للاطلاع على محتويات الإعلان أنقر هنا  
صحيفة دولية تهتم باللغة العربية في جميع القارّات
تصدر برعاية المجلس الدولي للغة العربية

  المؤتمر الدولي الحادي عشر للغة العربية           موقع الجمعية الدولية لأقسام العربية           الموقع الجديد الخاص بالمؤتمر الدولي للغة العربية           الباحث العربي: قاموس عربي عربي           راسلنا         
الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة

دور المسجد في الإصلاح الاجتماعي

د. رزاق محمود الحكيم

    اقترنت مهمة المسجد منذ تأسيسه في الإسلام بالعبادة والتقوى ، والدعوة إلى العلم النافع ، والعمل الصالح ، وحينئــذ اضطلع المسجد بدور إصلاحي  وتربوي وتوجيهي وتثقيفي ، فعــن طريق إقامــــة الصلوات الخمس يجتمع المسلمون في مكان واحد ليتلقوا شحنـات روحية ، ونفحات إيمانية ، فتتوثق بينهم روابط المحبة والأخوة والرحمة .
   كان النبي ( ص ) هو المعلـــم الأول للمسلمين بعد الله سبحــانه وتعالى ، يتولى بنفســــه إصلاح شؤونهم ويؤلف بين قلوبهم على المحبـــــة والأخوة والتسامح والرحمة فيقول : ( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجســــد ، إذا اشتكى منـــه عضو تداعى لــــه ســـائر الجسد بالسهـــر والحمى ) . قال الجاحظ في البيــان والتبيين : " خطب النبي صلى الله عليه وسلم بعشر كلمــات ، حمد الله وأثنى عليـه ثم قال : ايها الناس إن لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم ، وإن لكــم نهاية فانتهوا إلى نهايتـــكم ، إن المؤمن بين مخافتين : بين عاجـل قد مضى لايدري مالله صانع به ، وبين آجل قـــد بقي لايدري مالله قاضٍ فيه " . في هذه الكلمات القليلة البليغة يوجز النبي (ص) فلسفة الحياة من خلال التنبيه إلى هذه الثنائية التي يتقلب فيها البشر : الحياة والموت ، الماضي والحاضر ، الدنيا والآخرة ، وتبقى حيــاة الإنسان بينهما رهينة باجتهاده  وعملـــه ، ونظرته الصحيحة إلى الأمور. إن هذه التكاملية بين الحياة والموت والدنيـــا والآخرة رسّخت قناعـــة الإنسان بجدوى الحياة وقيمتها ، بعد أن كانت في عيون الناس قبل الإسلام حياة عبثية تافهة .
   من هنا جاءت المهمة الثانيـة للمسجد الذي تحول إلى مدرســــة ، ومعهد علمي  ، تقام فيه حلقات الدرس والمناظرات ، وتُلقى فيه الخطب والمقالات بل تُطرح فيه المسائل الفلسفية والأدبية والفكرية واللغوية. قال الأستاذ أحمد أمين في كتابه ضحى الإسلام : " وقد كان المسجد أكبر معهد للدراسة ، فلم تكن المساجد للعبادة وحدهـــا ، ولكن كانت تؤدى فيه أعمـــال مختلفة ، فهو مكان للعبادة ، تُقام فيــه الصلاة ، وتُخطب الخطب ، وكان محكمة للتقاضي والذي يهمنا الآن أنه كان معهدا للدراسة ، بل أكبر معهد فكان مسجد عمرو في مصر ، ومسجد البصــرة ، ومسجد الكوفة ، والحـــرم المكي والمدني ، وغيرها من المساجد تقوم مقام المدارس والجامعات في هذا العصر " .
