للاطلاع على محتويات الإعلان أنقر هنا  
صحيفة دولية تهتم باللغة العربية في جميع القارّات
تصدر برعاية المجلس الدولي للغة العربية

  المؤتمر الدولي الحادي عشر للغة العربية           موقع الجمعية الدولية لأقسام العربية           الموقع الجديد الخاص بالمؤتمر الدولي للغة العربية           الباحث العربي: قاموس عربي عربي           راسلنا         
الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة

وسائل التواصل الاجتماعي هل أُخرِج قلم التصحيح؟

رلى راشد


لم يكن عارضا أن تصير "أبله فاهيتا" محطة استقطاب منتدى "اللغة العربية وشبكات التواصل الاجتماعي" على المستوى الإعلامي، وأن تظلّل كل المحاور الأخرى. ولم يكن بديهيّا أن تأخذ دمية ناطقة وهجَ لقاء تمحور على اللغة وما صنعته بها وسائل التواصل الإجتماعي. حلّت الدمية - الرمز بيننا، لتخطف النقاش، من أدبيّات اعتمدتها، إليها حصرا. أَخذَت الشخصيّة المخترعة لحظات التمهّل عند دلالات لغة اعتمدتها، إلى كينونتها الخاصة التي باتت "ظاهرة" بذاتها نسجت حولها حالة لم تعد تتّسع، على ما يبدو، لكثير من التحليل. على رغم هذا النتوء المرتبط بجاذبية الخارج على المألوف، كان ثمة جانب صحيّ للغاية في تخصيص محطّات متشعبة ومتأنية، خلال أيام المنتدى المعدودة لدى "أشكال ألوان" في جسر الواطي، للتقرّب من التبدّلات الوافدة على العربية في الحقبة الإفتراضية.

