للاطلاع على محتويات الإعلان أنقر هنا  
صحيفة دولية تهتم باللغة العربية في جميع القارّات
تصدر برعاية المجلس الدولي للغة العربية

  المؤتمر الدولي الحادي عشر للغة العربية           موقع الجمعية الدولية لأقسام العربية           الموقع الجديد الخاص بالمؤتمر الدولي للغة العربية           الباحث العربي: قاموس عربي عربي           راسلنا         
الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة

الثقافة العربية عبر العصور

أ.د.نعمة ناصر الشعراني

لقد خرج العرب من الجزيرة بلغتهم ودينهم, اما اللغة العربية فقد فرضت كيانها على كثير من بقاع العلم, حتى أصبحت لغة العلم والثقافة لملايين البشر. وأما الدين, فلم ينل منه تعارض بينه, وبين فلسفات الأمم القديمة. بل إن هذه الفلسفات سرعان ما دخلت فيه للدفاع عنه. كذلك جرت محاولات للتوفيق بين الدين والفلسفة, كان العرب مبتكريها.
فالمجتمع العربي هو أول مجتمع ينظم للأقليمات الدينية حقوقهم بقوانين استمدت من نصوص الدين. لقد أقامت الأقليات الدينية في المجتمع الأسلامي, متمتعة بحريات الدينية, ومارست حياتها بما يتفق مع تعاليمها. لم تقتصر هذه المعاملة على أهل الكتاب فحسب من يهود ونصارى, بل أتسعت لتشمل مجتمعات دينية أخرى متل الصابئة والزرادشتيين وغيرهما. وكان هذا ميزة للمجتمع, سمحت له بالتفاعل مع اتباع تلك الديانات, علمت العرب كيف يمكن التعايش مع الغير, مما اختلفت العقيدة الدينية. وكان هذا على خلاف أوروبا آنذاك التي كانت كلها مسيحية, ولا مجال للعيش بها, لمن لم يكن تابعاً للدين المسيحي وهذا يفسر لنا اهتمام العرب بدراسة كافة الأديان, التي كانت منتشرة في أرجاء من الوطن العربي والخلافة الإسلامية.
وهكذا نرى أن حضارتنا العربية لم تكن حضارة عنصرية بأي وجه من الوجوه. إذ استوعبت الخلافة الإسلامية شتى العناصر, وأصبحت الشعوب المختلفة ذات الأجناس المتباينة. تعيش في أرجائها المترامية الأطراف, وحيث ينتقل أفرادها خلالها بحرية واسعة, ولم يعرف بها أي لون من ألوان التمييز العنصرية. وهذه الظاهرة الحضارية العظيمة, عجزت شعوب العلم المتمدن حتى اليوم عن تحقيقها (لا تزال امريكا, وجنوب أفريقيا وغيرها, تعاني من التمييز العنصري حتى اليوم).
لقد أصبحت الثقافة العربية, هي العنصر الموحد لتلك الشعوب المنتشرة في هذه الأرجاء الواسعة الشاسعة من الأرض. ويمكننا ان ننظر إلى الفكر العربي في جميع تلك الأرجاء إبان القرون الوسطى, لنرى الإحاطة في كل إقليم بما يجري في غيره من الأقاليم, رغم صعوبة الإنتقال وتباعد المسافات.
حتى عندما بدأت عصور التفكك, وأنفصلت عن الخلافة الإسلامية أقاليم منها, أو قامت بها إمارات مستقلة, لم يحدث ذلك كله أنفصالاً فكرياً, فضعف الحكومة المركزية, لم يكن سبباً في انحدار مستوى الإنتاج الفكري في أرجاء العلم العربي, بل على العكس, فإن تعدد الحكام والأمراء, وتنافسهم العلمي, أوجد فرصة أفضل للعلماء ورجال الفكر, حيث كان هؤلاء الأمراء يتنافسون في دعوتهم إلى قصورهم, لتزدان بهم حواضرهم, وينهل الشعب كنوز المعرفة.
ولم يقف اهتمام العرب بثقافات غيرهم عند حد اقتباس العناصر التي لم تكن موجودة عندهم من تلك الثقافات, بل كانو أيضاً ذوي ابتكار, واتجاه عالمي في دراسات أصيلة بنعت من جذور مجتمعهم. فهم في كتابة التاريخ مثلاً, كانوا يهتمون بتاريخ العلم كله. كذلك اهتموا بمختلف الأديان فكانت كتب التاريخ تتناول تاريخ العالم منذ أقدم العصور, وكتب الأديان تتناول كافة الأديان والمذاهب. ونلاحظ في أكثر مما كتب. تتجلى موضوعية الكتاب, والحرص على الحقايق.  
وهكذا أصبحت الثقافة العربية, هي الثقافة الأم لمختلف ثقافات الشعوب الإسلامية. ذلك أن الفتوحات العربية نشرت لغة العرب في الأقاليم لأنها اللغة الرسمية للخلافة العربية؛ وتأصلت مع الوقت هذه اللغة، وأصبحت عميقة الجذور فيها، فقضت على غيرها من اللغات المحلية، ونتج عن ذلك ظهور الوطن العربي الكبير من الخليج العربي، وحتى المحيط الأطلسي.
