
حفريات في اللغة العربية الواصفة - 1
أ. د. عبد الجليل أبوبكرغزالة
مقدمة
تَمْلِكُ اللغة العربية (( وظيفة واصفة )) metalanguageتساعدها على الحديث عن نفسها . يعدُّ الخطاب اللساني العربي المعاصر أحسن مثال على وجاهة هذا الموضوع . نلجأ إلى هذه الوظيفة المتنوعة الاستعمالات ، والتعليقات لتحقيق مختلف عمليات الاتصال . إنها تجسد مسؤولية كبرى تخص اللغة العامة ، التي تضبط كل اللغات ، كما أنها تعيد بشكل دقيق تنظيم وسائل التعبير .
تَتوَفَّرُ اللغة العربية في هذا المنحى على خاصيتين :
- 1 وصف الأنساق السيميائية غير اللغوية ، والمنطقية ، والرياضية .
_ 2 وصف القوانين التطبيقية ، وأشكال التعبير الدالة : الحركات ، الإيماءات ، التعبير الأيقوني ، الفنون البلاستيكية ، الفنون الموسيقية ...
لاَ يَسْتَطِيعُ أيُّ نسق لغوي أن يصف نفسه ، أو يبني لغة واصفة خاصة به ، فعندما تُستعمل لغةٌ ( ل1 ) لوصف نسق دال مختلف عنها ؛ أي نسق غير لغوي ، أو لغة أخرى ، فإن الموضوع المدروس ، وأدوات الدراسة يتمايزان عن بعضهما ، لكن عندما تصف لغة معينة نفسها ، فإن التعرف على الموضوع ، وأدوات الدراسة يمثلان وضعا واحدا .
تضمُّ اللغة ( ل1 ) نسقا متميزا ، يعبر عن نفسه بصورة ملموسة ، كما يعبر أيضا عن لغات أخرى بصورة دائمة . يعد هذا النسق فرعيا ، إذ يحتوي على كلمات واصفة ، وكلمات ذات دلالة ذاتية .
ترتكزُ الكلمات العربية الواصفة على قانون واضح ، تؤثثه مجموعة من العناصر ، المشكلة للمصطلحات المتخصصة ، أما الكلمات العربية المرتبطة بتعابيرنا الشفهية ، فهي مجرد فرع من الكلمات الواصفة . يرى بعض الباحثين أن وصف النسق اللغوي العربي لا يحتلُّ مكانه الفعلي المبرر ، إلا بعد وصف النسق الطبيعي . إننا نرى عكس ذلك فاللغة العربية لا تستطيع وصف أي نسق معين ، وضبط لغته الواصفة بدقة متناهية نظرا للخلط الشائع بين مفهوم اللغة _ الموضوع ، ومفهوم اللغة الواصفة في عدة خطابات سيميائية ، واجتماعية عربية ، معاصرة .
لم تستطع اللغة العربية الواصفة الفصل ، طيلة مسارها الاجتماعي والثقافي الهائل ، الفصل نمطين بارزين :
1 _ النحو العربي ، والقواميس المتنوعة : يستعصي ضبط اللغة العربية الواصفة على أعلام النحو ، وأرباب القواميس .
نجدُ في بعض القواميس العربية الكلمات اللسانية الواصفة : فعل ، جملة ، زوائد / لواحق ، جذر ...الخ . لم تتم معالجة هذه الكلمات لتوضيح القانون اللغوي العربي الواصف ، الذي يجعل كلمة ( أَكَلَ ) تصنف ضمن الأفعال ، و ( التاء ) في ( تَأْكُلُ ) تصنف ضمن اللواصق ، بل لوصف المعجم تبعا لبنية متكررة . لذلك فإن فعل ( قَالَ ) يعدُّ أكثر تواترا من فعل ( ثَقَبَ / اِخْتَرَقَ ) ، وكلمة ( تَفَوُّقٌ / فَوْزٌ ) هي أكثر تكرارا من كلمة ( اِنْتِهَازِيَّةٌ / وُصُولِيَّةٌ ...) .
