|
|

الوجه الآخر لأبي الطيب المتنبي
د. رزاق محمود الحكيم
ماقيل وكتب عن هذا الشـاعر الفنــــان أبي الطيب أحمد بن الحسين ، الملقب بالمتنبي الكثير ، إعجاباً بشاعريته ، وعبقريته التي فاقت الأولين والمتأخرين ، على حـــد تعبير النقـــاد ، ومؤرخي الأدب العربي ، ولعل المتنبي نفسه لم يكن بمنأى عن هذا الإعجاب ، وحين سئل عن سبب ذلك قال :
إن أكن معجباً فعجب عجيب لم يجد فوق نفسه من مزيد
في سيرة الشـــاعر وجوانب شخصيته متسع للدرس والتأمــل والبحث ، وإلا فلمــاذا انقسم الكتاب والدارســـون لأدبـه إلى قسمين : الأول معجب به ومدافع عنـــــه ومتحمس لــه ، سيرة وشعـــــراً ، والثاني معجب بشاعريته وكفاءاته وفنه ، دون أن تروق له سيرته ، وأخلاقه وصفــاته ، وبالرغم من كون هذا الاختلاف في المواقف بشأنه قد وجد في زمانــه ، وامتد بعد وفاته فإن كلا الفريقين يتفقـــان في عدة نقاط منهــــا : وصفه بالغـــــرور والتكبر والشعور بالعظمــة ، وادعاء النبوة ، وغير ذلك ، وهم في كل ذلك متأثرون وناقلون عن غيرهم من الكتاب الذين سبقوهم ، ولست أتهمهم أبداً بالمبالغــة والعجز ، ولكني أريد أن أنحو منحى آخر في دراستي عن الشاعر، مستعيناً في ذلك بشعـــره تارة وبمواقفه من أحداث عصـــره ، وبتجاربه التي ألهمته الحكمة الخالدة .
إن تاريخ العالم حافل بالعظمـاء والعباقرة الذين ظهروا في أزمنة وأمكنة مختلفة ومن أجناس شتى . إنهم ولاريب خدموا البشرية بأفـكارهم وعلومهم فاستحقوا بذلك المجـــد والخلود ، والمتنبي أحـــد أولئك العباقـــرة ، غير أن عبقريته لم تجد لها أرضاً خصبة ، ومنبتاً طيباً تترعرع فيه ، ومناخاً ملائماً كي تزهر وتثمر . قال :
أنا في أمة تداركها الله غريــــــــب كصالح في ثمــــــود
وكان الرجل يصرخ ، ويستنجد ويتوسل أحيانــاً دون جدوى ، ومع ذلك فقد كان لايعرف اليأس ، ولم يثنه الفشل ، وظل يقاوم مرفوع الرأس شامخاً موفور الكرامة ، عزيزاً حتى ذوى كشمعة محترقة ، وهوى كنجمـة مؤتلقة يحمل في صدره طموحه الأخضر، وفي عينيه زرقة السماء، وفوق قسمات وجهه تزاحمت السنون العجاف ، وفوق شفتيه رعشة الموت :
وإذا كانت النفوس كبـــاراً تعبت في مرادها الأجسام
وهكذا يُسدل الستار على حيــاة المتنبي ، وهي رواية لم تكتمل فصولها بعد ، وعلى أيدي من؟ قطاع الطــرق وشذاذ الآفاق ن ومحترفي القتل . إن الموت لم يكن هاجساً محيراً يخيف الشاعر فقــد تعرض له فيما سبق وكان أعداؤه وحساده يتمنون هلاكه ، وكم أشاعوا حوله الإشاعات للتأثير والنيل منه دون جدوى ، وفي كل مرة يتحداهم ، ويسفّه أمانيهم :
ماكل مايتمنى المرء يدركه تجري الرياح بما لاتشتهي السفن
كان المتنبي متمرداً على البدع الموروثة ، والتقاليد الباليـــة التي تعارف عليها المجتمع ، والتي لايستسيغهـــا ، مشيراً باصـــابع الاتهام إلى الكثيرين ممن ضمهم مجلس الأمير ، أولئك المرتزقـة الذين انتفخت بطونهم من فتات الموائد ، وعلت وجوههم ابتسامات صفراء تنم عن خبث ومكــر ورياء ، ثم يعلنها صرخة مدوية تصم الآذان :
إذا أنت أكرمت الكريم ملكتـــه وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا
وماذا بعد أليست هذه الصراحـة والموضوعية في حسم الأمور كافية لأن تقرب المتنبي من أمير حلب سيــف الدولة الحمداني ؟ وتسمـــو به عن بقية الناس ؟ ولكن أمثال سيف الدولة من الحكــــام والأمراء لايستسيغون كلمات الوعظ ، بل يعدونها جناية ، من هنـــــا تأتي ظاهرة التمرد في شعر المتنبي أو قل إن شئت " ظاهرة الرفض " وهي ظـــــاهرة جديرة بالبحث والتأمل ، تجسدت لافي شعره فحسب ، بل في حيــــــاته عموماً ، كان ثائراً على القيم البالية ، والرداءة والنفاق سواء في ميدان السياسة ، أو المجتمع ، أو الآداب لايعرف الزيف أو البهتان ، يشد الرحال ويجوب البلدان بحثاً عن المجد لابحثاً عن الأموال ، المجد الذي داسته أقدام الملوك ، ولوثته ألسنة المنافقين ، تجار الكلمة ، وسماسرة الشعر :
وما انتفاع أخي الدنيا بناظره إذا استوت عنده الأنوار والظلم ويطل المتنبي ، هذا الشاعر الكوفي الفنان من نافذة التاريخ بكل شموخ وإباء ، ليبقى رمزاً للإرادة والشجـــــــاعة والرفض ، وتتهاوى تحت أقدامه أصنام الكلم وأوثان الشعر، لأنها تماثيل جُبلت من شمع لاتصمد في مواجهة نور الشمس .
|
|
|
|
|