للاطلاع على محتويات الإعلان أنقر هنا  
صحيفة دولية تهتم باللغة العربية في جميع القارّات
تصدر برعاية المجلس الدولي للغة العربية

  دعوة للمشاركة والحضور           المؤتمر الدولي العاشر للغة العربية           موقع الجمعية الدولية لأقسام العربية           الموقع الجديد الخاص بالمؤتمر الدولي للغة العربية           الباحث العربي: قاموس عربي عربي           راسلنا         
الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة

حفريات في اللغة العربية الواصفة - 1

أ. د. عبد الجليل أبوبكرغزالة

 مقدمة 

   تَمْلِكُ اللغة العربية (( وظيفة واصفة ))  metalanguageتساعدها على الحديث عن نفسها . يعدُّ الخطاب اللساني العربي المعاصر أحسن مثال على وجاهة هذا الموضوع . نلجأ إلى هذه الوظيفة المتنوعة الاستعمالات ، والتعليقات لتحقيق مختلف عمليات الاتصال . إنها تجسد مسؤولية كبرى تخص اللغة العامة ، التي تضبط كل اللغات ، كما أنها تعيد بشكل دقيق تنظيم وسائل التعبير .  
   تَتوَفَّرُ اللغة العربية في هذا المنحى على خاصيتين :
- 1  وصف الأنساق السيميائية غير اللغوية ، والمنطقية ، والرياضية .
_  2  وصف القوانين التطبيقية ، وأشكال التعبير الدالة : الحركات ، الإيماءات ، التعبير الأيقوني ، الفنون البلاستيكية ، الفنون الموسيقية ...
   لاَ يَسْتَطِيعُ أيُّ نسق لغوي أن يصف نفسه ، أو يبني لغة واصفة خاصة به ، فعندما تُستعمل لغةٌ ( ل1 ) لوصف نسق دال مختلف عنها ؛ أي نسق غير لغوي ، أو لغة أخرى ، فإن الموضوع المدروس ، وأدوات الدراسة يتمايزان عن بعضهما ، لكن عندما تصف لغة معينة نفسها ، فإن التعرف على الموضوع ، وأدوات الدراسة يمثلان وضعا واحدا . 
   تضمُّ اللغة ( ل1 ) نسقا متميزا ، يعبر عن نفسه بصورة ملموسة ، كما يعبر أيضا عن لغات أخرى بصورة دائمة . يعد هذا النسق فرعيا ، إذ يحتوي على كلمات واصفة ، وكلمات ذات دلالة ذاتية .
  ترتكزُ الكلمات العربية الواصفة على قانون واضح ، تؤثثه مجموعة من العناصر ، المشكلة للمصطلحات المتخصصة ، أما الكلمات العربية المرتبطة بتعابيرنا الشفهية ، فهي مجرد فرع من الكلمات الواصفة . يرى بعض الباحثين أن وصف النسق اللغوي العربي لا يحتلُّ مكانه الفعلي المبرر ، إلا بعد وصف النسق الطبيعي . إننا نرى عكس ذلك فاللغة العربية لا تستطيع وصف أي نسق معين ، وضبط لغته الواصفة بدقة متناهية نظرا للخلط الشائع بين مفهوم اللغة _ الموضوع ، ومفهوم اللغة الواصفة في عدة خطابات سيميائية ، واجتماعية عربية ، معاصرة . 
   لم تستطع اللغة العربية الواصفة الفصل ، طيلة مسارها الاجتماعي والثقافي الهائل ، الفصل نمطين بارزين :
     1  _   النحو العربي ، والقواميس المتنوعة : يستعصي ضبط اللغة العربية الواصفة على أعلام النحو ، وأرباب القواميس . 