يحتاج التكرار في اللغة العربية إلى تأسيس اصطلاح يشمل الكلمات العادية ، والكلمات الواصفة . أما بالنسبة للكلمات المحددة ذاتيا ، فإنها تشكل اصطلاحا تاما ، لأن الفاعل النحوي للخطاب العربي ينتج كلمات محددة تدل على أخرى . تقدم لنا جملة ( أَكَلَتِ اْلفَتَاةُ اْلعِنَبَ ) عدة كلمات واصفة : [ أكل : فعل متعدٍّ + الفتاة : اسمٌ مؤنث ...الخ ] . تلعب الكلمات العربية الدالة دورا مهما عند وصفها لكلمات عادية ، ولا تستطيع تشكيل موضوع للوصف ، لأنها توظف في الخطاب العربي بطريقة تختلف عن الكلمات الواصفة . لا نجد أي أثر تحليلي (( للوظيفة الواصفة )) ضمن لغتنا العربية عند جل النحاة ، فهم لا يعالجون الكلام العربي الواصف ، وكأنه مجرد فرع معجمي فقط . توجد إذن كلمات عربية واصفة metalanguage تستعمل للحديث عن الجغرافيا ، والسينما والرياضة ، والسياحة ...الخ . تجسد هذه الكلمات الواصفة معجما عربيا يرتبط بمجال معرفي ، وحقل دلالي خاص .
يخلق الربط الجزئي بين مجال الدراسة ، وأدوات الدراسة انقطاعات كثيرة ، تبرز على مستوى الخطاب العربي الواصف ، الذي يجب وصفه وفهرسته . لا يعالج النحو العربي الخطاب المنقول عن الآخرين reported speech ، حيث يتم بصورة مشتتة استعمال المزدوجتين ، وتغيير بعض الكلمات ، أو تحويلها إلى أسماء ، مع العلم أن الموضوع اللساني يتعلق هنا بنسق عربي فرعي يجب معالجته لذاته ( 1 ) ، واستخراج قواعد تطبق على الخطاب اللساني العربي الواصف ، ومقابلتها بقواعد الخطاب العربي العادي .
يتطلب المشروع اللغوي العربي المعاصر إتمام وصف نسق لغتتنا الجميلة بشكل طبيعي ، وإبراز خصائصه الواصفة ، لأن معرفة قواعد هذا النسق تعد ضرورية لضبط الكلام المقبول واللاحن ؛ أي رصانة وتماسك المشروع اللغوي العربي نفسه . إننا إذا أردنا الحكم على (( نحوية )) ودلالة جمل اللغة العربية الواصفة ، فإن دلالة اللسانيات ستصبح بأكملها موضع سؤال . يخلخل هذا التوجه دلالة العلوم ، التي تستعمل النسق الطبيعي كلغة واصفة ، أو تبحث عن بعض النماذج داخل النظريات اللغوية ( 2 ) .
من الواضح أن اللغة العربية الواصفة تخلق لغة طبيعية ، وليس حقلا دلاليا ، ناجما عن ظاهرة الكلمات ذات الدلالة الذاتية ، التي تقابل حالة انعكاس للدال اللغوي . يحدد هذا الانعكاس عمل الدليل اللغوي ، ويقلل من شأن الترادف ، علاوة على أنه يستحق دراسة لذاته ، وتقصيا متأنيا خارج الخطاب اللغوي ، العربي ، الواصف . يؤدي هذا العمل أيضا إلى تحديد المميزات المشتركة بين الخطاب اللغوي ، العربي ، الواصف ، والخطاب العادي عن العالم ، ومعرفة ما إذا كان هذان الخطابان ينبعان من النسق اللغوي نفسه .
تستعمل اللغة العربية الوصف للحديث عن نفسها ، حيث إن نشاطها الداخلي المرتبط بالعالم يمكن أن يعيد النظر في ثنائية : الدال / المدلول باستعمال كلمات مثل : إرادي / غير إرادي . إنها قضية جوهرية تطرح بقوة في اللسانيات والأدب . يطرح هذا الموضوع السؤال التالي : كيف يمكن لدليل لغوي عربي أن يحمل دلالة ذاتية / حقيقية ، أو يفقد شفافيته ووضوحه، ويفرض علينا عَلنًا معنى خاصا ، مع استمراره في الدلالة على العالم ؟
لا تملك اللغة العربية (( وظيفة واصفة )) واحدة للحديث عن النسق الذي تنتمي إليه ، إنها تملك القدرة على الحديث عن أي دليل لغوي ، وأية لغة ، سواء كانت طبيعية أو اصطناعية ، كما أنها تتعرض لكل دليل لغوي لا ينتمي إلى قانونها الخاص ، ولا يمت بصلة للكفاية competenceاللغوية ، التي يملكها مستعملوها . تساهم الوظيفة الواصفة أيضا في تعلم اللغات بشكل واسع .
