
المجادلة بين المتكلم والمخاطب في اللغة العربية الواصفة واللغة الصامتة
أ. د. عبد الجليل أبوبكرغزالة
إذَا كَانتْ هناك حقيقة بديهيةٌ مازالت لم تتبلور بشكل جلي المعالم عند المتكلم العربي المُقْنِعِ persuasive ، فهي تلك التي تظهر أهميتها الشديدة من خلال شخصية مخاطب ، محترمٍ ، واثق من نفسه ، يطبق القوانين ، ويحترمها ، ويؤدي الضرائب بانتظام ، ويسلك سبيل العلم القويم ، ويحب الحقيقة الساطعة سطوع الشمس . نجد أن كثيرا من البائعين ، والمحلِّفين ، والأساتذة ، والمحامين ، والخطباء العرب يحتمون أثناء معاملاتهم المتنوعة بالضمانات المُقْنِعَةِ ، والدامغة . قد يكون موقف الإنسان العربي قويا ، فينتصب واقفا بقامته الفارعة ، أو (( ينكمش )) في مقعده الوثير ، وقد يمدِّدُ رجليه بشكل منفرج ، ويستقيم جدعه ، ويركز بصره إلى الأمام ، ويحني رأسه إلى الخلف ، فينعطف الكتفان المستقيمان قليلا إلى الوراء . يهدأ صوته أثناء الحوار بالاعتماد على عدة وقفات ، ونبرات صوتية ، ومقطعية syllabic بارزة ، كما أن الحركات ، والإيماءات الطويلة تنتج إيقاعات ونغمات rhythmic and intonative تامة ، فلا يتحمل النبر الصوتي المتميز أي ردٍّ.
أَلاَ يَتأثَّرُ المخاطب العربي بموقفٍ من هذا القبيل ؟
إنَّهُ يبحثُ في الحقيقة بشكل مستمر غير معلن عن (( عقل محاور )) ، وطمأنينة شاملة للحصول على ضمانات كبيرة . لذلك فهو يخاف من أخيه ، ومن زوجته ، ومن الإفلاس ، والأمراض ، والحظ العاثر ، والهفوات ، والكبوات والحسابات الخاطئة ، والمصير المجهول ... قد يعبر المتكلم المُقْنِعُ بقوله :
_ أنَا أَسْتَطِيعُ أنْ أُقْنعَ أيَّ مُخَاطبٍ عربي بِمُعْتقَداتِي الرَّاسِخَة ، لَكنَّنِي ربَّما أَجْهَلُ بَوَاعِثَ بَعْضِ اْلآلامِ ، وَنتائِجَ اْلحُزْنِ ، وَاْلحَيْرةِ ، وَالشَّكِّ عِندَهُ . إنَّنِي أُفكرُ فِي الأَهَمِّ ، وَأتَطلَّعُ إلَى اْلأنْفَعِ ، والأَصْلَحِ ، وَأجْتنِبُ كلَّ مَا يُسبِّبُ لهُ الألَمَ ، والحزنَ ، والحَيْرةَ ، وَالشَّكَّ .
عندما يسمع المخاطب هذا الملفوظ enunciate ، فإنه يردُّ بقوله :
_ إنَّ قَوْلَ هذَا الشَّخْصِ يَجْعلُنِي أَثِقُ بأنَّهُ يُسِرُّ إلَيَّ (( بوَصْفةٍ ثَقافِيةٍ )) فَرِيدةٍ . إنَّه يُرْشدُنِي إلَى سَواءِ اْلسَّبيلِ لكَيْ أُجارِيَّهُ فِي اْلفِعْلِ ، وأَحْصلَ علَى الضَّمَاناتِ اْلكَافيَّةِ ، والمُرِيحَةِ التِي تَعْصِمُنِيِ مِنْ كُلِّ حُزنٍ .
يُجيبهُ المتكلمُ :
_ أيُّهَا اْلعَزِيزُ ، انْتظِرْ منْ فَضْلِكَ ، سَأُفْشِي إِليْكَ سِرِّي . يَجِبُ عَليْكَ تَناوُلُ دَواءٍ نَاجعٍ لِعلاجِ آلاَمِ بَطْنِكَ ، وَاتِّباعُ مَنْهَجيَّةٍ مُحدَّدةٍ لِتَوْظيفِ أمْوالِكَ ، وَتبنِّي هذَا الرَّأْيِ السِّياسِي لِتَحْقيقِ أَحْلاَمكَ ، ومُثُلِكَ اْلعُلْيا ...الخ .