    نجدُ في بعض القواميس العربية الكلمات اللسانية الواصفة : فعل ، جملة ، زوائد / لواحق ، جذر ...الخ . لم تتم معالجة هذه الكلمات لتوضيح القانون اللغوي العربي الواصف ، الذي يجعل كلمة ( أَكَلَ ) تصنف ضمن الأفعال ، و ( التاء ) في ( تَأْكُلُ ) تصنف ضمن اللواصق ، بل لوصف المعجم تبعا لبنية متكررة . لذلك فإن فعل ( قَالَ ) يعدُّ أكثر تواترا من فعل ( ثَقَبَ / اِخْتَرَقَ ) ، وكلمة ( تَفَوُّقٌ / فَوْزٌ ) هي أكثر تكرارا من كلمة ( اِنْتِهَازِيَّةٌ / وُصُولِيَّةٌ ...) .
    يحتاج التكرار في اللغة العربية إلى تأسيس اصطلاح يشمل الكلمات العادية ، والكلمات الواصفة . أما بالنسبة للكلمات المحددة ذاتيا ، فإنها تشكل اصطلاحا تاما ، لأن الفاعل النحوي للخطاب العربي ينتج كلمات محددة تدل على أخرى . تقدم لنا جملة ( أَكَلَتِ اْلفَتَاةُ اْلعِنَبَ ) عدة كلمات واصفة : [ أكل : فعل متعدٍّ +  الفتاة : اسمٌ مؤنث ...الخ ] . تلعب الكلمات العربية الدالة دورا مهما عند وصفها لكلمات عادية ، ولا تستطيع تشكيل موضوع للوصف ، لأنها توظف في الخطاب العربي بطريقة تختلف عن الكلمات الواصفة .  لا نجد أي أثر تحليلي (( للوظيفة الواصفة )) ضمن لغتنا العربية عند جل النحاة ، فهم لا يعالجون الكلام العربي الواصف ، وكأنه مجرد فرع معجمي فقط . توجد إذن كلمات عربية واصفة metalanguage تستعمل للحديث عن الجغرافيا ، والسينما والرياضة ، والسياحة ...الخ . تجسد هذه الكلمات الواصفة معجما عربيا يرتبط بمجال معرفي ، وحقل دلالي خاص . 
    يخلق الربط الجزئي بين مجال الدراسة ، وأدوات الدراسة انقطاعات كثيرة ، تبرز على مستوى الخطاب العربي الواصف ، الذي يجب وصفه وفهرسته . لا يعالج النحو العربي الخطاب المنقول عن الآخرين reported speech ، حيث يتم بصورة مشتتة استعمال المزدوجتين ، وتغيير بعض الكلمات ، أو تحويلها إلى أسماء ، مع العلم أن الموضوع اللساني يتعلق هنا بنسق عربي فرعي يجب   معالجته لذاته ( 1  ) ، واستخراج قواعد تطبق على الخطاب اللساني العربي الواصف ، ومقابلتها بقواعد الخطاب العربي العادي .  
   يتطلب المشروع اللغوي العربي المعاصر إتمام وصف نسق لغتتنا الجميلة بشكل طبيعي ، وإبراز خصائصه الواصفة ، لأن معرفة قواعد هذا النسق تعد ضرورية لضبط الكلام المقبول واللاحن ؛ أي رصانة وتماسك المشروع اللغوي العربي نفسه . إننا إذا أردنا الحكم على (( نحوية )) ودلالة جمل اللغة العربية الواصفة ، فإن دلالة اللسانيات ستصبح بأكملها موضع سؤال . يخلخل هذا التوجه دلالة العلوم ، التي تستعمل النسق الطبيعي كلغة واصفة ، أو تبحث عن بعض النماذج داخل النظريات اللغوية   ( 2  ) . 
    من الواضح أن اللغة العربية الواصفة تخلق لغة طبيعية ، وليس حقلا دلاليا ، ناجما عن ظاهرة الكلمات ذات الدلالة الذاتية ، التي تقابل حالة انعكاس للدال اللغوي . يحدد هذا الانعكاس عمل الدليل اللغوي ، ويقلل من شأن الترادف ، علاوة على أنه يستحق دراسة لذاته ، وتقصيا متأنيا خارج الخطاب اللغوي ، العربي ، الواصف . يؤدي هذا العمل أيضا إلى تحديد المميزات المشتركة بين الخطاب اللغوي ، العربي ، الواصف ، والخطاب العادي عن العالم ، ومعرفة ما إذا كان هذان الخطابان ينبعان من النسق اللغوي نفسه .