يحدث الخطاب العربي الواصف شرخا كبيرا داخل نسق لغتنا الجميلة ، خاصة عندما يتم استعمال أي دليل للحديث عن هذا النسق ، وهو ما يجعل كل حدث قادر على الالتحام بالمجال اللغوي . لذلك فإنه من المفيد دراسة الضغط الذي يحدثه الخطاب العربي الواصف على نسق لغتنا ، ورصد علاقاته مع الجديد ، والدخيل ، والاقتباس اللغوي . تنتمي دراسة اللغة العربية الواصفة إلى مجال اللسانيات العامة ، والسيميائيات .
إنه لأمر غريب جدا أن أية نظرية لغوية لم تدرس موضوع اللغة الواصفة رغم انتشاره الواسع ، لكن يلمسلاو ، وجاكبسون قد أدرجا هذه الوظيفة ضمن نظريتهما اللسانيتين .
لقد اتسعت دائرة البحوث ، التي تهتم بالتحليل السيميائي والاجتماعي لمتون لغتنا الجميلة ، وتطورت بسرعة فائقة ، حيث أصبحت تضم عدة وقائع نصية ( خطابية ) ، مختلفة . أدى هذا التوسع أيضا إلى خلق اتفاق كبير بين أشكال الإنتاج الاجتماعي للمباني والمعاني اللغوية ، ومنحها قوة ورصانة لافتة للنظر .
تضم البحوث السيميائية والاجتماعية ، التي تقارب متون اللغة العربية المعاصرة وتنظيماتها الدَّالة ، درجات متزايدة من التعقيد ، والتجريد ، والتقعيد المتعلق بالأشكال ، والحالات الخاصة بالسلالة الأدبية .
تصفُ هذه البحوث تعاقب التعديلات اللغوية ، والتنقيحات المرتبطة بأدوات التحليل ، التي ترتبط بترسيخ الموضوعات السيميائية والاجتماعية في اللغة العربية . إنها تتوخى إنتاج ثروة سيميائية واجتماعية على المستوى النظري ، حيث إن استرجاعنا لتاريخ لغتنا الجميلة يبين لنا طريقة ضمِّ هذه العينات ، والشواهد إلى بعضها لبناء عمل مهم يتصل بالقواعد العامة للغة الضَّاد
يطرحُ سؤال مهم في هذا الصدد : ما المعيار الذي يجعل اللغة العربية الواصفة تركز من المنظور السيميائي ، والاجتماعي على مبادئ محددة ، وتطمحُ إلى تحقيق أهداف تختلف عن تلك التي تركز عليها اللغات الواصفة الأخرى المعاصرة كالإنجليزية والفرنسية ؟
لاَ يرتبطُ الأمرُ هنا بصياغة تقديرات ، وتقويمات تتعلق بصلاحية محتوى الخطابات العربية العلمية المعاصرة ، كما أنه لا يرتبط أيضا بتحديد قواعد إنتاج معرفة حقيقية . فالبحوث السيميائية والاجتماعية العربية المعاصرة تحاول توسيع الأشكال الخطابية وتصنيفها ، لكنْ لا يجب خلط هذا الهدف التصنيفي بأي تحديد آخر للخطابات العلمية العربية . إنها تسمح عند تحليل النصوص الأدبية بإظهار ، وتفصيل الانتظام المنطقي ، والنحوي للأشكال السردية العربية باعتبارها تخلقُ المفاهيم ،التي لا تمتزج بالتشكيلات المنطقية الخالصة ، والنحوية العربية ، علاوة على أنَّ معرفة الأشكال الخطابية هي التي تنظم النصوص ذات الطابع العلمي .
يخضع موضوعُ تمثيل النصوص العربية لبعض الخطوات ، التي تظهر في الوقت نفسه متلائمة ، ومتخالفة داخل المجال السيميائي والاجتماعي العربي المعاصر ، الأمر الذي يفرض علينا الاعتماد على إشكالية الذات الفاعلة كما عند ( ج . لاكان ) ، والتصور الأيديولوجي ، مثلما نجد عند ( ل . ألتوسير ) ، أو التفكير العام في نظام الخطاب ، كما هو معروف عند ( م . فوكو ) .