يُنْصِتُ المخاطبُ العربي إلى هذه التوضيحات باهتمام شديد ؛ إذ أن بعض الكلمات تبلغ منه مبلغا مؤثرا ، كما أن الحقيقة الثمينة قد تصله في نهاية المطاف ، فتغير حياته . لذلك ، فإنه يستقبلها بأسارير منشرحة .
تُسَيْطِرُ (( عقلية الضمانات )) على تفكير المتكلم العربي المُقْنِعِ بشكل تقليدي ، فتصبح وكأنها عدوى مقيمة .
قَدْ يَدَّعِي المخاطبُ العربي التَّحضُّرَ ، والثقافةَ ، والظرافةَ أمام هذا الرجل (( المِهْذار )) الدَّجَّال ، لكن أغلب أولي الألباب (( يفتنون )) ، وينخدعون بهذا الموقف الخاص رغم رجاحة عقولهم ، وحصافة آرائهم ، فلا يتوانون عن إصاخة السمع لهذا الشخص ، الذي يصرح بقناعاته بشكل حاسم :
_ سَيُعمِّرُ هذَا اْلإِنْتاجُ اْلعِلْميُّ اْلمُتْقَنُ لِمُدَّةِ مِائَةِ عَامٍ دونَ أنْ يَتضَرَّرَ ، أوْ يَحْتاجَ لأيَّةِ صِيَّانةٍ ، أوْ إصْلاحٍ !
يتوقَّفُ برهةً من الوقتِ ، ثم يستأنف قائلا :
_ نَعَمْ ، سَيسُودُ هذَا اْلمذْهبُ السِّياسِيُّ بِمِنْهاجِيَّتِهِ اْلحِواريَّة اْلعَادِلَةِ ، وَاْلمُتسَامِحَةِ بِشكْلٍ لاَ يَقْبَلُ الزَّللَ ، كَمَا أنَّهُ سينْشُرُ الرَّخاءَ ، والنَّماءَ ، والمُخَطَّطاتِ الفِعْليَّةَ .
يسألُ المخاطبُ العربي محاوره :
_ أَأَنْتَ مُتأكِّدٌ يَاصَاح فِعلاً مِنْ هذَا الأَمْرِ ؟
يأتيه الردُّ سريعا :
_ بِكُلِّ تَأْكيدٍ ، أيُّها اْلمُحْترمُ . أنَا أَسْتطِيعُ أنْ أُقدِّمَ إِليْكَ كلَّ الضَّماناتِ guarantees بهذَا اْلشَّأْنِ.
تَبْدُو ضماناتُ هذا الرجل عبارة عن قوة طبيعية تدكُّ معقل كل ريب ، أو زلل.
تتشكَّلُ هذه الثقة الخارقة عبر عدة مراحل ، تتأسس على موقف المتكلم العربي المُقْنِعِ ، الذي قد يبحث بعد فترة قصيرة من الوقت عن شخص مماثل ليواسيه ، ويشد عضده ، ويُرمِّمَ انكسارا ته الداخلية .
تَتَطَلَّبُ عمليةُ بناء وسائل الإقناع الحجاجي من المتكلم والمخاطب العربيين تطوير ، وتعميق موقفيهما المتعلقين بالضمانات المعروضة ، والتوفر على إيمان قوي ، وأفكار ساطعة سريعة الانتشار . يحدد هذا الإيمان كل الحركات ، والإيماءات ، والأقوال المقنعة بشكل عفوي .
ربَّما لا يتوفرُ المتكلم العربي المُقْنِعُ هنا على عقلية مؤثرة وثاقبة ، تسعى جاهدة لمنح فكرته أشكالا دقيقة ومتنوعة ، يكون همُّها الوحيد هو تقديم أطروحات (( مؤيدة ، أو معارضة )) .
قَدْ يحدثُ أحيانا عكس هذا ، حيث تسيطر العقلية النقدية المفرطة ، ويشيع الاحتياط والتحفظ ، ويتكرر التساؤل عن السبيل القويم بشكل غير متسق ومبعثر ، كما قد ترافق كل هذا بعض السمات الخاصة بالمتكلم العربي المُقْنِع .
وَنَتِيجَةً لانتشارِ هذه الأفكار المتناقضة ، والشكوك المتنوعة المعروضة يبرز سؤال ملحٌّ في هذا الصدد :
_ كَيْفَ يَقْبلُ المُخاطبُ العربي أفْكارَ هذا اْلمُتَكلِّمِ ، ويَرْضخُ لآرَائهِ ؟
يَشْعُرُ المخاطبُ أن المتكلم المُقْنِعَ لم يصبح بعدُ طرفا في موضوع الحوار . ربما يُتَّهَمُ هذا المتكلم ، الذي يعوِّلُ كثيرا على ضميره ، أو ينجرف وراء شكوكه بالنفاق والتواطؤ مع مجموعة من المخاطبين ، الذين لم يقتنعوا سوى بجزء بسيط من موضوع الحوار ، إذ يطالبون بتزكية آرائهم ، ولا يقبلون بالتباهي والاستعراض البهلواني للأفكار المبهمة .
