|
|
|
|
لغة الضاد... غريبة في مغاني أهلها
علي التركي
لغة إذا وقعت على أسماعنا
كانت لنا برداً على الأكباد
ستظل رابطة تؤّلف بيننا
فهي الرجاء لناطق بالضاد
هل فعلا مازالت اللغة العربية الرجاء والأمل لكل من نطقها؟ ألم «تمسخها» تقنيات التواصل الاجتماعي بلغة لا تمت إلى أي أصل بصلة؟ إلى أين يسير واقع الحال بلغة القرآن؟
لقد كانت مورد فخر العرب، وعين الماء لنزيل الصحراء، تغنى بها الأدباء والشعراء وخصها الله بالتكريم، فكانت النبع العذب لـ «العطاشى» والمرتع الخصب لـ «المسافر» وتحت جناحها انضوت الأمم والأنساب والأعراق من شتى البقاع والأصقاع.
ومنذ عهد «الكتاتيب» في الكويت، مروراً بمدارس الستينات والسبعينات، وانتهاء بالوضع الراهن للتعليم، تظل اللغة العربية مترنحة المستوى في المدارس بين الضعف والمقبول، وتبقى خطط التطوير لها «عقاقير موقتة» لا ترتقي إلى مكونات الداء. فبين «زيادة الحصص في الفصول، وتشكيل المناهج في المدارس» باتت لغة الضاد غريبة المنشأ في موطنها الأم، شاكية حملة التهجير والتغريب، فيما يغادر طلاب الثانوية مدارسهم اليوم بلغة مجهولة المصدر، أضفت عليها التكنولوجيا بعضاً من التشويه وأطلقت الأجيال بعزوفها عنها رصاصة الرحمة.
ولئن تسيدت لغة الضاد عرش الازدهار في الكويت ابان عهد الكتاتيب والمدارس القديمة التي كان تركيزها منصباً على المناهج الإسلامية بشكل أكبر، فلا غرو أن يكون الإعجاز الرباني منبع الإنشاء في تلك اللغة وخزينة اللغويات وبحر كلماتها الهادر بالموسيقى، وأنى لـ«طرائق التدريس التي تطبق اليوم مجاراة تلك النهضة من الفنون؟ فأيام ازدهارها ولت وانقضت، ولم تبق منها التقنيات عينا ولا أثرا».
ولكن على الصعيد التربوي يضع بعض المشخصين أصابع التشخيص على لجان التعاقد الخارجي وآلية اختيار المعلم، معلقين على شماعة «المسكين» كل الإخفاق والخلل، فيما يؤكد أهل الاختصاص أن الجرح بعيد والنزف أعمق والخلل مشترك، والقابعون تحت مجهر التحقيق كثر، والمستحقون للمساءلة أكثر، ولا مبرر لأحد منهم في إلقاء «هويتنا» بـ«الجب» فالوعود التي أطلقت وتبخرت بإنشاء مركز متخصص للغة العربية في الكويت تستحق اليوم «إعادة نظر».
«الراي» فتحت ملف اللغة العربية في المدارس، وناقشت إجراءات وزارة التربية في الحفاظ على لغة القرآن الكريم، في ظل الغزو الثقافي الذي تتعرض له أجيال اليوم عبر الأثيرالإلكتروني، وتحدثنا إلى المسؤولين المعنيين عن سبل الوصول بالمخرجات التعليمية إلى لغة الضاد الخالية من الاختلال والتشويه.
قضية أمة
بداية، أكد الوكيل المساعد للبحوث التربوية والمناهج الدكتور سعود الحربي لـ «الراي» أن تهميش اللغة العربية قضية معظم الدول العربية وليس الكويت فقط، والأسباب كثيرة ومختلفة، أهمها بعض وسائل الإعلام التي أشاعت لهجة عامية انحدرت في ألفاظها وعباراتها، وركنت إلى استخدام أساليب مبتذلة في النقاش والمحاورة، إضافة إلى وسائل التواصل الاجتماعي التي ساهمت إلى حد كبير بتهميش اللغة العربية، وأوجدت لغات معربة ومكسرة مجهولة المصدر.
وبين الحربي أن طرق التدريس في وزارة التربية كانت تتبع نظام الكل إلى الجزء، إلا أنها عادت مرة أخرى إلى النظام السابق من الجزء إلى الكل، وهذا النظام له فوائد كبيرة جنت الوزارة ثمارها في السابق، لافتاً في الوقت نفسه إلى أن النظرة إلى اللغة العربية اليوم باتت وكأنها «معرة» على من يتحدثها من باب التمدن والتحضر، رغم أن أكثر المثقفين العرب، وبالرغم من إجادتهم إلى أكثر من لغة، يرفضون الحديث إلا بالعربية.