   تستعمل اللغة العربية الوصف للحديث عن نفسها ، حيث إن نشاطها الداخلي المرتبط بالعالم يمكن أن يعيد النظر في ثنائية : الدال / المدلول باستعمال كلمات مثل : إرادي / غير إرادي . إنها قضية جوهرية تطرح بقوة في اللسانيات والأدب . يطرح هذا الموضوع السؤال التالي : كيف يمكن لدليل لغوي عربي أن يحمل دلالة ذاتية / حقيقية ، أو يفقد شفافيته ووضوحه، ويفرض علينا عَلنًا معنى خاصا ، مع استمراره في الدلالة على العالم ؟ 
    لا تملك اللغة العربية (( وظيفة واصفة )) واحدة للحديث عن النسق الذي تنتمي إليه ، إنها تملك القدرة على الحديث عن أي دليل لغوي ، وأية لغة ، سواء كانت طبيعية أو اصطناعية ، كما أنها تتعرض لكل دليل لغوي لا ينتمي إلى قانونها الخاص ، ولا يمت بصلة للكفاية  competenceاللغوية ، التي يملكها مستعملوها . تساهم الوظيفة الواصفة أيضا في تعلم اللغات بشكل واسع . 
     يحدث الخطاب العربي الواصف شرخا كبيرا داخل نسق لغتنا الجميلة ، خاصة عندما يتم استعمال أي دليل للحديث عن هذا النسق ، وهو ما يجعل كل حدث قادر على الالتحام بالمجال اللغوي . لذلك فإنه من المفيد دراسة الضغط الذي يحدثه الخطاب العربي الواصف على نسق لغتنا ، ورصد علاقاته مع الجديد ، والدخيل ، والاقتباس اللغوي . تنتمي دراسة اللغة العربية الواصفة إلى مجال اللسانيات العامة ، والسيميائيات . 
       إنه لأمر غريب جدا أن أية نظرية لغوية لم تدرس موضوع اللغة الواصفة رغم انتشاره الواسع ، لكن يلمسلاو ، وجاكبسون قد أدرجا هذه الوظيفة ضمن نظريتهما اللسانيتين .       
      لقد اتسعت دائرة البحوث ، التي تهتم بالتحليل السيميائي والاجتماعي لمتون  لغتنا الجميلة ، وتطورت بسرعة فائقة ، حيث أصبحت تضم عدة وقائع نصية ( خطابية ) ، مختلفة . أدى هذا التوسع أيضا إلى خلق اتفاق كبير بين أشكال الإنتاج الاجتماعي للمباني والمعاني اللغوية ، ومنحها قوة ورصانة لافتة للنظر . 
     تضم البحوث السيميائية والاجتماعية ، التي تقارب متون اللغة العربية المعاصرة وتنظيماتها الدَّالة ، درجات متزايدة من التعقيد ، والتجريد ، والتقعيد المتعلق بالأشكال ، والحالات الخاصة بالسلالة الأدبية . 