يَتَطَلَّبُ الأمرُ من المتكلم والمخاطب العربيين أن يكونا واضحين ، ونزيهين في أقوالهما ، وآرائهما ، وسلوكهما أثناء تعاملاتهما المتنوعة . إن هذا الموقف سيجعل العالم المعاصر يحس أنهما يملكان عقليتين ناضجتين ، وخصبتين ، وتجريبيتين تقرران بصورة لا تقبل الدحض ، وتستطيعان حل مشكلة المواد الغذائية ، أو عرض برنامج عمل ناجع يهتم بالإصلاحات الاجتماعية ، والاقتصادية ، والسياسية ...
كما يلزمهما في هذه الحال أخذ الحيطة ، والحذر لكي لا يجرفهما سلوك الغطرسة ، والعجرفة نحو عوالم قاتلة . يمثل التباهي عند بعض علماء النفس سلوكا معيبا ، لأنه يجعل الإنسان يعتقد أن الشخص المتعجرف تحركه أنانيةٌ مهيمِنةٌ ، وهو ما يدفعه للمطالبة بحقه ، كما أنه يطمح إلى اكتساح ، واحتكار كل شيء ، والحكم ، والتسلط على كل شيء . يواجه المخاطب الشخص المتغطرس باللامبالاة ، فيحتدم الصراع بينهما بشدة .
لِذَلكَ ، فإنَّ المتكلم العربي المُقْنِعَ الذي يتباهى (( بأنه يقدم أدلةً مستفيضةً لا يمارس في الحقيقية سوى الإسفاف ، والهرْطَقة )) ، كما أن تفاخره أو فخفخته ، التي تجعله يدَّعي المعرفة ، والإحاطة الشاملة ربَّما تكون جارحة ، ومؤذية ، وهو ما يصدم المخاطب العربي ، ويجعله يرد :
_ هذَا اْلرَّجلُ فَرِحٌ جدَّا بِنَتيجَةِ فِعْلهِ . عَلَيَّ أنْ أَحْذَرَ جَانِبَهُ ، وَأُقَاوِمَ حُجَجهُ ، وَأُفنِّدهَا ، وَلوْ كَانتْ حَصِيفَةً ، وَمُذْهِلَةً .
لِكيْ يتمَّ قبولُ تصرفات المتكلم العربي التي تجتاح قناعة مخاطبه وتسوقها في طريقها ، فإن الأمر يتطلب منه عدم المبالغة في استعراض معرفته العلمية ، وإبراز تفوقه ، وتعاليه عن الأسئلة المطروحة . يجب عليه أن يكون حازما ، وصارما فيما يخص الفكرة التي يطرحها للنقاش ، لأنها نابعة من صلب قدراته العقلية ، كما أن عليه أن يناصر المعرفة العقلية للتأثير على المخاطب .
يجيب بقوله :
_ سَتَعْترِفُ اْلآنَ بِأنَّنِي أُسَانِدُكَ فِي كُلِّ مَا تَقُولُه ، وَتفْعَلُهُ . إنَّنِي أُقدِّمُ إِليْكَ أَجْملَ هَديَّةٍ سَتَنْفعُكَ طُولَ حَياتِكَ ، وَهِي عِبارةٌ عنْ ترْجمةٍ لمَعانِي اْلقُرْآنِ اْلكَريمِ إِلَى اللُّغةِ الإنْجْلِيزيَّة . أنَا أدْعُوكَ إِلَى قِرَاءَةِ هذَا اْلسِّفْرِ بِتأنٍّ ، وَعُمْقٍ فِي أَبْعادِه اْلأَخْلاَقيَّة وَاْلجَمَاليَّةِ ، والعِلْميَّةِ ، وَالاجْتمَاعيَّة ، فَهُو هائِلٌ جدًّا . أمَّا بالنِّسْبةِ لِلْجوَانبِ الأُخْرَى اْلمُتَعلِّقة بِفَلْسفَةِ اْلوُجودِ ، وَالطَّبِيعَةِ ، وَالإِنْسانِ فَإنَّكَ سَتُذْعِنُ أمَامَ عَظَمتِهَا ، وَتَفوُّقِهَا بِشَكْلٍ بَدِيهيٍّ . هذَا أمْرٌ لاَ مَناصَ مِنْهُ يَاصَديقِي!