في غضون سنوات يسيرة استطاعت وسائل التواصل الإجتماعي، على اختلافها، أن تطوّع مستخدميها، تماما مثلما طوّعت، إلى حدّ معين، أهواءهم ولغتهم. ربما يصلح الإقرار بهذا الواقع مدخلا ملائما لفهم إلحاح البحث في مسألة راهنة من زاويا مختلفة، لنرصد توعكا أًصاب اللغة العربية حين جرى نقلها إلى الشبكة الإلكترونية ومنصات التواصل الإجتماعية تحديدا. والحال ان السؤال المتعلق بالواقع الإفتراضي جزء من سؤال أكبر عن حقبة كاملة سياسيا واجتماعيا وتعبيريّا، تخصنا فرادى وجماعات، ستخلّف بلا أدنى شكّ بصمات عميقة. وربما كانت لتمثّل مداخلة الباحث والخبير في شؤون الحركات الإسلامية حسن أبو هنية، "اللغة والعنف في الخطاب الإلكتروني لتنظيم الدولة الإسلامية"، المثال الأكثر إفصاحا في هذا السياق. لا شك ان غيابه عن المنتدى ترك فراغا في نقاش ضروري لفهم خطر داهم يأتي به الإستخدام المنحرف لوسائل التواصل. كانت ورقته، على ما ورد في الصفحات التعريفية بالمنتدى، لتركّز على استثمار ثورة الإتصال في رسالة الدعوية الدينية لاسيما في الجيل الثالث المولود من رحم الحرب السورية منذ مطلع 2011.
أصدر الكاتب والباحث أحمد بيضون قبل فترة وجيزة كتابا سمّاه "دفتر الفسبكة"، تيمّنا بإحدى علامات العصر التخاطبي الإفتراضي بامتياز: "فايسبوك". ولأن بيضون فاز بالقدرة على تدجين أدوات عصرية ليست بالضرورة على تماس مع أبجديته، تمكّن في مداخلة خلال المنتدى، بعنوان "العربية مفسبكة: عاميّات يكتب بها وفصحى حوارية"، من الوقوف عند تقاطع طرق كثيرة ارتسمتها هذه الوسيلة. استعاد مقالة "جلاء الفصحى عن مناطق المشافهة" كتبها قبل أعوام وتناولت منابر كلام غلبت عليها الفصحى وإن تركَت أحيانا متسعا لواحدة من العاميات. كانت أهمّها منابر الخطابة الدينية والتدريس والمنتديات الثقافية ومنابر التصريح والخطابة السياسيين والمسارح ووسائط الإعلام. بينما تفاوتَت سيادة الفصحى تاريخيا على هذه المنابر، عاين بيضون اتحاد استخدام الفصحى بممارسة السلطة. فالداعية والمدرّس والسياسي المتمكنون من الفصحى، انفصلوا من خلالها عن العامة بينما استطاعت البلاغة ان تموّه خواء المضمون. يرى بيضون ان المزج بين توسيع الحقّ إلى العموم في مخاطبة العموم، وبين تعميم الحق في الإدلاء كتابة بالكلام الشفوي، توسع وترسّخ مع شبكات التواصل الاجتماعي وفي مقدمها "فايسبوك". انطوت الشبكة على منحى ثوري تمثّل في تعميم الحق بالكلام العمومي ليكسر احتكارا تاريخيا ويحقق كسبا لا سابق له للمبدأ الديموقراطي. فنصير تاليا "إزاء مساواة في المبدأ أو في الحقّ، لا في الواقع".
فنّد بيضون بعدذاك التحفّظات والإستثناءات من الحق المذكور ومفاعيله، ومنها ان الحياة والعالم الإفتراضيين، وفق صيغة "فايسبوك"، مشابهان للحياة والعالم الواقعين وإن لم يكونا مطابقين لهما. رصد اتساع "فايسبوك" للكلام الحميم والمجاملات والرأي المعلّل والهذر في مسائل عامة والشتيمة السوقية، تماما مثل اتساعه للشعر الرقيق. وعاين استيعابه للمراتب كلها أيضا، من حاكمين ومحكومين ومثقفين على مختلف التخصصات وسياسيين وجماعات وقضايا. ما يميز "فايسبوك" على مستوى اللغة، وغيره من الشبكات، يقول بيضون، أمران، اعتماد العاميّة لغة مكتوبة على نطاق يجعل اتساعه واقعة جسيمة في تطور العلاقة بين الفصحى والمحكيات، واعتماد الفصحى على نطاق أضيق بكثير. يكتب المستخدم مثلا "وش" أو "وج" أو "وجه" وفق درجة مقاومته لترك مرجعية الفصحى جانبا، ليزيد بيضون "تبقى الفصحى واسطة عقد في هذه الشبكة اللغوية الحية التي تمثّل العاميات أجنحة لها".
اختتم الصحافي والروائي هلال شومان مداخلته في المنتدى، واصفا علاقته باللغة، بالمعركة الصاخبة. جاء الكلام ليلخص مداخلة "في تلاقي وافتراق العربيّة الفصحى والمحكيّة اللبنانية" الشخصية، حيث استعاد صلته باللغة العربية. وفي حين بزغت صلته بالفصحى قرآنية أولا ثم خطابيّة ثانيا، رصد حال انفصام أصابت الولد الحامل لغة فصحى إلى منزله حيث سادت العامية. يمرّ شومان بتطور الوسائل الالكترونية بدءا من "تشات"، ويعاينه جلوسا على كنبة مع شخص غريب، وصولا إلى المنتديات، ويراها جلوسا في مقهى عام حيث يعرف بعض الموجودين فحسب. يستعيد أيضا أحد لقاءات الصحافي محمد حسنين هيكل على قناة "الجزيرة" حيث أبدى إعجابه بمدوّنة "بهيّة" المصرية المعنية بشؤون السياسة باللغة الإنكليزية والمنتسبة إسميّا إلى شخصيّة يوسف شاهين الأثيرة. كانت تلك اللحظة نافذة شومان على عالم المدوّنات، و"كان الأمر أشبه بتسلل بين وسيطين ولغتين، السينما والتدوين، وبين جيلين، يوسف شاهين والمدوّن المجهولـ وخطابين، الخطاب الفني العام اللاحق على الحدث والمحمي بمكانة فنية والخطاب التدويني المقارع للنظام بلا حماية".
الباحث والأكاديمي فريديريك لاغرانج تولى "تحليل دمية" على ما أشار. استطاعت "أبله فاهيتا" بطلة الأفلام القصيرة على "يوتيوب" والتغريدات المتهكمة على شبكات التواصل الاجتماعي، وفق لاغرانج، ان تتحول في غضون أربع سنوات، من نكتة ظريفة إلى ظاهرة إجتماعية رافقت بتعليقاتها الساخرة المراحل المختلفة التي مرّت بها مصر ما قبل الثورة، وما بعدها، أو الثورتين. توقّف عند خصائص لغتها الجامعة على نحو محكم ومحيّر بين عناصر معجمية خاصة بالعولمة والتكنولوجيا وتعابير ذات طابع أنثوية وبلديّة وأخرى انفردت بها على صعيد النطق والصرف والبُنى.
قد يقول البعض عندما أسمع تعبير "وسائل تواصل اجتماعي" أُخرج قلم التصحيح. شكّل منتدى "اللغة العربية وشبكات التواصل الاجتماعي" فرصة لإخضاع المقولة لشيء من نور الحقيقة البحثية.

النهار

التعليقات
الأخوة والأخوات

نرحب بالتعليقات التي تناقش وتحلل وتضيف إلى المعلومات المطروحة عن الموضوعات التي يتم عرضها في الصحيفة، ولكن الصحيفة تحمل المشاركين كامل المسؤولية عن ما يقدمونه من أفكار وما يعرضون من معلومات أو نقد بناء عن أي موضوع. وكل ما ينشر لا يعبر عن الصحيفة ولا عن المؤسسات التي تتبع لها بأي شكل من الأشكال. ولا تقبل الألفاظ والكلمات التي تتعرض للأشخاص أو تمس بالقيم والأخلاق والآداب العامة.

الاسم
البلد
البريد الالكتروني
الرمز
اعادة كتابة الرمز
التعليق
 
   
جميع الحقوق محفوظة © 2026
المجلس الدولي للغة العربية