   تصفُ هذه البحوث تعاقب التعديلات اللغوية ، والتنقيحات المرتبطة بأدوات التحليل ، التي ترتبط بترسيخ الموضوعات السيميائية والاجتماعية في اللغة العربية . إنها تتوخى إنتاج ثروة سيميائية واجتماعية على المستوى النظري ، حيث إن استرجاعنا لتاريخ لغتنا الجميلة يبين لنا طريقة ضمِّ هذه العينات ، والشواهد إلى بعضها لبناء عمل مهم يتصل بالقواعد العامة للغة الضَّاد 
      يطرحُ سؤال مهم في هذا الصدد : ما المعيار الذي يجعل اللغة العربية الواصفة تركز من المنظور السيميائي ، والاجتماعي على مبادئ محددة ، وتطمحُ إلى تحقيق أهداف تختلف عن تلك التي تركز عليها اللغات الواصفة الأخرى المعاصرة كالإنجليزية والفرنسية ؟ 
    لاَ يرتبطُ الأمرُ هنا بصياغة تقديرات ، وتقويمات تتعلق بصلاحية محتوى الخطابات العربية العلمية المعاصرة ، كما أنه لا يرتبط أيضا بتحديد قواعد إنتاج معرفة حقيقية . فالبحوث السيميائية والاجتماعية العربية المعاصرة تحاول توسيع الأشكال الخطابية وتصنيفها ، لكنْ لا يجب خلط هذا الهدف التصنيفي بأي تحديد آخر للخطابات العلمية العربية . إنها تسمح عند تحليل النصوص الأدبية بإظهار ، وتفصيل الانتظام المنطقي ، والنحوي للأشكال السردية العربية باعتبارها تخلقُ المفاهيم ،التي لا تمتزج بالتشكيلات المنطقية الخالصة ، والنحوية العربية ، علاوة على أنَّ معرفة الأشكال الخطابية هي التي تنظم النصوص ذات الطابع العلمي .
   يخضع موضوعُ تمثيل النصوص العربية لبعض الخطوات ، التي تظهر في الوقت نفسه متلائمة ، ومتخالفة داخل المجال السيميائي والاجتماعي العربي المعاصر ، الأمر الذي يفرض علينا الاعتماد على إشكالية الذات الفاعلة كما عند ( ج . لاكان ) ، والتصور الأيديولوجي ، مثلما نجد عند ( ل . ألتوسير ) ، أو التفكير العام في نظام الخطاب ، كما هو معروف عند ( م . فوكو ) . 
     يستند البحث اللساني العربي المعاصر في مجال تحليل الخطاب السيميائي والاجتماعي إلى رؤية مقارنةٍ تضمُّ نوعين من النصوص يختلفان كثيرا ؛ لأنه رغم انتمائهما للمجال الإنساني ، فهما يقعان على هامش المشروع العلمي الصِّرف ، ويهتمَّان بأشكال (( الفهم )) ، والاستيعاب : يتعلق الأمر من جهة بالنقد الأدبي العربي الحديث ، ومن جهة أخرى بالتفسير الديني الإسلامي . يسمح تحليل هذين الجانبين بظهور جانب مهم يرتبط بشروط ، ومستلزمات الخطاب العربي ، الذي يملك طاقة علمية واضحة ، خاصة ما يتعلق منه بمشكلة اللغة العربية الواصفة . 
     يرى بعض النقاد أن المفاهيم الواصفة في اللغة العربية هي عبارة عن مجموعة من السمات المشتركة بين المبدع والمتلقي ، وهو ما يساهم في تحديد طبيعة الخطاب العربي التأويلي ، الذي يقوم على استعمال لغة عربية واصفة موجزة ، تؤدي إلى تداخل ، وتعالق التأويلات دون تحديد أي رابط منطقي بينها . تطرح هنا مشكلة (( طبقية التأويلات )) ، أو تراتُبَها بالنسبة للخطاب العربي (( التفسيري )) ، وهو ما يدفعنا على النقيض من هذا إلى الانقياد لخطاب (( تصنيف التأويلات )) ونمذجتها .
     إذَا كانتِ الخطاباتُ التأويلية العربية موجودةً ، فغالبًا ما يتمُّ تحديدها بصورة ناقصة ، كما أنها تستخدم ، من خلال مقابلتها مع تشكيلةٍ من التخصصات المُجَدْولة ، التي لا يمكن معالجتها إلاَّ بالنظر إلى تنوع تصنيفات الخطوات الملحوظة . 