يستند البحث اللساني العربي المعاصر في مجال تحليل الخطاب السيميائي والاجتماعي إلى رؤية مقارنةٍ تضمُّ نوعين من النصوص يختلفان كثيرا ؛ لأنه رغم انتمائهما للمجال الإنساني ، فهما يقعان على هامش المشروع العلمي الصِّرف ، ويهتمَّان بأشكال (( الفهم )) ، والاستيعاب : يتعلق الأمر من جهة بالنقد الأدبي العربي الحديث ، ومن جهة أخرى بالتفسير الديني الإسلامي . يسمح تحليل هذين الجانبين بظهور جانب مهم يرتبط بشروط ، ومستلزمات الخطاب العربي ، الذي يملك طاقة علمية واضحة ، خاصة ما يتعلق منه بمشكلة اللغة العربية الواصفة .
يرى بعض النقاد أن المفاهيم الواصفة في اللغة العربية هي عبارة عن مجموعة من السمات المشتركة بين المبدع والمتلقي ، وهو ما يساهم في تحديد طبيعة الخطاب العربي التأويلي ، الذي يقوم على استعمال لغة عربية واصفة موجزة ، تؤدي إلى تداخل ، وتعالق التأويلات دون تحديد أي رابط منطقي بينها . تطرح هنا مشكلة (( طبقية التأويلات )) ، أو تراتُبَها بالنسبة للخطاب العربي (( التفسيري )) ، وهو ما يدفعنا على النقيض من هذا إلى الانقياد لخطاب (( تصنيف التأويلات )) ونمذجتها .
إذَا كانتِ الخطاباتُ التأويلية العربية موجودةً ، فغالبًا ما يتمُّ تحديدها بصورة ناقصة ، كما أنها تستخدم ، من خلال مقابلتها مع تشكيلةٍ من التخصصات المُجَدْولة ، التي لا يمكن معالجتها إلاَّ بالنظر إلى تنوع تصنيفات الخطوات الملحوظة .
يمثلُ خطابُ العلوم الاجتماعية في العالم العربي بحثًا عن اليقين ، وهو ما يدفعه إلى التَّنبؤ بظروف الحقيقة بناء على ملفوظاته الخاصَّة : يشكل (( قول الحقيقة )) ، أو (( الصدق )) في هذه الحال نقطة النهاية . على العكس من هذا ، فبمجرد ما إن نبدأ البحث بالتساؤل عن أهدافه ، وغايته فإن مشكل الحقيقة يتزحزح من مكانه الأصلي : لا يصبح الأمر متعلقا بتهيئة شاملة لنتيجة معرفية يتم اكتسابها سلفا ، بل يحدث ذلك بضمان مسبق لمرتكزات ابستمولوجية ترتبط بخطاب عربي مستقبليٍّ .
ترتبط الخطاب السيميائي والاجتماعي في اللغة العربية المعاصرة (( بظروف الإنتاج )) ، إذْ يتحتَّم على كل نشاط بحثي قبل تقديمه للوعود ، وإنتاج (( المعرفة )) أنْ يبرزَ طريقة تميزه من خلال عدد من الشروط ، والضوابط ، وأن يلتزم باستهلاك المصادر ( المال ، الطاقة الفكرية ، كمية لا حصر لها من الورق ) ، التي تجسد كل مرحلة من عملية البحث ، ابتداء بالمشروع الأساسي البسيط ، وانتهاء بالعرض الأخير للنتائج ، مرورا بكل أنواع الوثائق الوسيطة ( الملاحظات أثناء العمل ، وضع المخططات ، الصياغة الكتابية الأولى ، الخ ...) . يظهر في هذا النطاق أنَّ كل (( بَصْمَة )) من هذه البصمات تحتاج إلى التحليل .
لا يتجلى الخطاب العلمي في اللغة العربية المعاصرة تامًّا وشاملا من خلال جمهرة من الكتب ، والمصنفات ، والمقالات ذات القانون الافتتاحي ( مجلات متخصصة ، مطبوعات جامعية ، مكتبات عامة ، دوائر معارف ... ) ، لأنه خطاب متميز قد يوحي وحده (( بالعلمية )) .
