للاطلاع على محتويات الإعلان أنقر هنا  
صحيفة دولية تهتم باللغة العربية في جميع القارّات
تصدر برعاية المجلس الدولي للغة العربية

  الإعلان عن بداية التسجيل في المؤتمر الدولي الثامن للّغة العربية           مسابقة ألف قصيدة في اللغة العربية           عاجل جدا... لقد تغير بريد المجلس الدولي للغة العربية الإلكتروني           الموقع الخاص بالمجلس الدولي للغة العربية           الموقع الخاص بالمؤتمر الدولي للغة العربية           الباحث العربي: قاموس عربي عربي         
الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة

الترجمة بين الماضي والحاضر... ما لنا وما علينا - 1

د. امتنان الصمادي

 

بدأت علاقتنا بالترجمة منذ العصر الأموي. مع خالد بن يزيد بن معاوية (85 هـ/‏‏704 م) المُلقب بحكيم آل مروان، الذي اهتم بالكيمياء لرغبته الشديدة في تحويل المعادن إلى ذهب. وهكذا أمر بعض علماء اليونان الذين كانوا في الأسكندرية أن ينقلوا له من اليونانية إلى العربية كُتب الكيمياء. كما وأمرهم بترجمة «الأرغانون» وهي مجموعة كُتب أرسطو في المنطق.

حتى بلغت الترجمة عصرها الذهبي في عهد المأمون (198-218 هـ/‏‏813-833 م) الذي كان يرسل البعثات العلمية لجلب العلوم من مواردها الأصلية في أمهات الكتب. كان يعد العصر الذهبي للترجمة في الإسلام، إذ أنشأ بيت الحكمة في بغداد للترجمة والبحث، فترجمت بعض مؤلفات أفلاطون وأرسطو وبطليموس وغيرهم من الفلاسفة والأدباء، ويقال إن حنين بن إسحق كان يبيع مترجماته للمأمون بما يعادل وزنها ذهباً، وبذلك كانت الترجمة أغزر وأعظم منافذ إثراء العربية بمختلف أنواع العلوم والفنون والفلسفة..
وأصبح «بيت الحكمة» أول جامعة في بغداد، وأعظم مكتبة في العالم الإسلامي ترعاها الدولة...
يقول الدكتور هيثم الناهي مدير عام المنظمة العربية للترجمة في بيروت عن دور الترجمة في تطوير البحث العلمي: «إذا ما عدنا للتاريخ وتفحصنا الحقبة العباسية خصوصا المأمونية منها، سنجد أن الترجمة قد حظيت باهتمام غريب وفاعل، واهتمام كبير من الدولة في حينها بالعلماء والباحثين. فاقتحم العرب مجال إتقان اللغات العلمية السائدة في حينه في القرنين الثاني والثالث الهجريين، وصار هناك كم من الذين يتقنون اليونانية والفارسية والقوطية والصينية والهندية لتنتشر من خلالهم ترجمة العلوم بكل اختصاصاتها المتوفرة آنذاك، وعاودت حركة الترجمة الازدهار في بداية النهضة وتطوير اللغة وتخليصها من الإنشاء وإثبات قدرة اللغة الكامنة فيها في تقبل الجديد من مصطلحات ومفاهيم وتأتي العناية بالترجمة أكلها في عصرنا الحالي من خلال الأفراد والمؤسسات والمعاهد التعليمية»... هذا ما يتعلق بخط سير الترجمة تاريخيا.

 أهمية الترجمة 
اللغة تسهم في صنع الفكر وتحدد توجهاته وتؤثر في طبيعة النشاط الذي يمارسه الناطق بها، وتظهر ردود أفعالهم وتواصلهم مع الآخرين ضمن السياقات العلمية والاجتماعية. اللغة وعاء الفكر...
لا تزدهر ثقافة أمة إذا لم تتقبل ثقافة الآخرين- ولم يعد مفهوم العزلة الثقافية مسوغا في عصر العولمة.
قال طه حسين «التغير يجب أن يجمع بين القديم (التراث) والحديث أو اللقاء مع الثقافات الأخرى وهذه هي أنفع الطوائف ولها الغلبة في المستقبل» نقلا عن الترجمة وإشكالات المثاقفة (2 ص 311).
يقول بوشكين شاعر روسيا الشهير: «المترجمون هم الأحصنة التي تجر عربات الثقافة والتنوير».
ونحن جيل تربى على ترجمات الأدب العالمي إلى العربية تغذينا منها فكرا ووعيا وعمق رؤية للكون والحياة ومنها صنعنا رؤيتنا في تشكيل المستقبل... مع أوائل ترجمات اعمال دوستويفسكي وليو تولستوي وكبار عباقرة الأدب العالمي.
في المقابل، لغتنا حين تمنحنا حضورنا المخملي ونحن نردد باعتزاز هنا نحن أمة عريقة لها ما يدل عليها من قول وفعل وحكمة وعميق رؤية، هكذا كنا وهكذا نأمل أن نظل في رحاب اللغة العربية التي لا تموت بنا ولا نموت إلا ونحن نردد حروفها حبا وإجلالا وثقة بأنها لغة وجودنا الإنساني وميدان حركتنا النبيلة إذا ما أردنا أن نترك بصمة للعالم ومن العالم.