   يمثلُ خطابُ العلوم الاجتماعية في العالم العربي بحثًا عن اليقين ، وهو ما يدفعه إلى التَّنبؤ بظروف الحقيقة بناء على ملفوظاته الخاصَّة  : يشكل (( قول الحقيقة )) ، أو (( الصدق )) في هذه الحال نقطة النهاية . على العكس من هذا ، فبمجرد ما إن نبدأ البحث بالتساؤل عن أهدافه ، وغايته فإن مشكل الحقيقة يتزحزح من مكانه الأصلي : لا يصبح الأمر متعلقا بتهيئة شاملة لنتيجة معرفية يتم اكتسابها سلفا ، بل يحدث ذلك بضمان مسبق لمرتكزات ابستمولوجية ترتبط بخطاب عربي مستقبليٍّ  . 
    ترتبط الخطاب السيميائي والاجتماعي في اللغة العربية المعاصرة (( بظروف الإنتاج )) ، إذْ يتحتَّم على كل نشاط بحثي قبل تقديمه للوعود ، وإنتاج (( المعرفة ))  أنْ يبرزَ طريقة تميزه من خلال عدد من الشروط ، والضوابط ، وأن يلتزم باستهلاك المصادر ( المال ، الطاقة الفكرية ، كمية لا حصر لها من الورق ) ، التي تجسد كل مرحلة من عملية البحث  ، ابتداء بالمشروع الأساسي البسيط ، وانتهاء بالعرض الأخير للنتائج ، مرورا بكل أنواع الوثائق الوسيطة ( الملاحظات أثناء العمل ، وضع المخططات ، الصياغة الكتابية الأولى ، الخ ...) . يظهر في هذا النطاق أنَّ كل (( بَصْمَة )) من هذه البصمات تحتاج إلى التحليل  .
    لا يتجلى الخطاب العلمي في اللغة العربية المعاصرة تامًّا وشاملا من خلال جمهرة من الكتب ، والمصنفات ، والمقالات ذات القانون الافتتاحي ( مجلات متخصصة ، مطبوعات جامعية ، مكتبات عامة ، دوائر معارف ... ) ، لأنه خطاب متميز قد يوحي وحده (( بالعلمية )) . 
   إذا فكرنا في مدى تفشِّي ضعف المرتكزات ( القائمة على البديهيات ، التي تثير الجدل ) في المنطق  ، خاصة تلك التي تقابل صلابة الحساب ( حيث يقْبعُ المظهر التقني للعمل العلمي )  ، فهلْ يمكن القول أنَّها متعارضة عن طريق العلامة ، التي تمثل بمعنى آخر (( ضعف )) الخطاب العربي المعاصر في العلوم الإنسانية ، لأنه يتمُّ الاهتمام به ظاهريا ، وتعاد باستمرار صياغة (( منطلقاته )) ( بالرجوع دون هوادة إلى ظروف إمكانية التأسيس ) قبل الرجوع (( للعمل )) ، و(( الإنتاج )) حسب الصيغة اللوغاريثمية ؟ 
     تصبح هنا عمليات (( تسريد )) الخطاب المعرفي العربي المعاصر هي الموضوع ، كما أنَّ إشكالية التَّلفُّظ تفرض نفسها كأحد الأبعاد الأساسية في التحليل . يشكل النشاط الإدراكي نتيجة محددة باعتباره فعلا سرديا ، تتحمل مسؤوليته (( الذات الفاعلة )) السيميائية ( يقوم هذا النشاط بشكل مباشر داخل الخطاب العربي المعاصر ، أو يكون عبارة عن اقتضاءٍ تفرضه الذات الفاعلة ) ، حيث تبرز تدخلاته (  المجمَلة أو المفصَّلة ) حضور عوامل الاتصال ( حسب نمط الربط والوصل ، المنفذ بهذه الطريقة ) .
   لا تتحركُ اللغة العربية الواصفة باعتبارها نوعا من المحكي ، يهتم بالبحث أو بالبناء الذي يهدف إلى تحقيق غايات ( معارف ) ، بلْ إنَّها تتحرك على باعتبارها محكيا يمكن وسمُه بالمطلع ، الذي يتحدث عن بناء (( الذات العارفة )) . يمكن طرح السؤل التالي : ما هي طريقة الكتابة العربية ، التي تظهر بشكل ضمني عند المبدعين ، خاصة عندما يقدمون أعمالهم من خلال خطاب عربي قد تمَّ سرده بصورة قوية ؟ . 
