للاطلاع على محتويات الإعلان أنقر هنا  
صحيفة دولية تهتم باللغة العربية في جميع القارّات
تصدر برعاية المجلس الدولي للغة العربية

  المؤتمر الدولي الحادي عشر للغة العربية           موقع الجمعية الدولية لأقسام العربية           الموقع الجديد الخاص بالمؤتمر الدولي للغة العربية           الباحث العربي: قاموس عربي عربي           راسلنا         
الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة

الوجه الآخر لأبي الطيب المتنبي

د. رزاق محمود الحكيم

    ماقيل وكتب عن هذا الشـاعر الفنــــان أبي الطيب أحمد بن الحسين ، الملقب بالمتنبي الكثير ، إعجاباً بشاعريته ، وعبقريته التي فاقت الأولين والمتأخرين ، على حـــد تعبير النقـــاد ، ومؤرخي الأدب العربي ، ولعل المتنبي نفسه لم يكن بمنأى عن هذا الإعجاب ، وحين سئل عن سبب ذلك قال :
        إن أكن معجباً فعجب عجيب       لم يجد فوق نفسه من مزيد
    في سيرة الشـــاعر وجوانب شخصيته متسع للدرس والتأمــل والبحث ، وإلا فلمــاذا انقسم الكتاب والدارســـون لأدبـه إلى قسمين : الأول معجب به ومدافع عنـــــه ومتحمس لــه ، سيرة وشعـــــراً ، والثاني معجب بشاعريته وكفاءاته وفنه ، دون أن تروق له سيرته ، وأخلاقه وصفــاته ، وبالرغم من كون هذا الاختلاف في المواقف بشأنه قد وجد في زمانــه ، وامتد بعد وفاته فإن كلا الفريقين يتفقـــان في عدة نقاط منهــــا : وصفه بالغـــــرور والتكبر والشعور بالعظمــة ، وادعاء النبوة ، وغير ذلك ، وهم في كل ذلك متأثرون وناقلون عن غيرهم من الكتاب الذين سبقوهم ، ولست أتهمهم أبداً بالمبالغــة والعجز ، ولكني أريد أن أنحو منحى آخر في دراستي عن الشاعر، مستعيناً في ذلك بشعـــره تارة وبمواقفه من أحداث عصـــره ، وبتجاربه التي ألهمته الحكمة الخالدة .
   إن تاريخ العالم حافل بالعظمـاء والعباقرة الذين ظهروا في أزمنة وأمكنة مختلفة ومن أجناس شتى . إنهم ولاريب خدموا البشرية بأفـكارهم وعلومهم فاستحقوا بذلك المجـــد والخلود ، والمتنبي أحـــد أولئك العباقـــرة ، غير أن عبقريته لم تجد لها أرضاً خصبة ، ومنبتاً طيباً تترعرع فيه ، ومناخاً ملائماً كي تزهر وتثمر . قال :
      أنا في أمة تداركها الله غريــــــــب كصالح في ثمــــــود
    وكان الرجل يصرخ ، ويستنجد ويتوسل أحيانــاً دون جدوى ، ومع ذلك فقد كان لايعرف اليأس ، ولم يثنه الفشل ، وظل يقاوم مرفوع الرأس شامخاً موفور الكرامة ، عزيزاً حتى ذوى كشمعة محترقة ، وهوى كنجمـة مؤتلقة يحمل في صدره طموحه الأخضر، وفي عينيه زرقة السماء، وفوق قسمات وجهه تزاحمت السنون العجاف ، وفوق شفتيه رعشة الموت :
          وإذا كانت النفوس كبـــاراً        تعبت في مرادها الأجسام
    وهكذا يُسدل الستار على حيــاة المتنبي ، وهي رواية لم تكتمل فصولها بعد ، وعلى أيدي من؟ قطاع الطــرق وشذاذ الآفاق ن ومحترفي القتل . إن الموت لم يكن هاجساً محيراً يخيف الشاعر فقــد تعرض له فيما سبق وكان أعداؤه وحساده يتمنون هلاكه ، وكم أشاعوا حوله الإشاعات للتأثير والنيل منه دون جدوى ، وفي كل مرة يتحداهم ، ويسفّه أمانيهم :
         ماكل مايتمنى المرء يدركه        تجري الرياح بما لاتشتهي السفن
    كان المتنبي متمرداً على البدع الموروثة ، والتقاليد الباليـــة التي تعارف عليها المجتمع ، والتي لايستسيغهـــا ، مشيراً باصـــابع الاتهام إلى الكثيرين ممن ضمهم مجلس الأمير ، أولئك المرتزقـة الذين انتفخت بطونهم من فتات الموائد ، وعلت وجوههم ابتسامات صفراء تنم عن خبث ومكــر ورياء ، ثم يعلنها صرخة مدوية تصم الآذان :
      إذا أنت أكرمت الكريم ملكتـــه       وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا      
   وماذا بعد أليست هذه الصراحـة والموضوعية في حسم الأمور كافية لأن تقرب المتنبي من أمير حلب سيــف الدولة الحمداني ؟ وتسمـــو به عن بقية الناس ؟ ولكن أمثال سيف الدولة من الحكــــام والأمراء لايستسيغون كلمات الوعظ ، بل يعدونها جناية ، من هنـــــا تأتي ظاهرة التمرد في شعر المتنبي أو قل إن شئت " ظاهرة الرفض " وهي ظـــــاهرة جديرة بالبحث والتأمل ، تجسدت لافي شعره فحسب ، بل في حيــــــاته عموماً ، كان ثائراً على القيم البالية ، والرداءة والنفاق سواء في ميدان السياسة ، أو المجتمع ، أو الآداب لايعرف الزيف أو البهتان ، يشد الرحال ويجوب البلدان بحثاً عن المجد لابحثاً عن الأموال ، المجد الذي داسته أقدام الملوك ، ولوثته ألسنة المنافقين ، تجار الكلمة ، وسماسرة الشعر :
        وما انتفاع أخي الدنيا بناظره        إذا استوت عنده الأنوار والظلم       ويطل المتنبي ، هذا الشاعر الكوفي الفنان من نافذة التاريخ بكل شموخ وإباء ، ليبقى رمزاً للإرادة والشجـــــــاعة والرفض ، وتتهاوى تحت أقدامه أصنام الكلم وأوثان الشعر، لأنها تماثيل جُبلت من شمع لاتصمد في مواجهة نور الشمس .


التعليقات
الأخوة والأخوات

نرحب بالتعليقات التي تناقش وتحلل وتضيف إلى المعلومات المطروحة عن الموضوعات التي يتم عرضها في الصحيفة، ولكن الصحيفة تحمل المشاركين كامل المسؤولية عن ما يقدمونه من أفكار وما يعرضون من معلومات أو نقد بناء عن أي موضوع. وكل ما ينشر لا يعبر عن الصحيفة ولا عن المؤسسات التي تتبع لها بأي شكل من الأشكال. ولا تقبل الألفاظ والكلمات التي تتعرض للأشخاص أو تمس بالقيم والأخلاق والآداب العامة.

الاسم
البلد
البريد الالكتروني
الرمز
اعادة كتابة الرمز
التعليق
 
   
جميع الحقوق محفوظة © 2024
المجلس الدولي للغة العربية