تحديات الترجمة
تساؤلات بسيطة ماذا ولماذا وكيف ومن ولمن نترجم؟
هل الترجمة تغيير لغة فحسب؟ مؤكد لا وإنما هي عملية إضفاء صبغة الأدبية على المترجم في تعريف الترجمة. 
حسب كاترينا رايس «إن الترجمة عملية تواصل ثنائية اللغة وبتوسط تهدف عادة إلى إنتاج نص باللغة الهدف يكافئ وظيفيا نص لغة المصدر» (الترجمة وإشكالات المثاقفة 2 ص 13). وينبغي ألا نغفل أن ممارسة الترجمة فعل إبداعي إذ لا توجد ترجمة جيدة لا تكون في الوقت نفسه فعلا إبداعيا بالإضافة إلى كونها فعلا إدراكيا. 
أصعب ما يمكن التعامل معه في موضوع الترجمة هو ترجمة الهوية الثقافية للشعوب لما لها من خصوصية ثقافية واختلاف ثقافات ولغات مرتبطة بأساليب حياة. 
لم يعد هناك شيء غير قابل للترجمة فعلى صعيد المثاقفة (إمكان أن تلتقي الثقافات المتغايرة عبر الترجمة) وعلى مستوى النصوص ولم تعد لعبارة والت وتمان (أنا عصي على الترجمة) مستحيلة ألا باستحالة التواصل الثقافي، فالترجمة فعل ثقافي يسمح بالتعددية 
بحسب مقال لسعد البازعي في العام 2017، تقول إحدى الإحصاءات إن نسبة ما يترجم من اللغة الإنكليزية إلى لغات العالم يتجاوز 41 في المئة من مجموع ما يترجم من اللغات الأخرى. 
وفي مقابل ذلك الرقم المهول الدال، من دون ريب، على الهيمنة التي تمارسها تلك اللغة على المشهد الثقافي العالمي، يقتسم العالم العربي والصين ما يقل عن 1 في المئة من نسبة ما يترجم من لغتيهما أو لغاتهما (أي نسبة ما يترجم من تلكما اللغتين من العالم إلى اللغات الأخرى، وليس نسبة ما تترجمه تلكما اللغتان من غيرهما من اللغات). المسافة ما بين القمة والقاعدة تقتسمها لغات مثل الفرنسية والروسية والألمانية بنسب تتراوح ما بين 10 إلى 12 في المئة، وتهبط النسبة إلى ما بين 1 إلى 3 في المئة، حين نتحدث عن لغات مثل السويدية والدنماركية والتشيكية والبولندية. تلك الإحصاءات تعود إلى نهايات القرن الماضي، وتضمنها كتاب صدر باللغة الإنكليزية عن دار بالغريف- مكملان البريطانية بعنوان «الترجمة: مقاربة متعددة التخصصات» (2014). 
ربما تغيرت الأرقام لكن من المستبعد أن يكون التغيير جذرياً، والأرجح أنه إن تغير فإن حصة اللغة الإنكليزية ستكون زادت بدلاً من أن تنقص. ومع أنه سيؤلمنا وضع اللغة العربية فإن الشيء المبهج قد يأتي ليس من ارتفاع محتمل فيما يترجم منها وإنما فيما يترجم إليها. 
ولربما اتفق البعض أو الأكثرية في أن هذا هو المهم في وضعنا الحضاري الحالي: نحن في حاجة إلى أن نترجم من الآخرين أكثر مما أن يترجم منا، ليس تقليلاً من أهمية النقل من اللغة العربية إلى غيرها، وإنما لأن الثقافة العربية تحتاج إلى الكثير، لتواكب العالم على أكثر من مستوى، وهذا ما أردت الكتابة حوله هنا.
من المؤكد أن الوضع الآن لم يعد كما ورد في تقرير سابق انتشر تداوله حول ضآلة ما يترجمه العرب، وهو تقرير وظف على نحو واسع، وتضمن الكثير من جلد الذات أكثر مما حمل من التحليل للوضع القائم والتعرف عليه بطريقة علمية.
ويبقى أمران: استراتيجيات الترجمة ومستوى الدعم الذي تلقاه. لاشك أنه بنهوض النشاط المؤسسي الذي احتوى الكثير من الجهود الفردية واجتهادات دور النشر طرأ تحسن كبير على كلا المجالين، لكن الكثير يبقى بحاجة إلى العمل الجاد. استراتيجيات الترجمة ليست واضحة فيما ينتج من أعمال، فالكثير منها يعتمد إما على تقديرات فردية وآنية أو تبعاً لنوع الدعم الذي تتلقاه المؤسسات والمترجمون.
* الورقة ألقيت في ندوة «الترجمة ودورها في التواصل الإنساني جائزة الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولي نموذجا»... في مايو الماضي - مركز اللغات - جامعة الكويت.
 

الراي

التعليقات
الأخوة والأخوات

نرحب بالتعليقات التي تناقش وتحلل وتضيف إلى المعلومات المطروحة عن الموضوعات التي يتم عرضها في الصحيفة، ولكن الصحيفة تحمل المشاركين كامل المسؤولية عن ما يقدمونه من أفكار وما يعرضون من معلومات أو نقد بناء عن أي موضوع. وكل ما ينشر لا يعبر عن الصحيفة ولا عن المؤسسات التي تتبع لها بأي شكل من الأشكال. ولا تقبل الألفاظ والكلمات التي تتعرض للأشخاص أو تمس بالقيم والأخلاق والآداب العامة.

الاسم
البلد
البريد الالكتروني
الرمز
اعادة كتابة الرمز
التعليق
 
   
جميع الحقوق محفوظة ٢٠١٣
By QualTech