     يسعَى نقيضُ الذَّاتِ الفاعلة جاهدا كل مرة إلى الاحتفاظ بصورة طبيعية بشكله التجريدي ، الذي يظهر ضئيلا على مستوى الفعل الإدراكي الحقيقي ( الخطاب العملي )  ، أكثر من ظهوره على مستوى البداية الابستمولوجية ، و (( نمذجة )) الفعل الإدراكي ، أو الخطاب العربي التأسيسي . 
    يتمُّ تحليلُ النصوص العربية حسب درجات متنوعة تعتمد على منطق العمليات البانية لإجراءات البحث ، التي توضح مدى الاستعداد لتحديد مراحل العمل . يمكن تأويل هذه العمليات البانية تبعا لوظيفة العوامل التي تدخل حيز التنفيذ ؛ أي ما يتعلق بالفاعل الذي يقوم بتعيينها ، والموضوعات التي تطبق عليها . ومهما يكنِ الأمر ، فإنَّ الانفصال عن التحليل العاملي يجعل من الممكن الاهتمام بتردد سلسلة من المحمولات ، التي تمنح الأنشطة المعرفية المتعلقة بالفاعل الرئيسي بعدًا معجميًّا ((  لاحظَ ، أبصرَ ، فحصَ ، حدَّد ، قاربَ ، قارنَ ، عدَّ ...الخ )) لمعرفة ، وعزل مستوى خطابي أول يكون مستقلاًّ بطريقة منهجية ، ويعمل باسم الخطاب العملي الرئيسي  . قد يرتبط الأمر بفعل إخباري بسيط مبني للمجهول (( يُلاحَظُ ، يُقالُ ، يُذْكرُ ...)) أو مبني للمعلوم (( إذا لاحظنا ... إذا فحصنا بدقة...  )) ، وربَّما يكون الأمر من كل هذا وذاك له علاقة بأنماط أخرى ، تهتم بإجراءات معرفية ممكنة ، ذات صلةٍ بفعل تصنيفي ( يقوم على مبدأ معين للتَّصنيف المنطقي ، أو التنظيم الدَّلالي ) ، أو أنَّ الموضوع قد يتعلق أيضا بفعل مقارن ( يهتمُّ بتحديد العلاقات القائمة بين الموضوعات المألوفة ، المبنية من أجل العمليات السابقة ) . 
     تمنحُ المحمولاتُ الأنشطة المعرفية للفاعل الرئيسي بعدا معجميا ((  لاحظَ ، أبصرَ ، فحصَ ، حدَّد ، قاربَ ، قارنَ ، عدَّ ...الخ )) لمعرفة وعزل مستوى خطابي أول مستقل بطريقة منهجية ، تكون باسم الخطاب العملي الرئيسي  . إذا كان الأمر يتعلق بفعل بسيط إخباري مبني للمجهول (( يُلاحَظُ ، يُقال ، يُذْكر )) أو مبني للمعلوم (( إذا لاحظنا ... إذا فحصنا بدقة...  )) ، وربَّما يكون الأمر من كل هذا وذاك له علاقة بأنماط أخرى ، تهتم بإجراءات معرفية ممكنة ، تتصل بفعل تصنيفي ( يقوم على مبدأ معين للتصنيف المنطقي أو التنظيم الدلالي ) ، أو أنَّ الموضوع قد يتعلق كذلك بفعلٍ مقارنٍ ( يهتمُّ بتحديد العلاقات القائمة بين الموضوعات المألوفة المبنية من أجل العمليات السابقة ) . نواجه في هذا المستوى خطابا مكونًا من تلفُّظ الفعل ، الذي يتعلق بوجهة نظر الأشكال السَّردية ، التي تعرض الإنجازات المنتجة للمعرفة _ بالمقابلة مع التَّلفظات النموذجية ، التي تؤسس قدرة الفاعل المنجز ، وكذلك مع تلفظات الحالة ، التي تهتم بموضوعات المعرفة . 