قَدْ يُؤدِّي هذا القول إلى تهدئة الحب النقيِّ ، الذي يحمله المخاطب العربي لهذا المحاور اللَّبق ، الكيِّس . فلولا هذا الكلام المهذب ، والرقيق لانتفض معارضا لما سمع ، وشاهد من قبل .
يُردد الخطيبُ العربي على مسامع الملأ الذي ينصت إليه في مكان عام ، قائلا :
__ أيُّهَا اْلسَّادةُ واْلسَّيداتُ ، أنَا لاَ أرُومُ فِي هذَا اْلمَقامِ خِداعَ قنَاعَاتِكُمْ اْلشَّخصيَّةِ ، وأَسْتميلُكُمْ بِبعْضِ اْلمُحسِّنات اْلبَدِيعيَّة اْلشَّكْليَّة اْلمُنمَّقةِ . إنَّنِي أُخَاطبُ عقولَكُمْ اْلنَّيرَة ( 1 ) .
يَبُثُّ هذا الخطيبُ الكلمات ، ويلفظها بصوت مجهور sonorous متسق ، وهو ينشر طوله الفارع في الهواء الرحب ، ويبسط يديه بانتظام إلى الأمام . يفتحهما بقوة ليبرز للمخاطبين أنه لا يحمل أي سلاح عدواني فتَّاك . يعلو صدره ، وينخفض مبرزا جهده وصدقه ، وكأنه يفتح لهم الباب على مصراعيه ليبصروا فؤادا طاهرا ، أما رأسه فتعلو صدره في وضع مستقيم دون أي انحناء . تنفتح العينان ، وكأنهما تدعوَّان المخاطبين إلى رؤية ما يجيش في أعماق نفسه ، كما أنَّ الفم ، والأنف يتمددان ليبرزا أنهما لا يحجبان أية أفكار ماكرة.
يُمَثِّلُ سلوكُ هذا الرجل ، من خلال ملامحه المختلفة ، صورةً معبرة عن مستوى صراحته ، ووفائه ، أو مكره ، وريائه .
تَتَغَيَّرُ إيماءاتُ هذا الخطيب مع مرور الوقت ، وتتطور عناصر موضوع الخُطْبَةِ ، وتتنوع مواقفه ، وظروف إنتاجه ، حيث يعقد العزم على صبِّ غضبه على المخاطبين بخصوص إحدى القضايا الشائكة . لذلك فإن صدره يصاب بالتشنج ، والانقباض ، فيبدو وكأنه يستعد للقيام بهجوم كاسح : يُقطِّبُ حاجبيه ، ثمَّ يحركهما بسرعة إلى الأعلى ، ثم إلى الأسفل ، فيرسمان علامة حادة ، ومعبرة بقوة . تتحرك شفتاه إلى الأمام لإرسال وابلٍ من الشتائم ، والسِّباب ، كما يرتفع فكه الأسفل ، ويتحرك إلى الأمام ، وهو ما يشعرنا بأنه سيقذف في وجه خصومه الواقعيين ، والمتخيلين كل غضبه العميق . يحرك رأسه إلى الأمام موضحا قصده ، ويرفع قبضة يده ملوحا ، ومتوعدا ، وتصطكُّ أسنانه بصوت مسموع .
قَدْ تَعْقُبُ هذه الحركات من الغضب ، والسخط حركات أخرى معارضة تجسد التقدير ، والإعجاب ، والتوسل ، والنظام ، والاحتقار ، والخشية ، والجسارة ، والسخرية ...الخ . لماذا يستخدم هذا الخطيب كل هذه الإيماءات والحركات الصاخبة ؟
رَغْمَ كُلِّ التصريحات المتناقضة ، فإنَّ هذا الخطيب يعلم علم اليقين أنه لن يحصل على مساندة كل المستمعين ما لم يحرك شعورهم بقوة ، كما أنه لا يجهل أيضا أن أعظم الوسائل الفعالة ، التي تثيرهم هي ترجمته لمشاعر حقيقية من خلال مشهد صادق ، وقوي. ونتيجة لهذا ، فإن هذه المشاعر تصبح موحدة لتجسد ظاهرة تكون مفعمة بالظرافة ، واللطف ، والتهذيب ، والمجاملة ، وهو ما يجعلنا نعانق بعض السمات ، والضحكات ، والأحزان ، وألوان من الرقة ، والغضب بين بعض أحبائنا دون أن ننبس ببنت شفة . إننا نبثُّ إليهم بكل بساطة هذا الإحساس من خلال تعبير ملامح وجوهنا ، وإيماءاتنا ، وحركاتنا ، ومواقفنا ، وصور الأسف ، والفرح ، وآيات الكآبة ، والحزن . لذلك فإن اللغة الصامتة تعدُّ ذات فعالية كبرى تساعد المتكلم المُقْنِعَ على تبني المشاعر، التي يراها نافعة بالنسبة لمخططاته ، وأهدافه ( 2 ).