إذا فكرنا في مدى تفشِّي ضعف المرتكزات ( القائمة على البديهيات ، التي تثير الجدل ) في المنطق ، خاصة تلك التي تقابل صلابة الحساب ( حيث يقْبعُ المظهر التقني للعمل العلمي ) ، فهلْ يمكن القول أنَّها متعارضة عن طريق العلامة ، التي تمثل بمعنى آخر (( ضعف )) الخطاب العربي المعاصر في العلوم الإنسانية ، لأنه يتمُّ الاهتمام به ظاهريا ، وتعاد باستمرار صياغة (( منطلقاته )) ( بالرجوع دون هوادة إلى ظروف إمكانية التأسيس ) قبل الرجوع (( للعمل )) ، و(( الإنتاج )) حسب الصيغة اللوغاريثمية ؟
تصبح هنا عمليات (( تسريد )) الخطاب المعرفي العربي المعاصر هي الموضوع ، كما أنَّ إشكالية التَّلفُّظ تفرض نفسها كأحد الأبعاد الأساسية في التحليل . يشكل النشاط الإدراكي نتيجة محددة باعتباره فعلا سرديا ، تتحمل مسؤوليته (( الذات الفاعلة )) السيميائية ( يقوم هذا النشاط بشكل مباشر داخل الخطاب العربي المعاصر ، أو يكون عبارة عن اقتضاءٍ تفرضه الذات الفاعلة ) ، حيث تبرز تدخلاته ( المجمَلة أو المفصَّلة ) حضور عوامل الاتصال ( حسب نمط الربط والوصل ، المنفذ بهذه الطريقة ) .
لا تتحركُ اللغة العربية الواصفة باعتبارها نوعا من المحكي ، يهتم بالبحث أو بالبناء الذي يهدف إلى تحقيق غايات ( معارف ) ، بلْ إنَّها تتحرك على باعتبارها محكيا يمكن وسمُه بالمطلع ، الذي يتحدث عن بناء (( الذات العارفة )) . يمكن طرح السؤل التالي : ما هي طريقة الكتابة العربية ، التي تظهر بشكل ضمني عند المبدعين ، خاصة عندما يقدمون أعمالهم من خلال خطاب عربي قد تمَّ سرده بصورة قوية ؟ .
يسعَى نقيضُ الذَّاتِ الفاعلة جاهدا كل مرة إلى الاحتفاظ بصورة طبيعية بشكله التجريدي ، الذي يظهر ضئيلا على مستوى الفعل الإدراكي الحقيقي ( الخطاب العملي ) ، أكثر من ظهوره على مستوى البداية الابستمولوجية ، و (( نمذجة )) الفعل الإدراكي ، أو الخطاب العربي التأسيسي .
يتمُّ تحليلُ النصوص العربية حسب درجات متنوعة تعتمد على منطق العمليات البانية لإجراءات البحث ، التي توضح مدى الاستعداد لتحديد مراحل العمل . يمكن تأويل هذه العمليات البانية تبعا لوظيفة العوامل التي تدخل حيز التنفيذ ؛ أي ما يتعلق بالفاعل الذي يقوم بتعيينها ، والموضوعات التي تطبق عليها . ومهما يكنِ الأمر ، فإنَّ الانفصال عن التحليل العاملي يجعل من الممكن الاهتمام بتردد سلسلة من المحمولات ، التي تمنح الأنشطة المعرفية المتعلقة بالفاعل الرئيسي بعدًا معجميًّا (( لاحظَ ، أبصرَ ، فحصَ ، حدَّد ، قاربَ ، قارنَ ، عدَّ ...الخ )) لمعرفة ، وعزل مستوى خطابي أول يكون مستقلاًّ بطريقة منهجية ، ويعمل باسم الخطاب العملي الرئيسي . قد يرتبط الأمر بفعل إخباري بسيط مبني للمجهول (( يُلاحَظُ ، يُقالُ ، يُذْكرُ ...)) أو مبني للمعلوم (( إذا لاحظنا ... إذا فحصنا بدقة... )) ، وربَّما يكون الأمر من كل هذا وذاك له علاقة بأنماط أخرى ، تهتم بإجراءات معرفية ممكنة ، ذات صلةٍ بفعل تصنيفي ( يقوم على مبدأ معين للتَّصنيف المنطقي ، أو التنظيم الدَّلالي ) ، أو أنَّ الموضوع قد يتعلق أيضا بفعل مقارن ( يهتمُّ بتحديد العلاقات القائمة بين الموضوعات المألوفة ، المبنية من أجل العمليات السابقة ) .
