للاطلاع على محتويات الإعلان أنقر هنا  
صحيفة دولية تهتم باللغة العربية في جميع القارّات
تصدر برعاية المجلس الدولي للغة العربية

  المؤتمر الدولي الحادي عشر للغة العربية           موقع الجمعية الدولية لأقسام العربية           الموقع الجديد الخاص بالمؤتمر الدولي للغة العربية           الباحث العربي: قاموس عربي عربي           راسلنا         
الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة

التصوف عند الأمير عبد القادر الجزائري

د. رزاق محمود الحكيم

   التصوف ظاهــرة سلوكية قديمـــة عند الإنسان ، نشـأت كــرد فعل لظلم الأقوياء للضعفاء ، وشعور الضعفاء بالحرمــان والاضطهاد ، أما الأديان السماوية فقـــد سمت بالنفس الإنســــانية من العالم السفلي المادي ، إلى العالم العلوي والروحي والمثالي ، وحينئــذ تبلورت فكرة الزهد والقناعة والرضا ، والعزوف عن اللهو والعبث ، والبذخ والترف .     وقد رأى كبير فلاسفة اليونان أفلاطون: " أن النفس هبطت من عالم مثالي لتشقى فترة  في عالم الحس ، ثم تعود إلى عالمها الكامل " . بينما رأى ابن خلدون أن أصـــل التصوف : " العكوف على العبــــادة ، والانقطاع إلى الله ، والإعراض عن زخرف الدنيا وزينتها ، والزهد فيما يقبل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه،والانفراد عن الخلق في الخلوة للعبـــــــادة ". ومهما يكن من أمر فإن مدلول الصوفية في الإســــلام  لايعني الانقطاع التام عن الحيـــاة العملية ، وحرمان النفس من نعيم الدنيا الذي خلقه الله سبحامه وتعــــــالى للإنسان ، وبعبارة أوضح فإن الإسلام يرفض الرهبانية التي عرفت عند كثيـــــر من الشعوب القديمة كاليونان والهنود والفرس ، وعند بعض المعتقدات والديانات ، كالبوذيـة واليهودية والنصرانية ، كما يرفض المادية المطلقة كمذهب ونظام ، بـل يوازن بين هذه وتلك دون زيادة أو نقصان، على أنه ينبغي التفريق بين  مفهوم الصوفية في الإســــلام ، وبين الشعوذة وطرائقها ، لما تنطوي عليه من بدع وأوهام لاتمت إلى الإسلام الحنيف بصلة .

وعلى ضوء هذا المفهوم المعتدل للتصــــوف الذي يوازن بين العلم والعبادة  ، وبين العمل ومجاهـــ،دة النفس ، كـان تصوف الأمير عبد القادر بن محي الدين الجزائري  ، الذي نشـــأ نشأة دينية ، وتعلم في مدرسة الزاوية التي أنشأها والده ، وتفقه على أيدي الشيوخ ، ودرس  العلوم الشرعية ، وقد أثرت هذه النشـــأة الدينية في ميوله إلى الزهد والتقوى ، والعبادة والتصوف .     

   وحين أتيحت له فرصة السفـــــر  إلى المشرق لأداء فريضة الحج ، اطلع هنــــاك على الطرق الصــــوفية ، وفي دمشـــق تأثر بالطريقة النقشبندية ، وأساليبها في التصوف ، كما سافـــر إلى بغداد واطلع على الطريقة القــــــادرية في التصوف ، وحين تعرضت الجزائــــر للاحتلال الفرنسي عام 1830 ، تولى الأمير عبد القادر قيادة المقاومة الوطنيــــة وتنظيم الجهاد ، وأسس الدولة الجزائرية ، واستطاع الاستمرار في نهج الكفاح ورعاية شؤون الأمة ستة عشر عامــــاً ، ومع قلة العتاد والسلاح والمؤونة ، وضغوط الدول المجـــاورة للجزائر ضعفت مقاومته واضطر إلى التسليم ، وتعد فترة الأسـر التي قضاها في فرنسا من أهم فترات الخلوة والتأمل ، والصبر والدعاء ، وبعد رحيله إلى دمشق تفرغ للنشاط الأدبي والتأليف ، وهي مرحلـة النضج الروحي والصوفي ، وقد تعمقت أكثر حين ذهب إلى البقـاع المقدسة مكة والمدينـــــة ، واعتكف وتفرد للعبادة والخلوة عاماً ونصف ( 1863 – 1864 ) .                        
           وللصوفية مقامات معروفة وهي : ( التوبة والورع ، والزهد ، والفقر والصبـــر ، والتوكل ، والرضا ) . أمــــا مجاهدة النفس فهي من أسمى الغايات عنـــد الصوفيين ، إذ لاوجـود سوى للعقل ، وهــــذا النمط من المجاهدة يسمى عندهم بالسفر الروحي . ونجــد لهذا السلوك حضوراً في شعر الأمير عبد القادر . قال :                              ففارق وجود النفس تظفر بالمنى     وزايل ضلال العقل إذ أنه حبس
   وإذا كان هذا حال المتصوف مع نفسه ، فإن حاله مع خالقه عزوجل حالة الشوق والمحبــــة الشديدة ، ومقاساة نـــار البعد لرؤية الحبيب ، والتقرب منه ، وفي مقام الحب الإلهي قال الأمير عبد القادر :              عن الحب مالي كلما رمت سلوانا   أرى حشو أحشائي من الحب نيرانا    ومن مجاهدات الأميـــر الصوفية الأخرى موقفــــه من النبي ( ص ) وتوسلاته إليه ، إنه يعتبر الرضا النبوي شرف وغاية عظيمة ، يسعى إلى تحقيقها ، والظفر بها ، ولذا يتوسل قائلا :                                   ياسيدي يارسول الله ياسندي      ويا رجائي وياحصني ويامددي             ومن شيوخ الأميـــر عبد القادر الذين أثــــروا في مسارات تصوفه : الشيخ محي الدين بن عربي ، والشيخ محمد الفاسي ، والشيخ خالد النقشبندي . ترك الأمير عبد القادر عدداً من المؤلفات منها :             
      1 – المقراض الحاد 2  _ المواقف في التصوف 3 _ ذكرى العاقل وتنبيه الغافل . إضافة إلى ديوانه الشعري .                                 
   هذه إطلالة سريعة على سيرة الأمير عبد القادر الجزائري ، الشاعر والفارس ، والأديب والكاتب ، والمتصوف ، وهي سيرة حميــدة حافلة بالنشـــاط الوطني والإصلاحي ، والإنتـــــاج الأدبي والعلمي ، والديني والصوفي .


التعليقات
الأخوة والأخوات

نرحب بالتعليقات التي تناقش وتحلل وتضيف إلى المعلومات المطروحة عن الموضوعات التي يتم عرضها في الصحيفة، ولكن الصحيفة تحمل المشاركين كامل المسؤولية عن ما يقدمونه من أفكار وما يعرضون من معلومات أو نقد بناء عن أي موضوع. وكل ما ينشر لا يعبر عن الصحيفة ولا عن المؤسسات التي تتبع لها بأي شكل من الأشكال. ولا تقبل الألفاظ والكلمات التي تتعرض للأشخاص أو تمس بالقيم والأخلاق والآداب العامة.

الاسم
البلد
البريد الالكتروني
الرمز
اعادة كتابة الرمز
التعليق
 
   
جميع الحقوق محفوظة © 2024
المجلس الدولي للغة العربية