لاَ تَحْمِلُ اللُّغةُ الصامتة عند المتكلم والمخاطب العربيين مظاهر عاطفية فقط ، بل إنها تكون مدجَّجةً أيضا بالاستعارات metaphors البلاغية المتنوعة ، حيث تصبح بعض الابتسامات ، والحركات ، وانحناءات الرأس المختلفة بديلا فعليا ، ورمزا لأفكار مهمة . فكمْ من أمر يتم فهمه ، أو تجسيده بواسطة حركة ، أو غمزة عين . يعرف العشاق ، والمحبون هذا الأمر جيدا لأنهم يستعملون إشارات ، ورموزا معينة تحمل مقاصد متميزة . يشيع الاستعمال نفسه في (( لغة الأقران )) ، و(( اللغة الخاصة )) ، التي يوظفها أرباب كل مهنة ، أو وظيفة . لكي نتحاشى لقاء شخص لَحُوحٍ ، أو مزعج جدا يظهر أمامنا فجأة ، فإننا نخفض بصرنا ، ونتظاهر بعدم رؤيته . قد نزرع في هذا المستوى الشك في النفس ، أو نطعن في حصافة فكرة معينة تعرض علينا فنبدي عدم المبالاة ، ونوجه نظرنا بسرعة شطر فضاء آخر يقع على اليمين ، أو على اليسار . يثير هذا العمل الحيرة ، والريب في النفوس ، ويجعل الشفاه ترتعش ، مما يدل على عدم الرضى ، والاستهجان ، واللامبالاة ( 3) .
لِذَلِكَ ، فإنَّ المتكلم العربي المُقْنِعَ يستخدم اللغة الصامتة silent language استخداما واسعا ، لكن هذا لا يعني أنه يُجْهد نفسه ليترجم جل مشاعره إلي إيماءات ، وحركات ، وابتسامات متنوعة ، وثرية . يؤدي الإفراط في استعمال اللغة الصامتة إلى جعل المخاطب غير منظم ، حيث يغيب عن ذهنه التخطيط ، والتدبير . لذلك فإنه قد يخال المتكلم المُقْنِعَ سخيفا ، ومبتذلا .
يُشْتَرِطُ أن تكون اللغة الصامتة الموظفة لبناء وسائل الإقناع الحجاجي مختصرة ، ومكثفة توظف في الوقت المناسب ، وتساير المقام ، والخصائص الجمالية ، والفكرية للموضوع المطروح .
مِنَ الصَّعبِ جدا تحديد كل المظاهر المتنوعة المرتبطة باللغة الصامتة ، التي يستغلها الطرفان العربيان المتحاوران ، خاصة من حيث تدعيمها ، ومرافقتها ، أو تحطيمها للقول المنجز . يقظُّ هذا العمل الأزلي الهائل مضجع كل المشاعر ، والأحاسيس الإنسانية التي يجب أن تذكر بكل حذافيرها ، ويتم الإلمام بها من جميع الجوانب . إننا لا نستطيع إلى ذلك سبيلا ، لأننا لا نملك عنها سوى معلومات ضئيلة .
تُعَبِّرُ اللُّغةٌ الصامتة عند المتكلم العربي عن الاهتمام ، والطيبة ، وحب إرضاء المخاطب ، إذْ يعرب عن بعض ردود الأفعال ، التي تؤهله لممارسة سلوك عقلي ملائم ، لكن هذا الأمر لا يمثل قاعدةً عامة يمكن الركون إليها دائما . هناك حالات أخرى يضطر فيها المتكلم العربي المُقْنِعُ لممارسة سلوك خطير ، متسلط ، انفعالي ، احتفالي ، رمزي ، خفي...
قَدْ يَبْدُو أحيانا كشخص يحاول اقتراح فكرة معينة دون أن تكون له رغبة أكيدة للتمسك بها ، أو السعي إلى فرضها على المخاطب بمختلف الوسائل والطرائق ، كمَا أنَّه قد يبدو في ظروف أخرى أكثر حيطة وحذرا : باردا ، جافا ، قنوعا ، بسيطا ، قليل الحركات والإيماءات ، مختصرا في الكلام ، متعاليا ، متغطرسا ، وربما يظهر كشخص يملك حقيقة فريدة من نوعها ، ولا يبثها سوى لأناس معينين . يمكن أن نعدد في هذا الصدد ما لا حصر له من المواقف المختلفة ، التي توظف في كل واحد منها لغة صامتة خاصة .