أما البلاد الإسلامية، التي لغتها الأصلية غير العربية، نراها تعنى حتى اليوم بدراسة اللغة العربية، بل وتجعلها ضمن برامجها التأسيسية، لأنها لغة القرآن الكريم، ولما لها من صلة وثيقة بلغاتهم، ولما للثقافة العربية من صلة بثقافتهم. ويبدو من الأدلة على ذلك، إنتشار الخط العربي، الذي لا يزال حتى الآن من أوسع الخطوط العالمية إنتشاراً. والأهم من ذلك هو تلك الثروة الهائلة من الألفاظ العربية التي انتقلت إلى لغات الأمم الإسلامية، وجعلت من المحتم عليهم، المحافظة على صلتهم باللغة العربية، والثقافة العربية بوجه عام. فالدارس للغة الفارسية أو الأردية أو التركية مثلاً، يلاحظ ما نشير إليه بهذه الجمل الموجزة.
فنحن نرى في إنتاج الكثيرين من كبار أدباء تلك اللغات. تكاد تبلغ نسبة المفردات العربية حوالي نصف مجموع المفردات التي يستخدمونها. وهذا ولا شك يدل على أهمية اللغة العربية بالنسبة لأبناء تلك الشعوب، الذين ينظرون إلى تلك اللغة بوصفها لغة القرآن الكريم، ثم بوصفها اللغة الثقافية الأم التي اقتبست لغاتهم الشيء الكثير عنها. ولم يقف هذا الأثر العميق على تلك الشعوب عند إقتباس المفردات اللغوية العربية وحسب، بل إن الأفكار والقيم والتقاليد الفنية أيضاً قد انتقلت إلى آداب تلك الأمم من اللغة العربية وآدابها. كما نرى سيطرة بلاغة العرب على آداب الفرس، وكذلك على الأدب الأردي والتركي. أما الكتب التي تتناول فن الشعر الفارسي، فهي شبيهة أيضاً بالكتب العربية، وتكاد لا تخرج عنها. والقواعد التي وردت فيها طبقت على الشعر العربي والفارسي على السواء.
ويبدو أن الفتح العربي ليس السبب المباشر لفرض الثقافة العربية. فهذه الثقافة عبر العصور، نراها استطاعت نفسها حتى على الغالبين. فالسلاجقة الأتراك مثلاً، الذين قدموا من أواسط آسيا، والمغول ثم الأتراك العثمانيون كذلك، جميعهم أصبحت لهم مقدرات الخلافة الإسلامية، ومع ذلك نراهم جميعاً خضعوا للثقافة العربية.
وحينما سيطر الإستعمار الغربي على البلاد العربية، وبالرغم من جهوده الجبارة، وإرسالياته المنتشرة في أرجاء الوطن العربي، ورغم جميع محاولاته الدنيئة، وبشتّى الوسائل لإبعادنا عن اللغة العربية، فإنه لم يستطع أن يفصل بلداً عربياً واحداً عن ثقافته العربية، ولغته الأم، وبقيت الثقافة العربية رابطة قوية للعرب لا تنفصم عراها، بسطت على الشعوب العربية إبان عصر الإسلام، وإبان أحلك الظروف، تماسكاً روحياً عصمها من الضياع، فهي لغة القرآن الكريم، واللغة الأم؛ وهي حتى الآن تؤدي مهمتها في توثيق عرى الأخوة والتعاون العربي.  
وهكذا يمكننا القول أن الثقافة العربية، أصبحت في القرون الوسطى ثقافة عالمية، جمعت ثقافات العالم، وأخذت منها خير ما كان فيها، وأضافت إليها ما يتناسب مع الدين الإسلامي، وما ابتكره علماؤها الأفاضل؛ ثم أعطت بسخاء، لكل من أخذت منهم، ولم يقتصر هذا العطاء على الشعوب الإسلامية فحسب، بل تجاوزهم إلى شعوب غرب أوروبا؛ فاكتمل لها بذلك شمول العطاء، كما اكتمل لها من قبل شمول الإحاطة والإقتباس.
وهنا نستطيع أن نقول بتواضع، إن الثقافة العربية الإسلامية لها حق أن نفخر بما قدّمته للحضارة من تراث خالد، شيّدت عليه الحضارات التالية، نهضتها العلمية.

التعليقات
الأخوة والأخوات

نرحب بالتعليقات التي تناقش وتحلل وتضيف إلى المعلومات المطروحة عن الموضوعات التي يتم عرضها في الصحيفة، ولكن الصحيفة تحمل المشاركين كامل المسؤولية عن ما يقدمونه من أفكار وما يعرضون من معلومات أو نقد بناء عن أي موضوع. وكل ما ينشر لا يعبر عن الصحيفة ولا عن المؤسسات التي تتبع لها بأي شكل من الأشكال. ولا تقبل الألفاظ والكلمات التي تتعرض للأشخاص أو تمس بالقيم والأخلاق والآداب العامة.

الاسم
البلد
البريد الالكتروني
الرمز
اعادة كتابة الرمز
التعليق
 
   
جميع الحقوق محفوظة © 2024
المجلس الدولي للغة العربية