     يَظهرُ أنَّ المفاهيم في اللغة العربية الواصفة تتنوَّعُ كثيرا لارتباطها بكلمات مختلفة الدلالة : الفعل العلمي أو المنهجي ، الفاعل المنجز ، الفاعل الرئيسي ، أو الفاعل المعرفي : تملك هذه التَّسميات قيمًا خاصة . 
      يوجه الموضوع المعرفي في اللغة العربية المعاصرة مسار الذات الفاعلة على مستوى الإنجاز _ وهو مصطلحٌ لا يظهر أنَّ قيمته المجازية قد تحولت من مكانها ، إذْ يتمُّ الاعتداد بأهمية الأشكال والوجوه الخاصة بالزمكان ، من خلال  عملية (( الإخراج الخطابي )) لإجراءات البحث العلمي العربي .  
    يبرز البحث عن المعرفة في مجال اللغة العربية المعاصرة في أبسط وأوضح تعبير ، وذلك حتى يستطيع تغطية بعض البرامج ، التي تقتصر على إتمام عدد من الأفعال الدقيقة (  انتظرَ _ أبصرَ ؛ شاهدَ _ اكتشفَ ) . يصبح هذا السبيل هو السائد في مجال الأدب العربي المعاصر بفرعه الأسطوري والفلكلوري . يرتبط الأمر كذلك بخطابات عربية أخرى تملك طاقة علمية ، حيث يقسَّمُ الإنجاز المعرفي إلى أفعال متعددة ، تبدو هي نفسها منظمة ضمن برامج صغرى ( برامج الاستعمال ) ، التي تشكل رابطا بارزا يسهِّلُ العبور للمعرفة . 
    قد يتحول الاهتمام بهذا الموضوع إلى موضوع آخر له الأولوية الكاملة ؛ إذا لم يتم الاهتمام بالتفسير المفصل لمختلف (( استراتيجيات )) المعرفة العلمية في الخطاب العربي المعاصر . نجد في هذه الحال عناصر مهمة تبني تأملا عاما ، يدور حول ما يمكن أن يشكل سمة مشتركة وسببا للوجود ؛ أي بناء موضوعات اللغة العربية الواصفة بكل روابطها الأساسية ، التي تبلور مبدأ الملاءمة ، والتجانس ( 3  ) .
للموضوع بقية .
المراجع 
1  _   نقلا عن كتاب الباحثة الفرنسية غاي دوبوف بعنوان ( اللغة الواصفة ) .
2  _   عبد الجليل غزالة ، معارف في الأدب الفرنسي واللسانيات ، ط1 ، منشورات جامعة الجبل الغربي ، ليبيا 2012 .
3   _   نقلا عن كتاب لغريماس وآخرين بعنوان ( مدخل لتحليل الخطاب في العلوم الاجتماعية ، سلسلة ( اللغة ، اللسانيات ، الاتصال ) ، دار هاشيت ، باريس 1979 .
 

التعليقات
الأخوة والأخوات

نرحب بالتعليقات التي تناقش وتحلل وتضيف إلى المعلومات المطروحة عن الموضوعات التي يتم عرضها في الصحيفة، ولكن الصحيفة تحمل المشاركين كامل المسؤولية عن ما يقدمونه من أفكار وما يعرضون من معلومات أو نقد بناء عن أي موضوع. وكل ما ينشر لا يعبر عن الصحيفة ولا عن المؤسسات التي تتبع لها بأي شكل من الأشكال. ولا تقبل الألفاظ والكلمات التي تتعرض للأشخاص أو تمس بالقيم والأخلاق والآداب العامة.

الاسم
البلد
البريد الالكتروني
الرمز
اعادة كتابة الرمز
التعليق
 
   
جميع الحقوق محفوظة © 2024
المجلس الدولي للغة العربية