قَدْ يَرَى المتكلمُ العربي المُقْنِعُ persuasiveأنه من الأفضل الظهور بمظهر الرجل المستعجل ، الذي ترهق كاهله الأعمال المهمة ، ولا وقت لديه لإضاعته مع (( صغار القوم وعامَّتهم )) . إنه يجسد هنا شخصا يكون منغمسا في عمله . يرد قائلا :
_ أَخِيرًا ، هَا أنْتَ قدْ وَصَلْتَ . سَأمْنَحُكَ خَمْسَ دَقَائق فَقطْ ، سَتفْهمُ بِسُرْعةٍ كُلَّ مَا أَنْتظِرهُ مِنْكَ . إنَّنِي أَفْعلُ كُلَّ هَذا لِمصْلَحَتِكَ . اِسْتغلّْ هذهِ اْلفُرْصَة الثَّمِينةَ ، اْلَّتِي أَمْنحُهَا لكَ لاَ تُضيِّعْهَا . إنَّ عَرْضِي السَّرِيعَ سَيجْعلُكَ تَفْهمُنِي ، وَتقدِّرُنِي . إنَّ الأمرَ وَاضحٌ ، وَبسِيطٌ جدًّا ، فَالنَّجاحُ لاَ ريْبَ فِيهِ !
يُعَزِّزُ المتكلمُ العربي الُمقْنِعُ توضيحاته باستخدامه للغة واصفة metalanguage تبرز نفاذ صبره ، وعجلته . يهزُّ كتفيه ، ويعض شفتيه ، ويضرب برجليه الأرض ، ويلوح بيديه ليشير إلى أنه (( قد ضاق ذرعا بهذا الموضوع )) ، كما أنه يبدأ بالدوران حول نفسه دورات متقطعة ، وكأنه يروم فعل شيء معين لكن دون جدوى . يحرك ساقيه بغية النهوض ، لكنه يتراجع .
يُمْكِنُ لهذِه الحركاتِ المفاجئة أن تفزع المخاطب العربي لدرجة تجعله لا يطلب أي تفسير رغم عدم فهمه لأي شيء . لذلك ، فإنه قد يوافق دون أية مقاومة .
قَدْ تُستعملُ اللغة الصامتة العاطفية في ظروف أخرى ترتبط بميدان العمل ، حيث تلعب دورا محوريا . يجيب المتكلم العربي المٌقْنِع في هذا الموقف بقوله :
_ أيُّهَا السَّيِدُ اْلمِقْدامُ ، أنَا أُعَوِّلُ عَليْكَ كَثيرًا . أنْتَ شَخْصٌ لَطيِفٌ . أنَا وَاثقٌ أنَّكَ سَتوافِقُني الرَّأيَ بالنِّسْبةِ لهَذا اْلمَوْضُوعِ .
يَضْحَكُ المتكلم العربي المُقْنِعُ بطريقة مفعمة بالإخلاص والوفاء ، ويربت بودٍّ وحنان على كتف الرجل ، الذي يجيب متلعثما :
_ نَعَمْ ، نَعَمْ ، مِنْ طَبيعةِ اْلحَالِ ، أنَا أُصَدِّقُكَ .
تَتَكَرَّرُ اللُّغةُ الصامتة ، التي توظف في مجال التصريحات ، والإثباتات الناجزة ، حيث تنحني الرأس إلى الخلف ، والشفتان تنطبقان على بعضهما ، واليد ترتفع إلى الأعلى في وضع عمودي ، أو تتحرك من أعلى إلى أسفل بشكل متناغم ، وموزون مستخدمة طاقة ملائمة للموقف . يفسر هذا العمل قناعة تامة ، وحاسمة تمثل (( حركة فاصلة )) لإغلاق باب المناقشة ، وفرض الفكرة المطروحة بالقوة . ترافق موضوع النقاش حركات من هذا القبيل :
_ لَقدْ قُلتُ لكَ هذَا مِنْ قَبلُ . أُصرِّحُ لكَ بِشَرَفِي أنَّ مُجْملَ اْلقَضيَّةِ هُو بِالفِعْلِ مَا أَطْرحُهُ عَليْكَ الآنَ... هذَا هُو رَأْيِي ، ولنْ أَتزَحْزحَ عنْهُ قَيْدَ أُنْمُلَةٍ .