وتطرق الحربي إلى زيادة حصص اللغة العربية مؤكداً أن «المشكلة ليست في عدد الحصص وإنما في طرق التدريس للمنهج قراءة وكتابة ومحادثة واستماع وإن كان عدد الحصص في المرحلة الإبتدائية يبلغ 10 حصص خلال فترة الثمانينات».
وعن إدخال الشعر الحر إلى المناهج،رغم الاتهامات التي تدور حوله، أوضح الحربي «أن الشعر الحر ظهر منذ نحو 60 عاماً وأكثر، على يد شعراء معروفين منهم نازك الملائكة والسياب ولا ضير من إدخاله إلى المناهج الدراسية إن كان يكتب بطريقة لغوية سليمة».
وأضاف «المهم هو الضبط اللغوي للشعر والثروة اللغوية التي تجنى من ورائه، وعموماً فإن الشعر ابن عصره ولا مشكلة في تنوعه، سواء أكان عمودياً أم حراً فالمهم السلامة اللغوية لكل بيت في القصيدة، مؤكداً في الوقت نفسه أن الأدب روح الأمة فإذا إنهار تنهار الأمة بأسرها.
مشكلة أزلية
من جانبها قالت الوكيلة المساعدة للتعليم العام في وزارة التربية فاطمة الكندري لـ«الراي» إن مشكلة تدريس اللغة العربية أزلية ومتفاوتة من وقت إلى آخر، حيث بلغت أوج ازدهارها في الكويت في عهد الكتاتيب والمدارس القديمة، التي كان تركيزها منصباً على المناهج الإسلامية بشكل أكبر، كتحفيظ القرآن الكريم وتدريس الحديث والفقه.
وأوضحت الكندري ان مصدر القوة في اللغة العربية هو القرآن الكريم الذي تنبع منه الأساليب والمفردات، ويمثل مخزوناً لغوياً هائلاً للكلمات التي تبهر العقول بغزارة معناها، وما تحمله من موسيقى يعجز الشعر والنثر وألوان الأدب كافة عن مجاراتها، مبينة أن طرائق التدريس التي تطبق اليوم تختلف عن العقود السابقة حيث تتنوع بين الدراسات العلمية والأدبية معاً.
وأوضحت الكندري أن لجان التعاقد الخارجي مع معلمي ومعلمات اللغة العربية تخضع جميع الراغبين في سلك التدريس بالكويت إلى مقابلات خاصة يتم بموجبها اختيار المعلم الكفء والمتميز وفق الشروط والمعايير المحددة من قبل التوجيه الفني للمادة لافتاً إلى أن التركيز على الارتقاء بتدريس اللغة العربية في المدارس محور اهتمام الوزارة خلال السنوات الأخيرة لا سيما في المرحلة الإبتدائية.
وأثنت الكندري على المعلمين السوريين في تدريس اللغة العربية، وقالت إن نسبة المجتازين منهم مقابلات التعيين كبيرة مقارنة بالعدد المتقدم إلى المقابلات مبينة أن الوزارة تسعى دائماً إلى اختيار الكوادر التعليمية المميزة والقادرة على التعامل مع المنهج الدراسي كمادة مشوقة يتلقفها عقل التلميذ بشوق وشغف.
المعرّب مصيبة !
وبينت مديرة منطقة الأحمدي التعليمية منى الصلال لـ «الراي» أن آلية تدريس اللغة العربية في المدارس أمر جدير بالاهتمام وإعادة النظر من قبل الوزارة خاصة بعد ظهور مخرجات تعليمية ضعيفة في هذا الجانب بل وبلغ الضعف حتى في الجامعة.
وقالت الصلال أن أسباب تراجع اللغة العربية كثيرة ومتشعبة ولكن أهمها وسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت أسهل وسيلة للحديث والترابط بين المجاميع وهي تعتمد لغة عامية فيما يعتمد آخرون لغة معربة وهذه مأساة كبرى انتشرت بشكل كبير بين أجيال اليوم».
وشاطرتها الرأي مديرة منطقة الفروانية التعليمية بدرية الخالدي التي أكدت لـ «الراي» أن مخرجات الثانوية العامة تعاني من ضعف كبير في اللغة العربية، وهذا ناتج من المرحلة الإبتدائية حيث يدخل طالب المرحلة الصفوف المتوسطة وهو يكاد لا يعرف أساسيات اللغة العربية وأبجديات الحروف.
