب قرأوه من خارج المنهج، لم يذكر غالبيتهم أي كتاب ضمن إطار القراءة الحرّة. وكذلك الأمر بالنسبة للمكتبة، فحين يزورها الطلاب لا يكون ذلك لانتقاء كتاب باللغة العربية. أمّا على الإنترنت، أفاد ألفا متعلّم باستخدامهم اللغة الأجنبية أو لغة الإنترنت (اللغة العامية بالحرف الأجنبي) لا اللغة العربية الفصحى. وإذا انتقلنا إلى المناهج والتعلّم في المدرسة، تبيّن أنّ غالبية الطلاب يشكون من كون دروس القواعد صعبة وغير محبّبة، وأقرّوا بأنّهم يعتمدون في ضبط أواخر الكلمات على السمع وليس أي قاعدة علمية. والكارثة الأكبر هي في الجانب الفنّي والثقافي أيضاً، حيث أظهر الإحصاء جهل المتعلّمين بالأدباء المعاصرين كما بالأدباء من العصور القديمة، وأكدوا تفضيلهم الأغنيات الأجنبية أكثر بكثير من العربية.
ثغرات المناهج التربوية
تثبّت نتائج هذه الاستمارات الواقع السوداوي للغة العربية، والذي ظهر في نتائج الامتحانات الرسمية. ويشرح أستاذ اللغة العربية باتريك رزق الله، وهو أحد مؤسسي موقع «تواصل أونلاين»، السبب الذي دفع إدارة الموقع إلى تنظيم مثل هذا الاستبيان، إذ أتى كمبادرة لرفض الاستسلام إلى الدرك الذي وصلت إليه اللغة العربية. وهو يرى أنّ هناك عوامل تربوية واجتماعية أوصلت إلى النتيجة التي عبّرت عنها الاستمارات. فبالنسبة للقراءة مثلاً، هناك أدب مخصّص للأطفال وأدب للكبار، لكن ليس هناك كتب تستهدف فئة المراهقين بين عمر ١٠ و١٥ سنة. وهذا ما يشدّد عليه أستاذ اللغة العربية المشارك في تطوير موقع «تواصل أونلاين» سمير إيليا، الذي يمتهن تعليم اللغة منذ ٤٥ عاماً، فالمشكلة تكمن في عدم توافر كتب مطالعة عصرية ذات نوعية جيّدة ومجارية للتطوّر. والسبب الرئيس يعود إلى عدم تطوير اللغة العربية التي لا تزال تعاني من الأزمات ذاتها منذ سنوات ولم يتمّ إجراء أي مجمع لتحسينها وتطويرها.
ومن ناحية تعلّم اللغة في المدرسة، يركّز إيليا بشدّة على عدم كفاية المناهج التربوية التي وضعت قيد التطبيق منذ العام ١٩٩٧، خصوصاً لدى الصفوف الثانوية. وذلك بسبب فقدان الترابط بين المحاور، والتقليل من أهمية دروس القواعد وسقوط مبدأ التفاعل بين الأستاذ والتلميذ في ظلّ حاجة المعلّم لإنهاء المواد الدراسية خلال فترة قصيرة. لذا يرى رزق الله، من جهته، أنّ هناك حاجة ماسة لإعادة النظر بالمناهج التربوية، لأنّ المبادرات الفردية الإنقاذية لا تكفي وحدها لإجراء تغيير جذري.
ويقارن إيليا بين حال اللغة العربية في عقدي الستينات والسبعينات من القرن الماضي والحال اليوم، حيث كان الطلاب يتعلّمون اللغة بشغف ويحفظون أبيات الشعر ويثقفون أنفسهم بالعربية، فيما أصبحت هذه المادة اليوم حملاً ثقيلاً على المتعلّمين.
بين المدرسة والبيئة الاجتماعية
تتعدّى أزمة اللغة العربية جدران المدرسة لتطاول كلّ منزل، حيث تتعامل أكثرية الأهالي بدونية مع هذه اللغة، مفضّلين اللغات الأجنبية التي تُستخدم في الجامعات والعمل. ويلفت إيليا إلى أنّ اللغة القوية تجذب الناس إليها، كما يحصل مع الإنكليزية التي «تستعمر» العالم، في حين تتخبّط العربية بمشاكلها ولا من يتطلّع إلى سبل إنقاذها. ومما أشارت إليه الدراسة، ويشدّد عليه رزق الله، أنّ مواقع التواصل الاجتماعي لها تأثيرات سلبية كثيرة على اللغة العربية، لأنّ مستخدميها يلجأون إلى لغة الإنترنت، أي اللغة العامية بالحرف الأجنبي. وبما أنّ المدارس اللبنانية لا تعلّم الطباعة على لوح المفاتيح ذي الأحرف العربية، فهذا سيؤثر حتماً على طريقة استخدام المواقع الإلكترونية. وبما أنّ العناصر كلها مترابطة، فإنّ ضعف المهارات اللغوية عند الطلاب سينعكس حتماً تراجعاً في ثقافتهم العربية وقدرتهم للتعرّف والتفاعل مع التراث الفنّي العربي.
حلول جزئية
يحاول القائمون على موقع «تواصل أونلاين» إيجاد حلول لأزمة اللغة العربية، ومنها مثلاً التعاون مع المركز التربوي للبحوث والإنماء بهدف نشر الموقع الإلكتروني المخصّص لتدريس اللغة العربية بطرق متطوّرة ومجارية للعصر عبر المدارس، وكذلك أعلن رزق الله إنشاء تجمّع معلّمي اللغة العربية في لبنان، الذي سيجمع عدداً كبيراً من أساتذة اللغة ليتواصلوا أكثر ويتشاركوا في تجاربهم بدل الاستسلام للواقع المرير.
لكنّ الحلّ الجذري يبقى في يد الدولة، وتحديداً وزارة التربية، التي وحدها تستطيع أن تنظّم ورشة عمل وطنية هدفها إنقاذ الطلاب من براثن اللغة العربية الركيكة، وتعيد اليهم #حبّ لغتهم الأمّ التي إن فقدوها خسروا معها جزءاً مهمّاً من هويتهم.
مجتمع
المختصر نيوز
|
|
|
|
|
|