يُصابُ المخاطبُ العربي بالحيرة ، فتتحرك في ذهنه عدة أفكارٍ :
_ يَظْهرُ أنَّكَ مُتأَكِّدٌ منْ نفْسِكَ كَثيرًا . هيَّا لِنُغامِرْ معًا . أنَا سَأُقرِّرُ دُونَ أيِّ تَردُّدٍ ، وَأَنْبُذُ التَّوجسَ ، وَاْلجُبْنَ ، وَالحذَرَ . سَأُنْجزُ هذَا اْلعَملَ بِسُرعةٍ .
يُوَظِّفُ المتكلمُ العربي المُقْنِعُ اللغة الصامتة المرتبطة بالتأمل والتبصر ، وهو ما يسم شخصيته بالكتمان ، والثبات ، والتأمل . يكثر من انحناءة الرأس ، وتحريك طرفي العينين ، وإجالة البصر في الأسفل ، والأعلى ، ووضع إحدى اليدين على الجبهة ، أو فوق العينين . تشكل هذه الحركات ، والإشارات محط اهتمام المخاطب ، حيث يفحصها بدقة لمعرفة الحجاج ، التي تحملها بين طياتها.
يَتَشَبَّثُ المتكلمُ العربي المُقْنِعُ persuasiveبهذا الموقف فترة معينة ، ثم يصرح بعد ذلك :
_ كَلاَّ ، هُناكَ صَوْتٌ دَاخِليٌّ يَحُثُّني علَى التَّشبُّثِ بِرأْيِي السَّابقِ ، ويَقولُ لِي أَنَّنِي أَسْلُكُ اْلسَّبيلَ اْلقَوِيمَ .
يُؤَدِّي هذَا القولُ إلى زعزعة رأي المخاطب العربي ، وقناعته بصورة واضحة ، فقد يتخلَّى أحد المخاطبين في بعض الأوقات عن فكرة معينة كان يعتقد في السابق أنها قويمة ، ومجدية ، خاصة عندما يتأثر بالنقد اللاذع المتميز ، الذي يوجهه إليه المتكلم . يسأل مخاطبه ، وهو في حيرة من أمره :
_ هَلْ أَنْتَ مُقْتنعٌ بهذِه اْلفِكْرة ، هذَا الرَّأْيِ ، هَذِه اْلآلَة ، هذَا اْلمَشْرُوع ؟
أنَا لاَ أُصدِّقُ كُلَّ هذَا ! إنَّ الأَمْرَ يَا صَدِيقِي لاَ يُوحِي بِاْلجِدِّيةِ اْلتَّامةِ .
يَتَلَفَّظُ المتكلم العربي المُقْنِعُ بهذه العبارات ، فيربطها بحركات متنوعة للعينين ، والأهداب والحاجبين ، حيث يرفعهما إلى الأعلى ، ثم إلى الأسفل ، ويلقي
برأسه إلى الخلف لترتسم على شفتيه ابتسامة رقيقة تصاحبها حركة من طرف الأنف أو حركة دَلْكٍ وفَرْكٍ لِرَاحةِ اليد ، كما أنه قد يقْضِم ظُفْرَ السَّبَّابة ، أو يدخله بين الأسنان ويخرجه بسرعة ، محدثا فرقعة صغيرة . يصرح بعدها بقوله :
_ إنَّ هذِه اْلآلَةَ الَّتِي تَعْرضُهَا عَليَّ لاَ قِيمَةَ لهَا . يُوجَدُ اْلكَثِيرُ منْ مَثيِلاَتِهَا فِي اْلمُتلاَشيَّات ِ.
يُحَاوِلُ المتكلمُ المُقْنِعُ persuasive أن يبرز لمخاطبه بأنه ليس من النوع ، الذي يتم استغفاله عن طريق الكذب ، والدَّجل والنفاق ، والمداهنة ، فيترجم ذلك بتحريك طرف العين ، أو عض الشفتين .
إنَّ الإعرابَ عن تأفف ، تدمر ، نفخ في راحة اليدين ، أو ضرب كفٍّ بكفٍّ يكون أحيانا كافيا لرفض حُجَّةٍ argument عديمة الفائدة ، مما يجعل هذا العمل يشبه نفض ريش عالق بالجسم .
لاِجْتِنَابِ التعاملِ مع إنسان كثير الثرثرة ، والغلو في القول أثناء المناقشة ، فإنه قد يتم تحريك الأصابع بطريقة تجعلها ، وكأنها قد طُلِيَّتْ بدهان لزج ، وهو ما قد يترجم بالقول التالي :
_ هذَا الشَّخْصُ ثَقيلُ اْلظِّلِّ ، لنْ يَتمَّ إبْعادُه أوْ صرْفُهُ بِسُهولَةٍ . إنَّهُ نَذيرُ شُؤْمٍ ، ونحْسٍ.