وذكرت الخالدي أن الأسباب المتعلقة بالوزارة واضحة ومحددة وقد تم تداركها في المناهج الجديدة التي سوف تطبق في المرحلة الإبتدائية خلال العام الدراسي 2015 /2016 ولكن تبقى هناك أسباب أكبر وأخطر تتحملها الأسرة ويجب أن تكون هناك توعية أسرية للأبناء بضرورة استخدام اللغة العربية في الكتابة سواء في وسائل التواصل الاجتماعي أو غيرها من الوسائل الأخرى والأهم الإبتعاد عن اللغة المعربة الدخيلة.
انزواء عن اللغة
ومن داخل الميدان التربوي أوضح الموجه الفني للغة العربية في منطقة الفروانية التعليمية عبد الله الخطيب«أن ضعف اللغة العربية في المدارس لا يحمل على فئة معينة أو سبب واحد، وإنما الأسباب متنوعة، منها ما له علاقة بالطالب وأخرى بالمناهج وثالثة بالمعلم حتى بلغ الضعف أسوار الجامعة، ولكن السبب الأقوى انزواء الطالب عن دراسة اللغة العربية واعتبارها مادة صعبة معقدة بنحوها التراكمي وبلاغتها الشعرية الصعبة الأمر الذي يستوجب أن يقوم المعلم بدور التوعية والتشويق للمادة بإعتبار أن اللغة العربية تراثنا وهويتنا وكياننا وحضارتنا وحسبها أنها لغة القرآن الكريم».
وشدد الخطيب على ضرورة معالجة الخلل في سنوات تأسيس الطالب وتحديداً في المرحلة الإبتدائية«حيث يجب أن ترافق الزيادة في عدد الحصص للمادة على آلية إيجابية واضحة لإستثمار هذه الزيادة وجعل الطالب يقبل على دراسة اللغة العربية بشغف».
وتمنى الخطيب أن يكون حظ اللغة العربية أكبر من نصيب الحصص المقسمة للمواد الدراسية الأخرى، «فهي أساس التعليم ونقطة الإنطلاق للطالب في مراحل تعليمه مبيناً في الوقت نفسه أن إستخدام الوسائل التكنولوجية في تعليم اللغة بات أمراً ضرورياً لا يمكن الاستغناء عنه ولكن بطريقة محددة بعيدة عن التزاحم والتراكم».
لا مؤامرة خارجية !
نفى الوكيل المساعد للبحوث التربوية والمناهج الدكتور سعود الحربي أن يكون هناك مؤامرة من دول خارجية تدفع لتهميش اللغة العربية، وقال «لا أعتقد أن هناك دولا تعمل لهذا الأمر وإلا لما كانت اليونسكو تحتفل سنوياً باللغة العربية وخصصت يوماً محدداً في السنة للاحتفال».
ورأى أن الانفتاح على الدول الغربية أيضاً لم يساهم بتهميش اللغة وإنما طغت الحياة الاقتصادية على العالم بأسره وأدى السعي إلى الاقتصاد لأن تصبح اللغة العربية أمراً غير جدير بالاهتمام.
مركز متخصص لـ «العربية»
أعرب مصدر تربوي عن بالغ أسفه في وأد فكرة الموجهة العامة للغة العربية وكيلة الشؤون الإدارية السابقة في وزارة التربية عائشة الروضان بإنشاء مركز متخصص لتطوير اللغة العربية وتحسين أداء معلميها عبر الاستعانة بالأستاذ المتقاعد حمزة الخياط الذي أصبح الأهالي يقصدونه من كل مكان لتدريس أبنائهم مؤكداً أن إنشاء المركز حظي بموافقة مجلس الوزراء وتم تخصيص الموقع المناسب لإنشائه في إحدى المدارس الحكومية إلا أنه ولأسباب تتعلق بالتغير الوزاري تم إجهاض المشروع وإجهاض معه أحلام آلاف التربويين الطامحين إلى تحقيق نهضة شاملة في اللغة العربية بمدارس الكويت.
تهميش الشعر الجاهلي
أكدت مسؤولة تربوية لـ«الراي» أن الوزارة عمدت إلى التخفيف من الشعر الجاهلي في المناهج الدراسية وركزت على الشعر الأموي والعباسي والأندلسي والحديث وذلك بسبب إدعاء بعض الموجهين بـ«خشونة ألفاظ الشعر الجاهلي واستخدامه مفردات غريبة نبعت من صميم الصحراء الجافة» مؤكدة أن الشعر الجاهلي مصدر اللغة ومنبع مفرداتها ونستغرب أن ينهي الطالب مراحل دراسته دون أن تطوف بمخيلته «لامية العرب» أو معلقات أمرؤ القيس والحارث ولبيد فهي الشعر والفن والموسيقا ومجمع شمل الفضائل والأخلاق.
الراي
|
|
|
|
|
|