 وهكـذا أدى المسجد في عصور الإسلام الزاهرة دوراً أساسياً في الإصلاح والتربية ، والتوجيــه والتعليـــم والتبليغ ، فليس هناك مكــان يتسع لأصناف مختلفة من الناس مثل المسجد ، يجتمع فيه العــالم والجاهل  والغني والفقير والصغير والكبير ، والموظف والتاجر، والزاهد والعابد ، كل هذه الأصناف تجتمع في مكان واحد ، واي مكان هو بيت الله ، فيه تخشع القلوب ، وفيـــه تستكين النفوس والعقول والضمائر .
   ولايخفى على ذي بصر دور المسجد في حركة الإحيــاء العلمي والأدبي والثقافي في العالم العربي ، بداية عصر النهضـة ، والعصر الحديث ، فمنه انطلق دعــــاة الإصلاح لتحرير العقول من الجهل والأمية ، ودعاة التحرير من الاستعمــار والاستعباد والتبعية ، كجمــال الدين الأفغاني ومحمد عبده ،  والكواكبي ، وعبد الحميد بن باديس ، وغيرهــم حيث اتخذو المسجد منبراً
للإصلاح ، بدؤوا بأنفسهم فأصلحوها ، ثم توجهوا إلى الأمــة ناصحين ، إذ لايمكن إصلاح الرعية ، إلا إذا صلح علمـــاؤها . قال الشيخ عبد الحميد بن باديس  رحمه الله في إحدى خطبه ووصاياه : " لن يصلح المسلمــــون حتى يصلح علماؤهم فإن العلماء من الأمة بمثابة القلب إذا صَلُح ، صَلُح الجســد كلــــه  " . ولازال المسجـــد يؤدي دوره التوجيهي والإصــلاحي والتثقيفي والتربوي والإعلامي ، ولازال أئمــــــة المساجد يعلمون النـــــاس التسامح والرحمة ، والتعاون ، والصدق والأمانة ، اقتداء بالنبي ( ص ) والصحــابة والسلف الصالح من العلماء ورجال الفكر والثقافة . وبناء على هذه المهمــة الإنسانية والتربويـــة والإصلاحيـة ، يتوجه الإمــــام إلى الحاضر ، فيتناول قضايا المجتمع ، ويبرز الجوانب الإيجابية يثني عليها ، ثم ينبه إلى الأخطاء والتجاوزات في السلوك والعلاقـــات الاجتماعية ، ويبـرز أخطــــارها على المواطن كفرد ، وعلى الناس كجماعة ، ومجتمع ودولة ، ويحاول من حيـن إلى آخر أن يستعين بأمثلة وشواهد من التاريخ ، يستخلص منهــــا الموعظة والعبرة ، ثم يعود إلى الحاضر ، وإلى ماهو موجود في واقع الحـــال ، فمن المفيد الموازنة بين الماضي والحاضر ، وبين الدنيا والآخرة .
   إن كلمة طيبـة يقولها إمـــام صادق قادرة على هدايـــة الضالين ، وإرشاد الغاوين ، الذين شغلتهم الدنيا عن الآخرة ، وأغرتهم مقتنيات الحياة الماديــة وأقبلوا يتهافتون عليها بحق ، أو بغير حق .


التعليقات
الأخوة والأخوات

نرحب بالتعليقات التي تناقش وتحلل وتضيف إلى المعلومات المطروحة عن الموضوعات التي يتم عرضها في الصحيفة، ولكن الصحيفة تحمل المشاركين كامل المسؤولية عن ما يقدمونه من أفكار وما يعرضون من معلومات أو نقد بناء عن أي موضوع. وكل ما ينشر لا يعبر عن الصحيفة ولا عن المؤسسات التي تتبع لها بأي شكل من الأشكال. ولا تقبل الألفاظ والكلمات التي تتعرض للأشخاص أو تمس بالقيم والأخلاق والآداب العامة.

الاسم
البلد
البريد الالكتروني
الرمز
اعادة كتابة الرمز
التعليق
 
   
جميع الحقوق محفوظة © 2024
المجلس الدولي للغة العربية