يَدْفعُ الثباتُ على الرأي ، والمبدأ المتكلم المُقْنِعَ إلى القيام بحركات فجائية ، لكنها تعدُّ فاصلة ، ودقيقة هندسيا ( 4 ) .
قَدْ يتوخَّى المتكلم العربي مؤازرة مخاطبه ، فيستخدم إشارات متنوعة لكي يكون لبقا ، فطنا ، متفتحا ، متسامحا ، مرنا في جل المواقف . لذلك يرسم بيديه حركات وخطوطا ، وإشارات دقيقة تترجم بعض آيات الطاعة والامتثال.
رُبَّمَا يُعربُ هذا المتكلم العربي عن معاضدته لمخاطبه بتعبير يدلُّ على المفاجأة ، مما يجعله يوظف جملاً انفعاليةً ، تعجبيةً :
_ أَنْتَ تُفكِّرُ فِي هذَا اْلأمْرِ اْلغَرِيبِ ، اْلعَجيبِ . أنَا كُنتُ أحْسَبُكَ رَجلاً يَقْتدِي ، بهِ النَّاسُ ، وَيشْهدُونَ لهُ بِالاسْتقَامةِ ، والنَّزاهةِ فِي هذِه الدِّيارِ .
يَدْفعُ هذَا السُّلوكً المخاطب العربي إلى الانتفاضة ، والمعارضة الفورية :
_ يَا سَيِّدِي ، أنَا لمْ يخْطُرْ بِبَالِي هذَا التَّفْكيرُ.
قَدْ يُفْضِي الإعراب عن هذه الحركات ، والابتسامات الباهتة المعالم أحيانا إلى نتائج إقناعية فعالة تشبه التصفيق ، والهتافات ، والتهليل القوي ، والتلويح بقبضة اليد لإبراز استياء خفيف ، وإغلاق الأذنين ، وتحريك الرأس ، وهزِّ الكتفين ، وعضِّ الشفتين ، وتحريك الرجلين ، ورفع العقيرة بأصوات مستنكرة تستهجن العمل ، والتصرف ، وانتصاب القامة ( 5 ) ...
يَسْتَعْمِلُ المتكلمُ العربي المُقْنِعُ في أغلب الأحوال لغة صامتة ، تحاول (( تهدئة الوضع ، وزرع الطمأنينة ، والثقة في نفس محاوره )) . يتقبل المخاطب الموضوع بطريقته الخاصة ، لكنه يخشى الخداع . لذلك يجب بث الطمأنينة في قلبه ، وعرض الحجج بدقة ، ثم إعادة ذكرها ، وإدراجها في الخاتمة .
يُطلقُ هذا المتكلمُ العربي المُقْنِعُ العنان للغة واصفة تهتم بتهدئة الوضع ، وزرع الطمأنينة ، والثقة :
_ يُمْكِنكَ الاطْمئنَانُ ؛ فالرَّأْيُ اْلذِي تَتَبنَّاه سَدِيدٌ جدًّا . إنَّ اْلعَمَليَّةَ مُمْتَازةٌ . لاَ تَخَفْ منْ أيِّ شَيءٍ .
إنَّهُ يُركزُ علَى هذِه التَّصريحات ، فيدعمها بضحكة عريضة مسموعة تدل على الثقة والإيمان ، وربما على نوع من التحدِّي . ينتصب الجسد مستقيمًا بطوله الفارع ، والنظرة الثابتة ، والرأس المنحنية إلى الخلف . يقف هذا المتكلم على رجليه ، وكأنه طُودٌ شامخ لا يتزحزح ، ولا يميل . يبدو هادئا ، قويا ، يجسد الحقيقة ، والقانون ، وسلطة العلم ، والقوة المحكمة . باختصار ، تنشر رؤيته الطمأنينة ، والثقة ، والأمان في نفس مخاطبه .
المراجع
1 _ أديب نصر ، الخطيب ، دار صادر ، الصفحات 87 _ 171 ( د . ت ) .
2 _ إبراهيم صالح الحميدان ، أساليب المناظرة في دعوة النصارى إلى الإسلام ، جامعة الإمام سعود ، ص 120 ، الرياض 187 .
3 _ عبد اللطيف ذيبان العوفي ، الإقناع في حملات التوعية الإعلامية ، دار الأندلس ، ص 56 وما بعدها ( د . ت ) .
4 _ jean divignes rouges ,dictionnaire de l,art de persuader, p 186 ,editions . j. oliven ,paris , 1944
5 _Ibidem , p 214
|