تمنحُ المحمولاتُ الأنشطة المعرفية للفاعل الرئيسي بعدا معجميا (( لاحظَ ، أبصرَ ، فحصَ ، حدَّد ، قاربَ ، قارنَ ، عدَّ ...الخ )) لمعرفة وعزل مستوى خطابي أول مستقل بطريقة منهجية ، تكون باسم الخطاب العملي الرئيسي . إذا كان الأمر يتعلق بفعل بسيط إخباري مبني للمجهول (( يُلاحَظُ ، يُقال ، يُذْكر )) أو مبني للمعلوم (( إذا لاحظنا ... إذا فحصنا بدقة... )) ، وربَّما يكون الأمر من كل هذا وذاك له علاقة بأنماط أخرى ، تهتم بإجراءات معرفية ممكنة ، تتصل بفعل تصنيفي ( يقوم على مبدأ معين للتصنيف المنطقي أو التنظيم الدلالي ) ، أو أنَّ الموضوع قد يتعلق كذلك بفعلٍ مقارنٍ ( يهتمُّ بتحديد العلاقات القائمة بين الموضوعات المألوفة المبنية من أجل العمليات السابقة ) . نواجه في هذا المستوى خطابا مكونًا من تلفُّظ الفعل ، الذي يتعلق بوجهة نظر الأشكال السَّردية ، التي تعرض الإنجازات المنتجة للمعرفة _ بالمقابلة مع التَّلفظات النموذجية ، التي تؤسس قدرة الفاعل المنجز ، وكذلك مع تلفظات الحالة ، التي تهتم بموضوعات المعرفة .
يَظهرُ أنَّ المفاهيم في اللغة العربية الواصفة تتنوَّعُ كثيرا لارتباطها بكلمات مختلفة الدلالة : الفعل العلمي أو المنهجي ، الفاعل المنجز ، الفاعل الرئيسي ، أو الفاعل المعرفي : تملك هذه التَّسميات قيمًا خاصة .
يوجه الموضوع المعرفي في اللغة العربية المعاصرة مسار الذات الفاعلة على مستوى الإنجاز _ وهو مصطلحٌ لا يظهر أنَّ قيمته المجازية قد تحولت من مكانها ، إذْ يتمُّ الاعتداد بأهمية الأشكال والوجوه الخاصة بالزمكان ، من خلال عملية (( الإخراج الخطابي )) لإجراءات البحث العلمي العربي .
يبرز البحث عن المعرفة في مجال اللغة العربية المعاصرة في أبسط وأوضح تعبير ، وذلك حتى يستطيع تغطية بعض البرامج ، التي تقتصر على إتمام عدد من الأفعال الدقيقة ( انتظرَ _ أبصرَ ؛ شاهدَ _ اكتشفَ ) . يصبح هذا السبيل هو السائد في مجال الأدب العربي المعاصر بفرعه الأسطوري والفلكلوري . يرتبط الأمر كذلك بخطابات عربية أخرى تملك طاقة علمية ، حيث يقسَّمُ الإنجاز المعرفي إلى أفعال متعددة ، تبدو هي نفسها منظمة ضمن برامج صغرى ( برامج الاستعمال ) ، التي تشكل رابطا بارزا يسهِّلُ العبور للمعرفة .
قد يتحول الاهتمام بهذا الموضوع إلى موضوع آخر له الأولوية الكاملة ؛ إذا لم يتم الاهتمام بالتفسير المفصل لمختلف (( استراتيجيات )) المعرفة العلمية في الخطاب العربي المعاصر . نجد في هذه الحال عناصر مهمة تبني تأملا عاما ، يدور حول ما يمكن أن يشكل سمة مشتركة وسببا للوجود ؛ أي بناء موضوعات اللغة العربية الواصفة بكل روابطها الأساسية ، التي تبلور مبدأ الملاءمة ، والتجانس ( 3 ) .
للموضوع بقية .
المراجع
1 _ نقلا عن كتاب الباحثة الفرنسية غاي دوبوف بعنوان ( اللغة الواصفة ) .
2 _ عبد الجليل غزالة ، معارف في الأدب الفرنسي واللسانيات ، ط1 ، منشورات جامعة الجبل الغربي ، ليبيا 2012 .
3 _ نقلا عن كتاب لغريماس وآخرين بعنوان ( مدخل لتحليل الخطاب في العلوم الاجتماعية ، سلسلة ( اللغة ، اللسانيات ، الاتصال ) ، دار هاشيت ، باريس 1979 .
|